الاتحاد

دنيا

وليد القوتلي: التجريب فوق الخشبة شراكة تفجر الإبداع .. والثقافة تتعرض للإنحسار

يعد وليد القوتلي صاحب تجربة إبداعية تقارب 40 عاما.. درس المسرح واختص في الإخراج المسرحي في بلغاريا، وعمل أستاذا في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق. وقد بات جمهوره في سوريا والإمارات وتونس وباريس وحتى أوكيناوا في اليابان، ينتظرونه دوريا ليقدم جديده. بعد أن قدم أعمالا مهمة .

مثل «لكع بن لكع» للراحل إميل حبيبي، وعرض «كانون الثاني» وعرض «اللعب مع بيكيت: انتظار».


يعشق المبدع وليد القوتلي الحرية وإطلاق المبادرة الفردية في الإلقاء والإيماء وحركة الجسد، فهو مخرج مخضرم يكتفي بعمله الإبداعي بعيدا عن الأضواء البراقة والمناسبات الموسمية الصاخبة، ويرى المسرح مجالا رحبا لتوجيه رسالة قيمة في معزل عن منابر الخطابة والأفكار.
يباشر الحوار بتطرقه إلى الحديث عن عالم المسرح.. حيث في الآونة الأخيرة شهد المسرح عملية استبدال السيناريو برؤوس أقلام عن العرض، في ذلك يقول القوتلي: «يأخذ المخرج اليوم رؤوس أقلام، أي تصور أولي عن العرض، ويجتمع مع كادر فني وممثلين، وعبر هذا السيناريو، تطرح مقترحات من كل الكادر الفني، الممثلين مع المخرج، المساعدين مع الأدوار، واختيار الأدوار متروك لتجريب المشهد على الخشبة، أي تجريب فكرة ما للممثل أو فكرة للمخرج، ويعاد إنتاج هذه الفكرة بعدة أشكال إلى أن يتم الاتفاق على الصيغة النهائية للمشهد، وهكذا إلى أن تستكمل مسرحية كاملة، وبالتالي يكون العرض من هذا النوع قد هجر الأدب، لأن النص الأدبي للمسرح برأي كثير من المسرحين المعاصرين يقيد المسرح، لأننا إذا تقيدنا بنص جامد، لا إبداع فيه ولا ديناميكية، ويحد انطلاق المخيلة والشروط الأخرى المهمة للعرض المسرحي، مثل الحركة، التعبير الجسدي، الإضاءة، والموسيقى والمؤثرات الصوتية».

وحدة وتكامل
ذلك إذا هو الاتجاه الحالي في المسرح.. لكن ثمة ما يضيفه القوتلي، يقول: «لا بد لكل الفنون في المسرح أن تنصهر معه. مثلا، نحن إذا دخلنا إلى عرض مسرحي وشعرنا بالموسيقى على حدة، والديكور على حدة، والممثل على حدة، يعني ذلك أن العرض لم يحقق الانسجام، وأن هناك شيئا ما قد نقص، أما وقت نستقبل العمل ويكون الديكور مع السينوغرافيا، مع التعبير الحركي والكلامي، كله مصهور في بوتقة واحدة. وبالتالي نكون تلقينا عملا فنيا، كتلة واحدة، فن متجانس لا نشاز به، وبالتالي لا تنفصل الموسيقى عن حركات الممثل، عن تعبيره. اللغة التعبيرية، هي علاقة الممثل بالآخر، علاقة الممثل بالديكور، بالسينوغرافيا، وقتها لا نعود نميزها عن بعض، لكن نستقبل العرض كتلة متجانسة ولوحة إبداعية متكاملة تؤثر فينا بمجموعها».
أما عن دور الممثل في المسرح فيوضح القوتلي: «على الممثل الذي يؤدي شخصية ما أن يتقمصها جيدا، فنمط البخيل يختلف عن نمط آخر، والآخر له صوته الخاص، له حركته، فزيولوجيا خاصة، وله إشاراته الخاصة، وكذلك تعبيره الجسدي الخاص. طبعا هذا يجب أن يكون مدروسا بعمق حتى يتقدم بشكل جيد. وكذلك بالنسبة للموسيقى، وهي مرتبطة بالعرض، لا أن تكون تزيينية ولا توضيحية، يجب أن تكون متفاعلة مع العرض ككل ومنسجمة معه تماما. فالتميز الموسيقي يخدم العرض ويفترض أن ينسجم معه ومع الشخصيات ومع مقولة المسرحية والحالة العامة».

انحسار الثقافة
إلى اليابان ينقلنا القوتلي مشيرا إلى احترام اليابانيين للمسرح، فيقول: «قدمت للجمهور الياباني عرضا مسرحيا بعنوان «الانتظار» ولاحظت أنهم كالأوروبيين جمهور متطور متفاعل مع المسرح ومعتاد عليه. فبالنسبة لهم، المسرح غذاء يومي تجب متابعته، لذلك يختلفون عنا. فنحن -للأسف- المسرح منعزل عن عموم الناس، وليس في متناول جميعهم، بل الفن عموما صار حضوره من قبل قلة من المهتمين، مثلا الشعراء لا يحضرون العروض المسرحية، كذلك المسرحيون لا يحضرون أمسيات شعرية، القصاصون لا يحضرون حفلات موسيقية».
يصمت ثم يضيف: «يوجد تقوقع في الساحة الثقافية! يتقلص الاهتمام بالفنون جميعا، وليس فقط بالمسرح. أعتقد برأيي هذه مشكلة عائدة إلى انحسار الثقافة بل دورها الذي بدأ ينحسر ويصير أضيق فأضيق في بلادنا العربية كلها. فالإحصاءات تقول بأن تراجع القراءة العربية وصل إلى نسبة مخيفة. مثلا، باليابان كانوا يناقشوننا بعد كل عرض، وتقبلوا عملنا وقالوا إن العرض من مستوى رفيع، أنا دائما أقول إن العرض «فرجة» وليس للسماع».
يعود القوتلي إلى تاريخ المسرح القديم ليدعم فكرته، فيقول: «علينا أن نذهب إلى المسرح كي نتفرج ونستفيد ونفهم ونعرف! الإنسان القديم كان يرقص ويقلد الحيوانات، كانت «الفرجة» التقاط الثمر عند الإنسان البدائي، طقوس الصيد كانت بدون حكي، وهي الإرهاصات الأولى للمسرح»

اقرأ أيضا