الجمعة 30 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

مشاهد العنف والقتل والإبادة تصيب الطفل بالتبلد والعدوانية

مشاهد العنف والقتل والإبادة تصيب الطفل بالتبلد والعدوانية
17 ابريل 2011 17:21
العنف المرئي عبر التلفزيون يزيد الاستجابات العدوانية للمشاهدين بنسبة تتراوح بين 5 - 10% أياً كان الوسط الاجتماعي المتحدرون منه أو المستوى التعليمي الذي وصلوا إليه أو سلوك آبائهم معهم. كما أن هناك أسبابا متعددة تؤدي إلى عنف الطفل. فالأطفال لا يولدون وهم يعلمون السلوكيات المقبولة اجتماعياً، فهم يحتاجون دائماً لأن نعلمهم ونذكرهم كيف يعبرون عن أنفسهم بشكل صحيح في كل المواقف، والإخفاق في ذلك سيؤدى إلى صعوبة السيطرة على الطفل. فرضت تفاصيل وصور ومشاهد الأحداث اليومية التي تجري في أكثر من عاصمة عربية نفسها على خريطة المشاهد والأسرة العربية باختلاف أعمار أفرادها في كل مكان. وتسللت بذلك مشاهد العنف والقتل بكل صورها إلى مخادع الأطفال والصغار دون سابق إنذار أو تمييز. واستغرق الآباء والأمهات ساعات طويلة يومياً في متابعة أخبار وتفاصيل وتداعيات ما يجري هنا وهناك، وقد غفلوا أو سقط من حساباتهم الآثار النفسية السلبية المدمرة التي يمكن أن يخلفه العنف المتلفز على شخصية الطفل. فلم تعد مشاهدة التليفزيون بالنسبة للأطفال مجرد وسيلة ترفيه وتسلية بل أصبحت مشكلة تنطوي على العديد من المخاطر والتأثيرات السلبية التي يجب على الآباء والأمهات الانتباه إليها والتعامل معها بشكل حاسم وجاد. وهو ما حذرت منه دراسات اجتماعية غربية وعربية عديدة. وأكدت في مجملها أن الطفل المشاهد للتلفاز دون رقابة أو انتقائية، يصبح أقل أحساسا بآلام الآخرين ومعاناتهم، وأكثر رهبة وخشية للمجتمع المحيط به، وأشد ميلا إلى ممارسة السلوك العدواني ويزيد استعداده لارتكاب التصرفات المؤذية. ففي دراسات علمية أجرتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «يونيسكو» لمعدلات مشاهدة الأطفال العرب للتلفزيون، أن الطفل قبل أن يبلغ الـ18 من عمره يقضي أمام شاشة التلفاز 22 ألف ساعة تقريباً، مقابل 14 ألف ساعة يقضيها في المدرسة خلال المرحلة نفسها، ومع بدء القرن الـ21 زاد المعدل العالمي لمشاهدة الطفل للتلفزيون من ثلاث ساعات و20 دقيقة يومياً إلى خمس ساعات و50 دقيقة نتيجة الانتشار الواسع للفضائيات التلفزيونية. وتؤكد نفس الدراسة أن مشاهدة الأطفال لبرامج التلفزيون لفترات غير محددة ودون رقابة وانتقائية «تفرز سلوكيات أبرزها السلبية والأنانية وعدم التعاون مع الآخرين، وعدم الإحساس بمشاعرهم بل والسخرية منهم إلى جانب التقليد الأعمى للآخرين في الملبس والمأكل والمشرب والسلوك الاجتماعي ونمط الحياة الاستهلاكي. كما تؤدي مشاهدة الأطفال برامج التلفزيون بإفراط ودون ضوابط إلى تأثيرات سلبية عليهم، تتمثل في العجز عن ضبط النفس واللجوء إلى العنف بدلاً من التفاوض، والافتقار إلى الأمان والشعور الدائم بالخوف والقلق وترسيخ صور نمطية سلبية في عقل الطفل، إضافة إلى قتل روح الإنتاج والإبداع لدى الأطفال. لكن الدراسة لا تغفل أثار التلفزيون الإيجابية على الأطفال باعتباره «ثنائي التأثير» فهو من جهة أخرى يحفز الطفل لإدراك مفاهيمه وتصوراته وطموحاته ويعزز لديه قيم الاستقلال في الرأي والرغبة في الحوار والميل إلى التفكير النقدي وانتهاز فرص التعلم الذاتي كما يوسع مدارك الطفل وينمي خياله ويرفع مستواه الثقافي والعلمي. الرسائل الإعلامية يؤكد الأخصائي الاجتماعي حمدان محمد، أن وسائل الإعلام تلعب دوراً مهمًا في بث العنف، ويتعرض الأطفال كل يوم إلى كم هائل من الرسائل العنيفة عبر وسائل الإعلام سواء عن طريق الأفلام أو الأخبار المصورة. وأصبح التليفزيون الوسيلة الأكثر تأثيرًا في التنشئة الاجتماعية للطفل، لقدرته على إيصال الرسالة الإعلامية والقيام بدور مهم وحيوي في إطار الوسائل التربوية والتثقيفية والترفيهية، وهو من شأنه أن يكمل الدور التربوي للأسرة والمدرسة، وأن يكون وسيطًا تربويًا لبث القيم وتغيير الاتجاهات بما ينعكس سلبًا أو إيجابًا على الأنماط السلوكية السائدة في المجتمع، حسب مضمون الرسالة الإعلامية. فالإعلام بوسائله وإدارته ومضمونه قد يكون أداءه للتنشئة الإيجابية للطفل وحماية له من أي انحرافات سلوكية أو قيمية، إلا أنه قد يكون ذا تأثير سلبي وخطر على الصحة النفسية والعقلية للطفل. ويختلف تأثير العنف المتلفز على الأطفال حسب عدة متغيرات، ويرتبط هذا التأثير بعوامل عديدة منها عدد الساعات التي يقضيها الطفل في مشاهدة البرامج التلفزية بمفرده أو برفقة عائلته، سن الطفل وشخصيته، وهل يكتفي الطفل بالمشاهدة أو تتاح له الفرصة لمناقشة ما يراه من مشاهد مع أسرته». ويضيف حمدان: «تعرض الأطفال في هذه السن إلى مشاهد العنف يجعلهم يشعرون بالخوف، فهم غير قادرين على التفريق بين الواقع والخيال ولا يفهمون جيدًا ما يرون حتى أنهم يعتقدون أن الومضات الإشهارية جزء من البرنامج الذي يشاهدونه. ويمكن حماية الأطفال من هذا العنف عن طريق الأسرة، ولا تقتصر على الرقابة الأسرية على البرامج التلفزيونية التي يشاهدها الطفل، وتنمية قدراته على التعامل الإيجابي مع وسائل الإعلام والمشاهدة السليمة للبرامج التلفزيونية التي ترتبط باختيار البرامج جيدة النوعية من طرف الأهل، ومشاركة أبنائهم فيها كلما أمكن ذلك، وتحديد المساحة الزمنية اليومية المخصصة لذلك والتي ينصح المختصون بأن لا تتجاوز الساعة أو الساعتين، فأولياء الأمور بمشاركتهم متابعة البرامج التلفزية مع الأطفال يستطيعون استغلال المحتويات لمناقشة بعض المواضيع، كما يمكنهم مساعدة الأطفال على التعبير عن أحاسيسهم، وإبداء آرائهم حول البرامج التي يشاهدونها وتنمية قدرتهم على التفكير، ومشاهدة التلفزة ليست بالضرورة نشاطًا للتلقي فقط، بل تمكن من إثارة تساؤلات وفضول الطفل، وبالتالي إيجاد أفكار لأنشطة يمكن القيام بها عبد الانتهاء من المشاهدة لتنمية قدراته البدنية أو الذهنية. ومن الضروري أن تضطلع رياض الأطفال بدورها في حماية الطفل من العنف الذي تتضمنه البرامج التلفزيونية من خلال اختيار البرامج الجيدة وذات الأهداف التربوية، ومساعدته على الاستفادة من المنافع والفرص الجيدة للتعلم التي يمكن أن تتيحها». الانعكاسات السلبية توضح الأخصائية النفسية سوسن حلاوي، الانعكاسات السلبية التي تنتج عن مشاهدة الأطفال للعنف والقتل في التلفاز، وبقائهم أمام الشاشة لساعات طويلة سواء بمشاركة الوالدين أو دونهما، فقد أظهرت دراسة أميركية حديثة أن الطفل يقضي حوالي 900 ساعة سنويا في المدرسة بينما يجلس حوالي 1023 ساعة أمام التليفزيون وبذلك يصبح هذا الصندوق السحري من اهم النشاطات التي تستهلك وقت الطفل. إن الطفل يتعرض للإرهاق وإجهاد العينين والتعب الجسدي نتيجة الجلوس الطويل بشكل غير مريح، فضلاً عن قتل الخيال والتأثير السلبي على التحصيل الدراسي. واكتساب العنف كنمط للسلوك واعتباره القوة أو الطريقة المناسبة لحل المشاكل. تفسير وتحذير يشير الدكتور عادل عبد الله أستاذ الصحة النفسية، إلى أن العنف المرئي عبر التلفزيون يزيد الاستجابات العدوانية للمشاهدين بنسبة تتراوح بين 5 - 10% أياً كان الوسط الاجتماعي المنحدرين منه أو المستوى التعليمي الذي وصلوا إليه أو سلوك آبائهم معهم. كما أن هناك أسبابا متعددة تؤدي إلى عنف الطفل. كما أن الأطفال لا يولدون وهم يعلمون السلوكيات المقبولة اجتماعياً، فهم يحتاجون دائماً لأن نعلمهم ونذكرهم كيف يعبرون عن أنفسهم بشكل صحيح في كل المواقف، والإخفاق في ذلك سيؤدى إلى صعوبة السيطرة على الطفل. أيضا عدم الأمان وافتقاد الحب وعدم استقرار الجو الأسرى وما قد يصاحب ذلك من شجار وصراخ يحزن الأطفال ويجعلهم عصبيين ومفتقدين للأمان، مما يؤدى إلى عنفهم وعدوانيتهم تجاه الأطفال الآخرين. كما يحذر من مشاهدة البرامج التليفزيونية العنيفة، حيث إنه من المؤكد أن العنف الذي ينقله التليفزيون يؤدى إلى عنف الأطفال بثلاث طرق تتمثل في التعلم عن طريق الملاحظة وهو أن يقوم الطفل بتقليد ما يشاهده في التليفزيون. وضعف الحساسية تجاه العنف، وهو عندما يصبح الطفل أقل حساسية تجاه العنف ويشعر أنه شئ طبيعي. وقلة الموانع ضد العنف لدى الطفل، فمن الطبيعي أن يكون لدى الإنسان موانع داخلية تمنعه من العنف، لكن في هذه الحالة يفقد الطفل هذه الموانع». أما الدكتور عمرو صلاح، أستاذ طب الأطفال، فيقول إن التليفزيون لا يحتوي بكامله على مميزات أو عيوب، لكن الذي يحدد هذا المفهوم هي طريقة تعاملنا معه، فبجانب أنه نافذة على العالم ويحتوي على العلوم ويطالعنا على الثقافات الأخرى يعلمنا التعامل مع بعض الموضوعات الصعبة كالفقر والمخدرات وخلافه ويعتبر أداة تعليمية جيدة، إلا أننا نرىرأن هناك أطفالا يدمنون مشاهدة التليفزيون، وبقاءهم لساعات طويلة يتابعون فيها مشاهد مختلفة من العنف والقتل، يرسل كثيراً من الرسائل السلبية التي تؤثر على سلوكياتهم منها ترسخ العنف لديهم، لأن الطفل يقلد ما رآه في التليفزيون، وينعكس ذلك على طريقة لعبه لأنه اعتاد على مشاهدة العنف، فأصبح أمرا طبيعيا وموقفه تجاهه أصبح عاديا، كما يصبح غير متعاطف مع أي ضحية في الأحداث كما كان في السابق، وهي أمور خطيرة تزرع قيما سلبية تترسخ داخل الطفل دون أن يلاحظ الآباء ذلك. كما أن التليفزيون يقلل من حجم «الواقع» لدي الطفل دون الـ8 سنوات حيث يعجز عن التفرقة بين الواقع والخيال، فعندما يشاهد فيلماً عن «الأشباح»، فإنه يصدق ما يحدث بها، الأمر الذي يتسبب له في حدوث كوابيس مزعجة أثناء النوم. ومن ثم يجب اختيار وتنقية ما يراه الأطفال، وتقنين ساعات المشاهدة، مع الابتعاد عن قنوات الأخبار التي تنقل أخبار الحروب والصدامات والاقتتال والعنف، لا سيما قبل النوم». العنف المرئي يفرز كوابيس ليلية في دراسته عن تأثير مشاهد العنف في القنوات التليفزيونية على الأطفال، يقول لوردن بيج أستاذ الطب النفسي في جامعة جرونوبل:» ثمة تأثير حقيقي لمشاهدة الطفل للعنف من خلال القنوات التليفزيونية، فالدراسات الجادة التي أجريت على مئات الأطفال لأكثر من 30 سنة تسير في هذا الإطار، فمن خلال ملاحظة عدد الساعات التي يقضيها المراهقون في مشاهدة البرامج المليئة بالعنف، وعدد الأعمال العدوانية التي يرتكبونها فيما بعد، يمكننا التأكيد بأن العنف المرئي عبر التلفزيون يزيد الاستجابات العدوانية للمشاهدين بنسبة تتراوح بين 5 - 10% أياً كان الوسط الاجتماعي المنحدرين منه أو المستوى التعليمي الذي وصلوا إليه أو سلوك آبائهم معهم. ومع التأكيد على مخاطر مشاهد العنف وما تسببه من تجريد للمشاعر وإيجاد مناخ مليء بالمخاوف فإن الأطفال والمراهقين ينقلون عادة إثارتهم وعنفهم إلى مدارسهم في اليوم التالي، أو يشاهدون كوابيس ليلية أثناء نومهم. ويمكن أن تنتهي الأمور بمأساة فعلية عندما يرغب هؤلاء في تنفيذ أو تقليد ما شاهدوه من جرائم تنفذ على شاشة التلفاز. وقد أشارت نتائج إحدى الاختبارات التي أجريت على الأطفال الذين يشاهدون التلفاز لساعات طويلة، أنه كلما كان عدد الأفلام المشاهدة أكثر، كان تقييم الطفل لدرجة العنف والصور الإجرامية ضعيفاً، وكأنه أشبه بمن تناول حقنة مخدرة، حيث يشعر بالتبلد الانفعالي تجاه ما يشاهد من مناظر عنف أصبحت لا تثير شفقته وإنسانيته. والاحتمال الأخطر من ذلك أن هذا الطفل يصبح مستقبلاً غير مكترث بالضحايا الحقيقيين الذين يتعرضون لعدوان ما. ويعاني الأطفال الذين يشاهدون التلفاز لساعات مطولة أيضاً من هذيان ذهني، فهم يخافون من الخروج ولا يشعرون بالأمان، بل يصبحون كذلك أكثر أنانية وشحاً في تعاملهم مع جيرانهم ويميلون إلى العدوانية المفرطة. وحتى نكون أكثر موضوعية في الحكم على آثار التلفاز على الأطفال فقد أشارت الدراسات إلى نتيجتين أساسيتين: الأولى مؤداها أن مثل هذه البرامج توفر مخرجاً أو منفذاً للانفعالات المحبوسة مثل انفعالات الغضب والعدوان والكراهية، لأنها تعمل على تصريف وإزالة الانفعالات التي تثيرها هذه البرامج. أما النتيجة الثانية فيمثلها بحث رولاند ومؤداها أن برامج العنف ربما تنمي مشاعر الإحباط التي تؤدي بدورها إلى السلوك العدواني وتفسد القصص الإجرامية المعروضة وظيفة وأساليب الوكالات التي تحمي القانون وتنفذه. أما دي بور فيقول إن مثل هذه البرامج تسبب استجابات انفعالية قوية في الأطفال. وهذا يقودنا إلى القول بأنه إلى الحد الذي يرى فيه الأطفال أو يسمعون برامج مبالغا في انفعاليتها وغير واقعية وضد المجتمع يوماً بعد يوم، فإنهم في الأغلب يخضعون لمؤثرات شرطية تجمعية غير حسنة من وجهة نظر الصحة العقلية أو النمو الخلقي».
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©