الاتحاد

ثقافة

تحليل قد يحمل الإجابة الشافية للغز محمد بن راشد الذي ملأ الدنيا وشغل الناس

محمد بن راشد

محمد بن راشد

د. علي بن تميم

يتولد السؤال في القصيدة المعنونة بـ«هو لغز موضح وخفي» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في أثناء رسم صورة فتاة تحتفل بالعيد وتحمل كتاباً بين يديها وهي تتساءل. وليس من شك في أن القراءة تغري بطرح السؤال وتحث عليه.
في الكتاب لغز واللغز هو محور القصيدة. نبتت التساؤلات في أجواء عابقة بالمعرفة وبالجمال. فالفتاة التي تطرح السؤال تحمل كتاباً بين يديها. والكتاب مصدر المعرفة ومنبع الأسئلة. ومن القراءة يتولد السؤال وتتوالد الإجابات بعد ذلك. لكنّ المعرفة صنو الجمال، لهذا كان من الطبيعي أن تجمع الفتاة بينهما، فتبدو بضة، ناعمة الكف، حسنة الصوت والعزف، زكية الرائحة، تخضّب يديها الناعمتين بالحناء احتفالاً بالعيد.
بادَرَتني وفي يديها الكتابُ
عَـنْ سُـؤالٍ لا يعتريهِ جَوابُ
بَـضَّةٌ كَـفُّها كملمَسِ طـفـلٍ
ومـنَ العيدِ بانَ فيها الخِضابُ
وأجواء العيد تجعلنا على تماس مع السؤال الذكي الذي تطرحه القصيدة في تلك الأجواء الاحتفالية الجميلة. لهذا يجيء الحديث عن الناس تمهيداً منطقياً للسؤال - اللغز، فالناس معادن تتفاوت في قيمتها وفي نفاستها، ومن المنطقي أن تجمع بين التبر والتراب. كما أنّ من الطبيعي أن تقود المقدمات إلى النتائج، فالمرء لا يجني من الشوك العنب. ولا تتشابه القطاة ومفردها قطا، وهو نوع من اليمام يؤثر الحياة في الصحراء ويتخذ أفحوصة في الأرض ويطير جماعات ويقطع مسافات شاسعة، مع الغراب الأسود اللون بتاريخه الرمزي الذي يشير إلى الخراب والموت.
لا يزالُ الورىَ بخيرٍ إذا هُمْ
جَعَلوا الخيرَ منهجاً فيهِ ذابوا
يزرَعُ الوَردَ راغبُ الجَنْيِ ورداً
كلُّ شَـيْءٍ لَهُ يـكونُ احتسابُ
ونتاجُ الأشياءِ ينتُجُ منها
منطِقٌ ليسَ في مَداهُ عِتابُ

الحضور والغياب
في ظلال هذا التباين الواضح بين مختلف معطيات الحياة تعود القصيدة إلى اللغز، وهي عودة حصيفة تعيد القارئ للسؤال بعد أن جعلته يستمتع ويتعلم ويعتبر ويذوق الجمال.
يتنامى السؤال على نحو يجمع بين الحضور والغياب والخفاء والتجلي، فهو «مستظل بغيب»، وهو «من الخيل» و«له ناب في حوادث الدهر»، و«له عمود وعماد واعتماد وصحبة أغراب»، و«له أخوة بأسماء شتى».
وسؤالي عن مستظل بغيب
ذي شمول له المدى ينساب
ومن الخـيل إن فهمت فخبر
وله فـي حوادث الدهر ناب
فاتحاً للحياة والخـير باباً
وعلى الموت منه يفتح باب
وعـمود له وثمّ عماد
واعتماد وصحبة أغـراب
ولـه أخوة بأسـماء شتى
مـن تراهم يا أيها الأحباب

والواضح أن المستظل بالغيب هو المستتر الذي لا يظهر إلا في وقت محدد، فعندما نقول: استظلت الشمس نعني أنها استترت بالسحاب. أما أنه من الخيل فلأن الخيل من السوابح وسميت كذلك لأنها تسبح بيديها في سيرها، كما قال أبو الطيب:
«أعزُّ مكان في الدُّنا سرج سابحٍ».
وقد سمى الله حركة الشمس والقمر في الفضاء سباحة «وكلُّ في فلك يسبحون» [سورة يس: 40].
ًأما أنّ له ناباً في حوادث الدهر فتشير إلى اعتماد الناس عليه في التوقيت وفي التأريخ وفيما يقع فيهما من حوادث وصروف. وقد جاء في الذكر الحكيم:
«يسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ».. [سورة البقرة: 189]، ونظيره قوله تعالى: «وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب» [الإسراء: 12].
أما أن له عموداً واعتماداً وعماداً فهذا صحيح فالعمود هو الأصل الذي تتحدر منه الأشياء، والهلال طور من أطوار القمر الذي يعرف بالمحاق والهلال والأحدب والربيع والبدر. أما العماد فهو الركن والأساس، وللهلال اعتماد فعليه يتم الاتكاء في تحديد المناسبات كرمضان والعيدين. أما الصحبة الأغراب فتحتمل أن تكون بقية نجوم المجرة التي تحيط بالقمر وتفوقه حجماً، ويمكن أن ترمز لهؤلاء الذين يراقبون حركته بمعداتهم العلمية. أما إخوته فقد ذكرنا أسماءهم عند الحديث عن أطوار القمر.
وتكتمل الحلقة في البيت قبل الأخير فالهلال هو الغائب الحاضر وهو الواضح الخفي، وفيه ارتياب بمعنى أن الشك يحيط بظهوره ولهذا يختلف الناس في تحديد مواعيد الصوم والفطر.
هو لغز موضح وخفي
حاضر غائب وفيه ارتياب
إن الأجواء الاحتفالية التي بدأت القصيدة برسمها كانت تمهيداً ذكياً للغز المرتبط بالهلال، لكنها صاغت اللغز صياغة ذكية ماهرة ممتعة تحفز العقل وتسعد الوجدان.

لحظات الإدهاش
وختاماً أقول: إن بنية هذه القصيدة تكشف عن منظور شعري عميق قادر على بناء نص يجمع بين المتعة والقيمة الجمالية ولحظات الإدهاش التي تجعلك في خضم معاناة الوصول إلى لحظات الجمال والإمساك بها.
القصيدة تنفتح على احتمالات شتى، لكنها شأن النص العبقري تنفتح على شتى أبواب الجمال وتجعلك تسير في طرق توصلك كلها إلى عالم الجمال. فاللغز رحلة معرفية ممتعة تشحذ العقل وتوقظ الوجدان وتحيي القريحة وتسعد الخيال وتعيد الاعتبار لفروسية الكلمة المنبثقة من عالم البلاغة الشعرية الصافية. وما قرأت شعر الشيخ محمد بن راشد إلا تذكرت قول واحد من أمراء البيان وهو أبو حيان التوحيدي عن الكلام وانقياده لأمراء الكلام عندما قال:
«إن الكلام صلف تياه لا يستجيب لكل إنسان... وهو يتسهل مرة ويتعسّر مراراً ويذل طوراً ويعز أطواراً».
والكلام سريع الانقياد في شعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، يستجيب له ويبدو طوع أمره.
وسواء أصبنا أم أخطأنا، فإنّ هذه القراءة تسعى إلى تسليط الضوء على قصيدة ثرية المعنى، محملة بشتى أصناف الصور والدلالات، وكلما أنعمنا النظر فيها، أعطتنا دلالات متنوعة تعلي منسوب الحكمة وتحث على التفكير وتحيي ثقافة السؤال، لأن السؤال لا يقل أهمية عن الإجابة، كما جاء في مفتتح القصيدة:
بادَرَتـني وفي يديها الكتابُ
عَنْ سُؤالٍ لا يعتريهِ جَوابُ
إنه سؤال يذكرنا بتساؤل أبي الطيب الذي كان يعلي من قيمة التساؤلات وما تنطوي عليه من قيمة يوم قال:
نحن أدْرَى وَقد سألْنَا بِنَجْدٍ
أطَوِيلٌ طَرِيقُنَا أمْ يَطُولُ
وَكَثيرٌ مِنَ السّؤالِ اشْتِيَاقٌ
وَكَثِيرٌ مِنْ رَدّهِ تَعْليلُ
أجل إن مقاربتنا لهذه القصيدة البعيدة الغور والتي تمثل تاج بلاغة الألغاز لم تتولد إلا كما قال أبو الطيب توقاً للبلاغة العالية التي تعلل النفس بحثاً على التفكر والتأمل واليقظة الوجدانية كما قال النص:
جعل العقل حجة ودليلاً
وإلى العقل للعقول انتساب.

 

اقرأ أيضا

أندرو ستال.. ترحال بين الجغرافيات والأساليب