دنيا

الاتحاد

طراز هندسي تقليدي يسمح بالتهوية والإنارة

تصميم يسمح بتهوية المكان وإنارته

تصميم يسمح بتهوية المكان وإنارته

أشرف جمعة (أبوظبي)

الأبنية العتيقة، وتفاصيلها التي تدعو للتأمل، تجعل الأسواق القديمة حكايات تطل من زمن بعيد، لتروي قصتها لكل الذين يقصدون أبوابها التي لم تتغير مع الزمن، فهياكلها تختصر أزمنة حفلت بالبساطة والجمال، وأكثر ما يلفت النظر في رحلة البوح بأسرارها القديمة، هندستها التي تشكلت بما فرضه الزمن آنذاك، وفق طبيعة المكان وعمارته، حيث القوائم الطينية والعمق المنخفض في وضع اللبنات الأولى قبل البناء، والارتفاع ومن ثم الأسقف «المعروشة»، التي تسمح بمرور قليل من الضوء والهواء، وهو ما يجعلها بمعايير تلك الأزمنة صحية ومألوفة، تفوح منها رائحة كفيلة بأن تعطر المكان ومن يدورون في فلكها.

طابع معماري
ويقول المهندس عقيل أحمد عقيل، مدير وحدة ترميم المباني التاريخية في دائرة الثقافة والسياحة- أبوظبي: للمباني التاريخية عبقها الخاص، وماضيها الذي يروي عنها أسرارها العتيقة والأسواق القديمة في الإمارات متنوعة وتحمل نسقها، الطابع المعماري الخاص، الذي ينبع من شكل المباني التي شيدت في الماضي، وهو ما يرسم صورتها على أرض الحاضر في نسق مغاير للبناء العمراني الجديد، لذا تظل هذه الأسواق محتفظة بظلالها العميقة في البيئة الإماراتية، حيث تطل من زمن بعيد لتضيء على صفحة الحاضر، بكل ما تملك من مكونات بسيطة، لكنها تعبر عن روح الإنسان الأول، وما يلائمه من ارتباط بالأرض، وما يسكن في باطنها، وما تحمله من جوهر في الوقت نفسه، هو ما يجعل بناءها المعماري صورة أخرى لحياة ضجت بالبساطة، فأضحت في عصرنا الحالي رمزاً للأطر المعمارية التي أبدعها الإنسان في الماضي، لافتاً إلى أن الحفاظ على الأسواق القديمة في الإمارات مسؤولية تاريخية، وهو ما يجعل سبل العناية بها مستمرة، في إطار بقائها على نسقها المعماري القديم، لتظل هكذا واحة للتأمل والهدوء، ومن ثم الاقتراب من إطار عادات سادت في الماضي، وحياة تشكلت على طراز معماري معين، لم تزل العين تحب أن تراه، وتتفكر في الكيفية التي تشكل بها.

صيانة دورية
ويبين أن هناك أسواقاً قديمة مشهورة، مثل سوق القطارة الذي لم يزل مجوداً بأبنيته ودكاكينه المبنية من المكونات البسيطة.ولم يزل يعبر عن لون من ألوان الموروث الشعبي في الإمارات، إذ يقسم إلى صفين من الدكاكين التي تنفذ إليها الإضاءة بشكل تلقائي، وتسمح بمرور الهواء أيضاً بين جدرانها، وهي مبنية من «الطابوق» الذي يجفف في الشمس، ومن ثم تتكون البطانة للدكاكين القديمة من «الملاط الطيني»، ويشير إلى أن سوق القطارة في مدينة العين مثلاً تم ترميمه عدة مرات، ويحظى بصيانة دورية، بخاصة أن الدكاكين التي تستقر في الأسواق القديمة مصنوعة من الطين، الذي يشكل هندستها المعمارية وروحها القديمة، وعلى الرغم من أن الطين ليس قوياً أمام عوامل التعرية، لكنه يتميز بالاستدامة إذ يخلط بالماء ويجفف حتى يتلاحم وينسجم، ويشكل الإطار المعماري للدكاكين.

كنوز المدن
ويرى أن الأسواق القديمة في البداية كانت تتكون من عدد محدود من الدكاكين، ثم ازدادت مع مرور الوقت لتتشكل بهيئتها المعمارية، وتشكل عدداً ملائماً للبيع والشراء وعقد الصفقات، وكل ما يرتبط بطبيعة كل سوق عن غيره، مبيناً أن الدكان يتكون من أربعة حوائط، وأنه يتم خلط الطين بالماء، ومن ثم وضع أساس غير عميق في الأرض، ثم يرتفع البناء، وبعد أن يكتمل يتم طلاؤه بالطين أيضاً، وبالنسبة للأسقف فإنها تتكون من جذوع النخيل والعريش.
وأوضح أن معمار الأسواق القديمة، يكون على هذا النسق، وأنه يتم صيانتها كلما تعرضت إلى بعض الأضرار، بفعل العوامل الطارئة حتى تظل محتفظة بنسيجها القديم ودعائمها التراثية، فهي من الكنوز التي لم تزل تزدهي بها المدن، وتشرق بها على مر الأيام والسنين.

مواد قديمة
وأشار المهندس الاستشاري فراس الراوي، رئيس مجلس إدارة شركة استشارات هندسية في أبوظبي، إلى أن الطراز المعماري للأسواق القديمة في الإمارات له ارتباط وثيق بالطبيعة التي كانت سائدة في الأزمان السابقة، وهو ما يجعلها تطل بشكل معماري مغاير لما درجت عليه الأبنية الحديثة، التي تزدهي بأشكالها الهندسية الجديدة، لكن تظل الأسواق القديمة من المباني التاريخية في الإمارات، والتي تطل بوجهها الذي يطابق صورة الزمن الماضي، وأنه من اللافت أن ترميمها وصيانتها، والاهتمام بطابعها المعماري الأصيل، يحافظ عليها من التشويه، ويجعلها حاضرة بقوة في كل وزمن، شامخة بنسقها العمراني، الذي يميزها عن غيرها، ويجعلها صورة طبق الأصل لما كانت عليه هذه الأسواق، من خصائص في التصميم الهندسي الذي أبدعته العقول في الماضي، كنمط لتسيير شؤون الحياة، ومن ثم استخدام مواد الطبيعة في إقامة الهياكل التي شكلت الدكاكين، وأقامتها بارتفاعات معينة، ومن ثم صارت تشكل عالمها الخاص، دون تبديل أو محاولة لتغيير هويتها، وهو ما يجعلها أمام أبناء الوطن والمقيمين والزوار الأجانب واحة يستقرئ فيها روادها حكايات الزمن الماضي.
ويرى أن الاستعانة بالمواد القديمة في أثناء بناء الأسواق القديمة في الإمارات، يساير ما هو كان متبعاً في بناء البيوت والمجالس، غير أن الهندسة المعمارية للدكاكين القديمة في تلك الأسواق، كانت تعتمد على بناء غرفة واحدة ذات بناء مرتفع عن الأرض من مواد طينية مخلوطة بالماء، وأنه من الطبيعي الاستعانة بالبنائين قديماً، الذين كانوا متخصصين في تشكيلها وفق الإطار الهندسي المتعارف عليه، ويرى أن الأسواق قديماً تشكلت بصورة عشوائية، وهو ما جعلها من دلائل الزمن والأمكنة الضاربة في عمق التاريخ، ومن ثم توزيعها الجغرافي جاء بشكل مبسط.

ذاكرة الزمن
ويبين الراوي التراثي، علي حسن، قصته مع بناء البيوت على النسق القديم، إذ لم تزل ذاكرته ناضرة، رغم سنوات عمره التي تتجاوز التسعين عاماً، ويقول في جزيرة السمالية بنيت «بيت علي حسن التراثي»، الذي يطل على البحر، والذي لا يختلف عما كان سائداً في الماضي، حيث شكلته بما تعايشت معه في صبايا وشبابي، لافتاً إلى أنه لديه خبرة بمعمار البيوت والأسواق القديمة، وهو ما يجعله ينظر إلى أسواق الإمارات القديمة، على أنها إبداع شيدته الأيدي الماهرة من مكونات بسيطة، وأن هذه المكونات التي يشاهدها الناس حالياً من دلائل الجمال، ومن ثم القدرة على استخدام مواد من الطبيعة لمسايرة الحاجات، ومن ثم إقامة الأسواق في أنساق معمارية، تعبر عن وحدة المكان وخصائصه، لافتاً إلى أن الطين هو مادة الإنسان الأولى التي شكلت بيوته، إلى جانب جذوع النخيل التي استخدمت كأسقف للدكاكين التي عمرت الأسواق القديمة في الإمارات، والتي لم تزل تحتفظ بهيئتها وشكلها القديم دون تبديل وأن ذلك عائد للجهود التي رسخت للحفاظ على وحدة هذه الأسواق ومعمارها القديم.

طابع تاريخي
أوضح المستشار التراثي بنادي تراث الإمارات، حثبور الرميثي، أنه على الرغم من وجود بنائين مختصين بإقامة الدكاكين وتهيئتها هندسياً، إلا أن طبيعة الناس كانت تجعل بعضهم يتعاونون بشكل إنساني. ولفت إلى أنه كان يشارك مع الآخرين في وضع لبنات بعض الدكاكين في الأسواق القديمة، ومن ثم البيوت نفسها، وأن هذا السلوك ينم عن الطابع التاريخي للشخصية الإماراتية، التي جبلت على القيم والتقاليد، ويذكر أنه يشعر بالراحة عندما يذهب إلى بعض الأسواق القديمة في الدولة، إذ يتأملها ويسترجعها من خلالها الطريقة التي كانت تبنى بها في الماضي.

اقرأ أيضا

«شكسبير» و«اللا ملموس» في دبا الفجيرة