الاتحاد

ثقافة

عرضان يتلمسان الألم الإنساني في مهرجان الفجيرة للمونودراما

واصل مهرجان الفجيرة الدولي الرابع للمونودراما، الذي تقيمه هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام بالتعاون مع فرقة مسرح الفجيرة القومي، عروضه مساء أمس الأول على خشبة مسرح جمعية دبا.
وتم تقديم العملين المسرحيين: “الزبال” من تأليف الشاعر السوري ممدوح عدوان وإخراج حاتم السيد وتمثيل عبد الكامل الخلايلة من الأردن تلاه، وفي ساحة الجمعية، تقديم “جسدي في تسعة أجزاء” من تأليف ريموند فيدرمان، المؤلف الموسيقي اليهودي الأميركي من أصول فرنسية، وإخراج مارتن إنجلر وتمثيل ستيف كاريير من لوكسمبورغ.
يمكن القول إن ما بدا قاسَما مشتركا بين العرضين هو أنهما يطرحان على المشاهد سؤالا من نوع: هل هذه حقا هي المونودراما؟.
في “الزبال”، وتبعا للنص الأدبي لممدوح عدوان والرؤية الإخراجية لحاتم السيد وبحسب أداء وملفوظ عبد الكامل الخلايلة فإن هناك أكثر من شخصية يؤديها الممثل إلى جوار الشخصية التي ليست شخصية مسرحية وحيدة، إذ يقدم عددا من الشخصيات المؤثرة في تصعيد التوتر في الخط الدرامي منذ أن بدأت شخصية “الزبال” بالتعرف على شخصيات أصحاب البيوت وموقفهم منه وموقفه من خلال قمامتهم. أما في “جسدي في تسعة أجزاء” فإن فريق العمل الذي يتمثل بمارتن إنجلر بوصفه صاحب رؤية وستيف كاريير مجسدا لشخصية ريموند فيدرمان ذاته فتظهر شخصية أخرى على الخشبة ذات حضور واضح وتساهم في إحداث التوتر الدرامي بل بدا وكأنها تتحكم بمسارات السرد الحكائي للمسرحية والانفعالات التي يبديها الممثل أمام الجمهور. كان حضور هذه الشخصية موازيا رغم أن دورها قد تحدد في إيضاح الدلالة الواسعة للعمل الناطق بالألمانية عبر الانجليزية فضلا عن أن دوره اتسم بالبرود وثِقَل الظل أحيانا كما هي الحال في المشهد الذي كما لو أنه مشهد تحقيق مستلّ من أحد أفلام الحركة (الآكشن) الأميركية، والحديث هنا عما يتصل بالفُرجة وبما تطرحه المسرحية على المُشاهد من رؤية بصرية.
بالتالي، هل يمكن القول إن العملين ينتميان جوهريا إلى ما يعرف بالمونودراما ذات الشخصية الوحيدة التي ينبغي عليها وحدها أن تجذب انتباه الجمهور لحكايتها، وذلك على نحو جوهري؟.
استنادا إلى ما حدث ليلة أمس الأول، هو اختراق لهذه الفكرة الأساسية عن المونودراما بالتأكيد، لكن هل حدث ذلك لتعزيز حضور الشخصية الوحيدة في المونودراما التي لم تعد أساسية ورضيت بموقع الشخصية الرئيسية بوصف ذلك نوعا من التجريب؟ أم ماذا؟.
قبل الإجابة عن هذا السؤال، فإن هذا “التدخل” في “صنيع” الشخصية المونودرامية الوحيدة قد خدمت الفكرة الأساسية للمسرحية في “الزبال” مثلما في “جسدي في تسعة أجزاء” على مستوى الرؤية البصرية للمسرحية الأخيرة.
قدّم عبد الكامل الخلايلة شخصيات مجاورة للشخصية الرئيسية هي شخصيات مهملة وعادية أعلت من شأن الشخصية الرئيسية وعملت على إبرازها وتحكمت إلى حدّ ما بالانعطافات السردية للحكاية التي من خلالها اتضحت للمتفرج تلك “الحالة المسرحية” وما يريد العمل كله إيصاله للمتفرج بالدلالة الواسعة للعمل.
كذلك فإن تدخل تلك الشخصية الموازية في المشهد البصري وكذلك تلك الممازحة مع إحدى المتفرجات على العرض، والتي قد تكون جرت باتفاق مسبق وانتزاع الكرسي منها ثم صعودها إلى الخشبة واستعادتها كرسيها، قد أزاح هذه “المونودراما” عن فكرة المونودراما وقرّبها إلى المسرح البريختي قليلا هو الذي يقوم في واحدة من أفكاره الكبرى على ما يعرف بكسر الإيهام. لنقل إذاً هو التجريب وأسئلته النابعة من نزوع المخرج والممثل نحو ما هو مختلف على مستوى التجربة المسرحية الشخصية والتجربة المسرحية عموما وهذا حق لأي مبدع، لكن السؤال هو هل أبقى هذا التجريب على المونودراما مونودراما ذات شخصية وحيدة؟. الأرجح أنّ هذا لم يحدث تماما، تبعا للدرس الأكاديمي بصدد وماهيتها وتعريفها والتعامل معها. وبالطبع دون أن يمسّ ذلك بالمستوى الفني الذي بلغته كل من المسرحيتين.
في أية حال وبفارق شاسع، ففي حين ناقشت “الزبال” جوانب إنسانية في حياة شخصية يُنظر إليها عادة على أنها رثّة هي “الزبال” في الأزمنة والعصور كلها، فقد قدمت “جسدي في تسعة أجزاء” تجربة ما يمكن وصفه، على وجه التعيين والتحديد، بـ”الألم اليهودي الأوروبي”، أي ما عاناه اليهود الأوروبيون على أيدي الأوروبيين أنفسهم، عبر حكاية الفتى ريموند فيدرمان الذي ينجو من محرقة وينقذه الجيش الأميركي ليصير مؤلفا موسيقيا لامعا، إنما متسائلا عن المصير الفردي وكذلك عن الماضي “اليهودي الأوروبي” على طريقة وولتر بنيامين المثقف الألماني!، مثلا لا حصرا.

اقرأ أيضا

حاكم الشارقة يدشن النسخة الألمانية لكتابه «بيبي فاطمة وأبناء الملك»