الاتحاد

تقارير

درس غزة: الحوار أجدى من القنابل

درس غزة: الحوار أجدى من القنابل

درس غزة: الحوار أجدى من القنابل

نقوم اليوم نحن والفلسطينيون بجر بعضنا بعضا إلى الكارثة، وذلك رغم الاختلال الكبير في القوتين وإصرار كل طرف على الانفصال عن الثاني· وكلما تنازعنا هرباً من اللهيب حرقنا الطرف المرتبط بنا وساهمنا في القضاء على نسختنا الأخرى، على عدونا، بل على أنفسنا· ولن يضرنا الأمر في شيء أن نتذكر بعد شهر على بدء الحرب في غزة وتفشي موجة من الخطاب القومي تجتاح إسرائيل في هذه اللحظة بأن العملية العسكرية الأخيرة في غزة ليست سوى محطة أخرى على طريق تحفها النيران والعنف والكراهية، هذه الطريق التي قد ينتصر المرء فيها أحياناً وقد ينهزم لكنها في النهاية تقود إلى الدمار·
فعندما أعلنت إسرائيل و''حماس'' وقفهما لإطلاق النار ابتهجنا نحن الإسرائيليين كيف ساهمت هذه الحملة في تصحيح بعض أخطاء حرب لبنان لعام ،2006 لكن علينا أن نصغي إلى الصوت الذي يقول إن ما حققه الجيش الإسرائيلي ليس بالضرورة دليلا قاطعاً على صحة ما أقدمنا عليه، ولا يبرر بحال من الأحوال حجم العملية كما تبدى للعالم، وحتماً لا يبرر ذلك الطريقة التي نفذ بها الجيش مهمته، فالنجاح العسكري أثبت فقط أن إسرائيل أقوى بكثير من ''حماس''، وبأنه في ظروف معينة يُظهر الجيش عنفاً وقسوة غير مسبوقين·
لكن وبعد أن تبين للجميع حجم القتل والدمار الذي لحق بغزة ربما يوقف المجتمع الإسرائيلي، ولو للحظة قصيرة آليات القمع المتطورة ويمتنع عن القول بأنه على حق، وربما يصل إلى خلاصة تظل محفورة في الوعي الإسرائيلي، وربما في تلك اللحظة ندرك أخيراً ما هو جوهري وعميق بأن تصرفاتنا في المنطقة ولفترة مديدة كانت خاطئة وغير أخلاقية وتنقصها الحكمة والحصافة لأنها تصرفات تؤجج النيران ذاتها التي تحرقتنا·
وبالطبع لا يمكن تبرئة الفلسطينيين من الأخطاء التي ارتكبوها لأن القيام بذلك يظهر فقط مدى استهانتنا بهم، وكأنهم ليسوا أناساً راشدين قادرين على تحمل أخطائهم وهفواتهم· وصحيح أن سكان غزة عانوا الأمرين من قبل الإسرائيليين، إلا أنهم كانت لديهم خيارات أخرى وبدائل مطروحة أمامهم للاحتجاج والتعبير عن محنتهم المستمرة عدا إطلاق الآلاف من الصواريخ على المدنيين الأبرياء في إسرائيل· وفي تعاملنا مع الفلسطينيين علينا ألا ننسى الأخطاء التي وقعوا فيها لأنه بتبريرها كأننا نبرر لجوءهم التلقائي إلى العنف في كل مرة يواجهون فيها إسرائيل·
لكن وفي الوقت نفسه· حتى لو تصرف الفلسطينيون بعدوانية متهورة من خلال العمليات الانتحارية وإطلاق صواريخ ''القسام'' تتحمل إسرائيل باعتبارها الطرف الأقوى الجزء الأكبر من المسؤولية في السيطرة على مستويات العنف، ومن هذا المنطلق يمكن لإسرائيل أن تؤثر بشكل كبير على مجريات الصراع وتحرر الطرفين من الحلقة المفرغة للعنف والدمار·
غير أن الحلقة الأخيرة من العنف تأتي لتؤكد أنه لا يوجد بين القيادات الإسرائيلية من يدرك هذه الحقيقة، ويعترف بدور إسرائيل في وقف العنف واستئناف السلام، ففي جميع الأحوال سيجيء يوم تسعى فيه إسرائيل إلى علاج الجراح التي تسببت فيها، لكن كيف يأتي ذلك اليوم إذا لم نفهم أن قوتنا العسكرية ليست قادرة على تكريس حضورنا في منطقة تحيطنا بها الدول العربية؟ وكيف لذلك اليوم أن يأتي إذا لم ندرك جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقنا بالنظر إلى علاقاتنا المستقبلية مع الفلسطينيين سواء في الضفة الغربية، أو قطاع غزة، بل وحتى داخل إسرائيل نفسها؟ وبعد أن ينقشع غبار المعركة وتتلاشى تصريحات السياسيين حول النصر المؤزر، وعندما تتضح الهوة الشاسعة بين التصريحات المنتشية بالإنجازات العسكرية وبين المتطلبات الحقيقية للعيش بسلام في هذة المنطقة وعندما ندرك أننا خدعنا أنفسنا بالتوجه إلى غزة تكفيراً عن أخطائنا في لبنان، عندما ننتهي من كل ذلك نستطيع الالتفات إلى هؤلاء الذين أججوا الغطرسة والإحساس بالقوة لدى إسرائيل والذين لسنوات طويلة علمونا ألا نثق في السلام وإمكانية تغيير العلاقات مع العرب، بل أقنعونا بأن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة ولا نستطيع الحديث إليهم بغيرها·
ولأننا لم نستخدم غير لغة العنف نسينا أن هناك طرقاً أخرى للحديث والتواصل مع باقي البشر حتى لو كانوا من ألد أعدائنا مثل ''حماس''، فالحديث مع الفلسطينيين هو الخلاصة المركزية التي علينا أن نصل إليها بعد جولة العنف الأخيرة حتى لو تطلب الحوار الجلوس مع من لا يعترف بحقنا في الوجود، وبدلاً من تجاهل الفلسطينيين علينا أن نستغل الوضع المستجد للدخول في حوار معهم بحثاً عن سبل بديلة للعيش المشترك·
فالحوار وحده يخرجنا من الاعتقاد الراسخ بأننا والفلسطينيين محكومون بالصراع، وهو وحده يفتح طاقة الأمل في مستقبل أفضل، ولا شك أنه على المدى البعيد سيكون لهذا الإصرار على الحديث والحوار منافع أكبر بكثير من كـــل القنابل والصواريخ التي تلقيها الطائرات الإسرائيلية على قطاع غزة·
وأخيراً علينا أن نتحدث إلى الفلسطينيين لأن ما جرى في غزة خلال الأسابيع الثلاثة الماضية يضعنا نحن في إسرائيل أمام مرآة تبرز وجهاً لا بد أنه سيرعبنا لو نظرنا إليه من الخارج، أو لو نحن رأيناه يتجسد في بلد آخر، حينها سنفهم أن نصرنا ليس حقيقياً وأن الحرب في غزة لم تداوِ تلك الجراح الغائرة في أعماقنا كما كنا نعتقد·

ديفيد جروسمان
روائي إسرائيلي بارز وأحد نشطاء حركة السلام
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا