الاتحاد

ثقافة

تمرينات العزاء.. ليس دور الفلسفة أن تمنحنا مسكنات لكي نموت ضاحكين!

هل تعلمنا الفلسفة كيف نموت؟

هل تعلمنا الفلسفة كيف نموت؟

سعيد ناشيد

الإنسان كائن من أجل الموت وفق تعبير شهير لمارتن هيدجر. ومن ثم فإنه يحتاج لا محالة إلى شيء من العزاء، لا سيما حين تدنو ساعة الرحيل. غير أن الدعاء والصلاة قد يكفيان حين يكون العزاء دينياً، قد يكفي الشعر والموسيقا حين يتخذ العزاء شكلاً فنياً، قد يفي الحب بالغرض حين يكتسي العزاء رداء رومانسياً، وقد ينجح المرء في الجمع بين هذه العزاءات كافة، فيصير العزاء «شاملاً مكتملاً».
فأي عزاء يبقى للفلسفة إذاً؟
في مجالس العزاء قد نحتاج إلى عديد من المهام، من قبيل ترتيل الآيات، والترانيم المأتمية، والموسيقا الجنائزية، وشعر الرثاء، وأزياء الحداد، وفوق كل ذلك قد يكون هناك مكان للعشق بالنسبة للمحظوظين. فما الذي يمكن أن تضيفه الفلسفة إلى مجالس العزاء؟
ليس العزاء كلمة دخيلة على تاريخ الفلسفة، فقد ورد ذكرها في عديد من الكتب والرسائل الأساسية، لاسيما في الحقبة الرومانية التي شهدت ازدهار الفلسفة التطبيقية. هناك -على سبيل المثال- كتاب مفقود ومذكور في كثير من الروايات لشيشرون يحمل عنوان «العزاء» كان له أثر بليغ على مسار الفلسفة الرومانية، ولدى سينيكا أيضاً رسائل عديدة تتضمن عناوينها كلمة العزاء، من قبيل «عزاء إلى هيلفيا»، و«عزاء إلى بوليبيوس»، كما أن هناك كتاباً شهيراً لبوثيئوس بعنوان «عزاء الفلسفة». ما يعني أننا أمام تقليد فلسفي روماني يجعل للفلسفة دوراً عزائياً. وهو الدور الذي تحاول الفلسفة المعاصرة أن تستعيده اليوم. وعلى سبيل المثال، يبقى «عزاءات الفلسفة» عنواناً شهيراً ومعبراً لكتاب أصدره الفيلسوف والإعلامي البريطاني ألان دو بوتون.

مراسيم
فما الذي تضيفه الفلسفة إلى مراسيم العزاء؟
لا تنتظر الفلسفة مراسيم العزاء لكي يكون لها دور في العزاء؛ لأنها تدرك أن العزاء تمرين دائم ويومي، وأن دورها هو تمكين الإنسان مبكراً من التمرن على تحمل الموت بأقل ما يمكن من الأسى والكآبة والتذمر، والتي هي مشاعر تضعف قدرة الإنسان على الحياة.
ليس دور الفلسفة أن تنقذنا من الموت، أو تنسينا فيه، أو تمنحنا مسكنات أو مخدرات لكي نموت ضاحكين! فهل سبق أن لاحظتم الضحكة البلهاء لبعض الانتحاريين قبيل تفجير أنفسهم!؟ بكل تأكيد، يفجر الانتحاري حياته لكي يفجر موته أيضاً، ويضمن بذلك التفجير المزدوج الانتقال مباشرة من «الحياة الفانية» إلى «الحياة الأبدية»، فيما يشبه إمحاء الموت أيضاً! فحيث إنه لا يتقبل الموت بسلام فهو لا يتقبل الحياة بسلام. وتلك هي المسألة.

مواجهة
لكن ما دور الفلسفة في كل هذا؟
دورها، تحديداً، أن تعلمنا كيف نتقبل فكرة الموت؟ بمعنى، كيف نموت بسكينة وطمأنينة وسلام؟
أن تعلمنا الفلسفة كيف نموت؟ فهذا ما أكده أفلاطون في (محاورة فيدون)، وهو ما أعاد تأكيده شيشرون (أوردها مونتين)، ثم أكده مونتين نفسه في (المقالات-20)، ثم أكده جاك ديريدا في آخر حوار معه قبيل وفاته (يومية «لوموند» الفرنسية، 19/‏‏‏08/‏‏‏2004)، وكان وقتها في حالة متقدمة من المرض الفتّاك الذي ألمّ به. ما يعني أننا أمام إجابة رددها فلاسفة يمثلون مختلف العصور الفلسفية. حيث يمثل أفلاطون الفلسفة اليونانية، ويمثل شيشرون الفلسفة الرومانية، ويمثل مونتين الفلسفة الحديثة، ويمثل جاك ديريدا الفلسفة المعاصرة.
غير أن الأمر لا يتعلق بمجرد إجابات نظرية وحسب، بل إنها إجابات عملية أيضاً مارسها فلاسفة كثيرون: مارسها سقراط بعد أن حكم عليه بالإعدام، ثم رفض الهرب حين أتيحت له الفرصة. على نفس المنوال مارسها سينيكا بعد أن حكم عليه الطاغية نيرون بالإعدام، وقد واجه الموقف برباطة جأش مذهلة. كما مارسها بوثيئوس حين حكم عليه بدوره بالإعدام، فأمضى نحو عام في زنزانة الإعدام كتب أثناءها رائعته «عزاء الفلسفة».
قبل ذلك، لم يستيقظ وعي أولى الحضارات إلا على رنين الموت الحزين. وعلى إثر ذلك خلف لنا الفراعنة عناوين من قبيل «كتاب الموتى»، و«نصوص الأكفان»، وكانت الأهرامات أثراً خالداً للحلم الطفولي بالإفلات من الفناء. كما خلّد البابليون ملحمة جلجامش التي تحكي عن رحلة الإنسان من أجل عشبة الخلود. فضلاً عن ذلك، فأهم عرض قدمته الأديان خلال العصر الوسيط كان هو اعتبار الموت مجرد قنطرة قصيرة للعبور إلى «دار البقاء». كما أن العلم المعاصر ظل يحمل بدوره بذور ذلك الوعد القديم.
غير أن قدرنا اليوم أن نكون أقل تفاؤلاً من فراعنة التاريخ القديم، أقل تفاؤلاً من رجال الدين في العصر الوسيط، وأقل تفاؤلاً حتى من الخيال العلمي للقرن العشرين.
فعلاً، ليس الموت من وجهة نظر الثورة الجينية الراهنة سوى مرض وراثي يتعلق بجينات النوع البشري، غير أنه مرض فتّاك ومزمن، وليس ثمة من وعد علمي بإمكانية الشفاء منه خلال الأجل المنظور، وذلك رغم الإمكانيات الهائلة لمضاعفة عمر الإنسان خلال العقود القادمة.
غير أن المرض المزمن الذي لا نستطيع الشفاء منه، يمكننا التعايش معه، وهذا هو المطلوب.

درس
لكن، ما فائدة أن نتعلم مهارة قد لا نحتاج إليها إلا في آخر العمر، وأحياناً لوقت وجيز، وقد نستغني عنها حين يكون الموت مفاجئاً؟
ألا يحسن بنا أن نترك تعلم الموت للمسنين، والمصابين بأمراض فتاكة؟
أين الدرس؟
أن نتعلم الموت معناه أن نتقبله، أن نتصالح معه، أن نتحرر من كل المخاوف المرتبطة به. ذلك أن الخوف من الموت هو المصدر الأول للأوهام التي تشل القدرة على التفكير، وهو المصدر الأول للشقاء الذي يضعف القدرة على الحياة، هو المصدر الأول للعنف الذي يعيق القدرة على العيش المشترك.
المصالحة مع الموت مصالحة مع الحياة نفسها، طالما الحياة عبارة عن ميتات متتالية. إذ أننا في كل لحظة نموت في عالم ونبعث في عالم جديد، في كل لحظة هناك أشياء تولد فينا وحولنا وأشياء تموت فينا وحولنا، في كل لحظة هناك أمكنة نغادرها لنحل في أمكنة جديدة، هناك في كل لحظة أشخاص نفارقهم لكي نلتقي بأشخاص آخرين.. إلخ. إنكار الميتات هو إنكار للحياة.

مراحل
فماذا تقترح الفلسفة بالضبط؟
هناك ثلاث مراحل للعلاج الفلسفي من الخوف من الموت، نبسطها على النحو التالي:
* الخطوة الأولى، أن نبرهن على أن الموت ليس سيئاً:
كما هو حال كل خوف، تقتضي الخطوة الأولى معرفة موضوع الخوف بنحو علمي. هنا يكمن الدرس الأساسي لأبيقور: الموت لا شيء، فحين أكون لا يكون، وحين يكون لا أكون. وهو المبدأ الذي بوسعنا إعادة صياغته على النحو التالي: لا أحد يموت لأن من يموت يصير لا أحد. (ذلك أن الميت لم يعد شخصاً، لم يعد ذاتاً، لم يعد كينونة، فهو لا أحد) في رأي أبيقور.
هذا المبدأ الأبيقوري يطوره الطبيب والفيلسوف أبوبكر الرازي في كتابه «الطب الروحاني» ضمن فصل يحمل عنوان «في الخوف من الموت». فهو لا يكتفي بتذكيرنا أن الموت لا شيء كما كان يقول أبيقور (رسالة إلى مينيسي)، أو أنه أكثر أماناً من النوم، كما كان يقول الشاعر الروماني لوكريتيوس (في طبيعة الأشياء)، وإنما يعتقد بأن المبدأ الأساسي هو أن نقتنع بأن حالة الموت أصلح لنا، سواء كنا مؤمنين بخلود النفس أم غير مؤمنين بذلك.
فإن كان خلود النفس محالاً فأمامنا ثلاثة معطيات:
ـ خلو الموت من الإحساس يجعله خالياً من الأذى. و«الحالة التي لا أذى فيها أصلح من الحالة التي فيها الأذى. فالموت إذن أصلح للإنسان من الحياة» (الطب الروحاني).
ـ خلو الموت من اللذات لا يلحق بالميت أي أذى، إذ لا يتأذى بنقص اللذة إلا الحي. «وإذا كان الأمر كذلك فقد رجع الأمر إلى أن حالة الموت هي الأصلح» (الطب الروحاني).
ـ الخوف من الموت لا يحمينا من الموت لكنه يحرمنا من الحياة. «ذلك أن المتصور للموت الخائف منه، يموت مثلاً في كل تصويرة موتة، فتجتمع عليه من تصوره له مدة طويلة موتات كثيرة» (الطب الروحاني).
وإن كان خلود النفس متحققاً، فلا يخلو الأمر من وجهين: من كان موقناً بالدين يصبح موقناً بأن حاله بعد الموت سيكون أفضل. ومن كان شاكاً في الدين رغم صدق نواياه فإن «الله تعالى أولى بالصفح عنه، والغفران له، إذ كان غير مطالب بما ليس في الوسع» (الطب الروحاني).
* الخطوة الثانية، أن نبرهن على أن الخوف من الموت شعور قائم على وهم:
لا يكفي أن نعرف موضوع الخوف الذي هو الموت، بل يجب أن نعرف أيضاً أسباب الخوف من الموت. يكمن السبب الأساسي للخوف من الموت حسب الفيلسوف والشاعر الروماني لوكريتيوس، فيما يمكننا أن نصطلح عليه بوهم الموت غير المكتمل. «فالإنسان غير الموجود أصلاً لا يمكنه أن يشقى، فليس هناك فرق بين أن يكون الإنسان قد وُلد في وقت سابق أم لم يولد تماماً، ما دام الموت الخالد سيقضي على حياته الفانية. وعلى ذلك عندما ترى إنساناً مستاء من قدره، إذ أنه بعد الموت إما أنه سيتحلل مع جسده المستلقي في القبر، وإما يهلك فوق مشاعل المحرقة بفكوك الحيوانات الضارية، كن واثقاً من أنه لا يقول الحق، وأن خوفاً ما يقطن في أعماق قلبه، على الرغم من أنه هو نفسه ينكر اعتقاده بأنه سيكون قادراً على الشعور بأي إحساس عقب الموت، لأنه حسب اعتقادي لا يؤمن بما يتظاهر به، فهو لا يريد أن يقتلع نفسه من الحياة وينسحب منها تماماً، فهو من دون أن يشعر يريد أن يجعل جزءاً منه على قيد الحياة، لأن مثل هذا الإنسان عندما يتخيل أثناء حياته أن جسده بعد موته ستنهشه الطيور والحيوانات المفترسة، تأخذه الشفقة لنفسه، لأنه لا يفرق بين ذاته حياً وبين ذاته ميتاً» (طبيعة الأشياء). بلغة معاصرة، فإن الوعي يعترف بالموت، إلا أن اللاوعي لا يعترف بالموت. هنا المسألة.
* الخطوة الثالثة، أن نبرهن على أن الموت ضروري لجودة الحياة:
لا يكفي أن نعرف موضوع الخوف ثم نعرف سبب الشعور بالخوف، حتى نكون قد تخلصنا نهائياً من الخوف، إذ لابد من إعادة توجيه الخوف -أو ما يبقى منه- بنحو إبداعي. ما يقوله ديكارت عن العقل يقوله أيضاً عن الانفعالات: لا توجد انفعالات جيدة وأخرى سيئة، بل يوجد فقط استعمال جيد وآخر سيئ للانفعالات (انفعالات النفس).
الاستعمال الجيد للانفعالات معناه إعادة توجيهها بنحو إبداعي وإيجابي، يحقق النمو، ويخدم إرادة الحياة.
مثلاً، في نزهة ممتعة، لا نستطيع أن نستمتع بالوقت إلا إذا تقبلنا عن طيب خاطر أن للنزهة نهاية، وبذلك النحو نكون قد نجحنا في تحويل النهاية المحتمة إلى فرصة للاستمتاع بالوقت بنوع من الكثافة. هذا الدرس يمكن تعميمه على الحياة برمتها. بل سيبدو لنا الوجود أكثر جمالاً حين ننظر إليه وهو في حالة انسحاب، تماماً مثلما نستمتع بشمس الغروب. ولكم تكون قبلات العشق عميقة في لحظات الوداع! ذلك أن «المحبة منذ البدء لا تعرف عمقها إلا ساعة الفراق»، كما يقول جبران خليل جبران (النبي).
إن الموت ليمنحنا القدرة على الحياة بحيوية وكثافة، وذلك حين ننظر إليه بهدوء، ورضا، وقناعة، واكتفاء.

 

اقرأ أيضا

أندرو ستال.. ترحال بين الجغرافيات والأساليب