الاتحاد

دنيا

مازال يعاني من زهايمر السلحفاة !

يصفه بالوردة التي يشتم أريجها

يصفه بالوردة التي يشتم أريجها

حسين عبد علي شاب بحريني عشريني يختزل الكثير في داخله، يتعدى كونه ممثلا مسرحيا مميزا إلى كونه إنسانا يتداخل فيه الشعر والتصوير والمسرح·
يعتقد عبد علي أن ''سوبرمان'' من صنع البشر العاجزين، وأن في الجيل الحالي العديد من السوبرمانيين الحقيقيين، ممن يستطيعون الكتابة والتمثيل والتصوير والعزف وممارسة كافة الأنماط الثقافية في نفس الوقت· يشعر عبد علي كذلك بالأسى على وضع المسرحي البحريني الحالي في ظل غياب الكثير، لكنه يرى بصيصاً بعيداً يمنحه الأمل، وأمله هو أن تصبح البحرين قبلة للمهرجانات الثقافية العربية والعالمية، هكذا قال في هذا الحوار:
؟تكتب وتمثل وتصور، فإلى أي المجالات الإبداعية تميل؟
يحكم الفرد بالزمن الذي يعيشه لكي يقتنص فرصة معرفة نفسه ككائن أخلاقي، مشغول بالبحث عن الحقيقة، هكذا تكلم السينمائي الروسي أندريه تاركوفسكي عن الزمن بوصفه شرطاً أساسياً لوجود ''الأنا'' لدى كل إنسان، وباعتباره أشبه بالوسيط الثقافي الذي لا تعود هناك حاجة إليه، وحالما تكون الروابط صارمة بين الهوية الفردية وشروط الوجود·
بعيداً عن هذه الحالة الفلسفية يمكن القول إن الزمن ضرورة حتمية للإنسان، فمن خلاله قد يكون قادراً على إدراك نفسه كشخصية· المشكل في الأمر هو كيفية وصف هذا الزمن المحكومين به، والذي تترتب عليه معرفة أنفسنا، وهو -أي الزمن- موسوم بإيقاع سريع جداً متسارع مضطرب، وتتابع مخيف يكاد لا يُطاق من التغيرات، إلى جانب حالة ضبابية من التداخل· وعليه، فإن الدقيقة الواحدة قد تحمل من الأفعال ما لا يتحملها عقرب الثواني· فعلى سبيل المثال يقوم الفرد بقيادة سيارته في الوقت الذي يستمع فيه إلى الراديو، بينما تستقر على شفتيه سيجارة يسحب دخانها ويبثه في الهواء دون أن يرفعها لأن يساره مشغولة بكوب من القهوة، ويمينه تداعب أزرار كيبورد حاسوبه المتنقل على المقعد بجانبه يقوم بإرسال بريد إلكتروني طارئ، في حين يمسك مقود السيارة بطرف ركبته، في الوقت الذي يستقر هاتفه الجوال بين أذنه وكتفه الأيمن، بالإضافة لكونه مشغول البال في أمر آخر مختلف كليا عمّا سلف· هل يمكن التساؤل كيف يقوم هذا الفرد بكل هذه الأفعال في هذه الفترة الزمنية الواحدة؟ هل بات الفرد بحاجة لقدرة ''سوبرمان'' الخارقة لفعل كل ذلك؟ أم أن الزمن كان كفيلاً ليحولنا إلى ''سوبرمانيين'' مختلفين، نقوم بعدة أفعال مختلفة في زمن موحد·
''سوبرمان'' كان نتيجة عجزنا عن مقاومة كل تغيرات وتسارع الزمن، الزمن الذي لم يلقِ بظلاله على الفرد وحسب، بل حتى على طريقة تفكيره وعمله ومجالات إبداعه· الأجناس الأدبية والثقافية التي كانت تتحصن في قوالب ثابتة مقدسة باتت معرضة للشك والكسر والهدم، على اعتبار أن العصر الحديث هو عصر تداخل الأجناس، وبالتالي ظهرت أجناس هجينة معقدة أشبه بكائن حي، لا ينمو فحسب، ولكنه أيضا يتغيّر من طور إلى طور· ولا يمكن عموماً القطع بتعريفها إلا بصورة جزئية وضمن سياقات خاصة· وتبعاً لذلك، فإن مصطلح (رواية) -مثلا- الذي عبر نوع سردّي من النصوص في حقبة ما، لم يعد صالحاً لاستيعاب دلالة التطورات في ذلك النوع والتحولات التي يمر بها، فضلا عن تلاحقه وتوالجه مع غيره من الأنواع كالنثر والشعر والمسرح· قس على ذلك الأجناس الأخرى المختلفة· كيف يمكن أن نفصل النثر عن الشعر، والصورة عن الشعر، والشعر عن الراوية، والسينما عن المسرح، والشعر عن السينما، والتشكيل عن الموسيقى·
يبقى القول -بالنسبة لي- فعلى الرغم من هذا التداخل الرهيب في الأجناس الأدبية والفنية، يظل المسرح كالوردة التي أشتم أريجها ولو تواجدت بين نباتات أخرى، وذلك باعتباره الجنس الجامع المانع لكل ما سبق وما سيأتي من الأجناس·
؟كيف تصف علاقتك بالمسرح؟
أستعير من المسرحي العراقي جواد الأسدي إجابته حين يقول: ''علاقتي بالمسرح ثقافية وإبداعية وإنسانية، ولكنها قبل كل ذلك علاقة لذة واستمتاع''· وأضيف هي بالنسبة لي أشبه بدرويش يقوم بالرقصة المولوية لدى المتصوفة، حينما يقومون بالدوران حول مركز الدائرة لمدة ساعات طويلة، ويندمجون في مشاعر روحية سامية ترتقي بنفوسهم إلى مرتبة الصفاء الروحي فيتخلصون من المشاعر النفسانية ويستغرقون في وجد كامل يبعدهم عن العالم المادي·
العلاقة وعلى الرغم من صعوبة وصفها إلا أنه يمكنني أن أختزلها بالهروب من الذات إلى الذات نفسها·
؟هل يلاقي المسرح البحريني الأصداء التي يستحقها؟
محلياً الإجابة الحتمية والقطعية على مثل هذا السؤال هي ببساطة وبالبنط العريض ''لا''· والدليل على ذلك ما جاء في مقال الصديق المسرحي خالد الرويعي قبل عدة أيام وجيزة والمعنون بـ ''زهايمر السلحفاة''، الذي يذكر فيه وثيقة تاريخية عبارة عن ورقة قدمها مسرح أوائل عام 1975 وفيها مطالبات المسرحيين في ذلك الوقت· وأكاد أجزم أنها نفس المطالب المرفوعة في الوقت الحالي· ونفسها التي سترفعها الأجيال القادمة في القرون القادمة·
وبالتالي فالحديث مجدداً عن حالة التهميش وعن كوم العراقيل أو المعوقات التي يعيشها المسرح البحريني، هو بمثابة معوق بحد ذاته، خصوصاً وأن أي مسؤول جديد قادم لا يتسلم تنصيبه إلا بعد أن يدعس الطين في أذنه والعجين في الأذن الأخرى· ولذلك أن ينشغل المسرحي في الحديث عن كيفية تخطي هذه العراقيل وهذه الحالة من التهميش الدائم، له أمرٌ أجده أنفع بكثير من إيقاظ الحصان العجوز النائم·
أما على المستوى العربي فأنني أجد المسرح البحريني قد استطاع أن يترك بصمة إيجابية واضحة، وسمعة طيبة تعكس مدى وعي وجدية العاملين فيه· وبذلك باتت الأعمال المسرحية البحرينية محل ترقب وانتظار المتفرج العربي في المهرجانات المختلفة· وباتت الأسماء البحرينية مثل عبدالله السعداوي وإبراهيم خلفان ويوسف الحمدان والمخرج خالد الرويعي والفنان محمد الصفار، أسماء لها مكانة ورنانة أينما حلّت· ولك أن تسأل مرتادي مهرجان القاهرة التجريبي عن اسم من الأسماء السالفة الذكر وسينبيك بالكثير·
؟لِم اخترت الميل إلى المسرح التجريبي بالذات؟
على الرغم من أن أية محاولة لتأطير مفهوم محدد للتجريب ضمن قالب محدد ومعين هو انتهاك للمفهوم نفسه، إلا أنه يمكنني أن أصف الأعمال المسرحية التجريبية باعتبارها الأعمال التي تكون قائمة على عملية تكرار الاختبار والإكثار منه، بمعنى عدم الارتكان إلى اختبار واحد والتشبث به باعتباره الصواب الدائم، بل تكون هذه الأعمال مرتكزة على حالة ديناميكية تفاعلية غير مستقرة إطلاقاً ومنغمسة في البحث والاكتشاف بغرض تدشين فضاءات الإبداع في المسرح·
من هذا المنطلق فإن الذهاب إلى البروفة هو بمثابة قلق دائم جميل ومربك لا ينتهي عند انتهاء العرض المسرحي بل قد يبدأ حينها· هذا القلق هو شبيه بقلق عاشق ذاهبٌ إلى موعد غرامي مع أجمل نساء العالم، والتي لا يعتبر استعطاف قلبها نحوه صعباً فحسب بل ضرباً من الخيال·
إليّ بمسرح يفتح الباب على مصراعيه لجنون ممثليه وطلاسم العشاق، لمسرح يكون المشكل الأول للممثل فيه هو الممثل نفسه، لمسرح يبدأ حيث ينتهي· ليس هناك من مسرح يضمن لك كل ذلك، سوى ذلك الذي يأبى أن يركن على حال، سوى ذلك المشغول حتى النخاع بالبحث والاختبار والتجريب

اقرأ أيضا