أسماء الحسيني (القاهرة، الخرطوم)

قالت مصادر مقربة من المجلس العسكري السوداني لـ«الاتحاد» إن المجلس لن ينتظر قوى الحرية والتغيير طويلا، وأنه لن يسلم السلطة لها طالما يقودها ويسيطر عليها الحزب الشيوعي واليسار، وأن القضية أصبحت قضية بقاء. وأكدت المصادر التي تحدثت لـ«الاتحاد» من الخرطوم أن القضية بالنسبة لقوى التغيير هي صراع على السلطة، وليست قضية ديمقراطية أو حقوق إنسان، لأن هذه القوى غير ديمقراطية داخل هياكلها، وليس قضية احتجاج على ضحايا فض الاعتصام، لأن قيادات قوى التغيير يتحملون جزءا من المسؤولية عما حدث، بإطالتهم أمد التفاوض والاعتصام بدون معنى، ولأن الواجب كان يحتم عليهم التوجه إلى ميدان الاعتصام فور علمهم بأمر فضه لحماية المعتصمين، وأن يقوموا باستدعاء وسائل الإعلام والاتصال بالمجلس العسكري الانتقالي لإنقاذ الموقف.
وقالت المصادر: «إن قادة قوى التغيير الآن يستخدمون قضية فض الاعتصام كقميص عثمان، للضغط على المجلس العسكري وتأليب الجماهير ضده».
وأضافت هذه المصادر أنه إذا لم يتقدم جزء من قوى الحرية والتغيير لترتيب الأوضاع، سيتجه المجلس لإجراء مشاورات لتشكيل الحكومة الانتقالية، ثم إجراء انتخابات بعد 9 أشهر، لأن البلد لن تظل هكذا بدون إدارة. وأوضحت المصادر أنه أصبح من الواضح أن المجلس العسكري لا يستطيع أن يستأنف التفاوض مع قوى الحرية والتغيير من حيثما انتهت الجولات السابقة، وهو يرى الآن أنه لابد من إشراك القوى الأخرى ووضعهم في الاعتبار، وهو الأمر الذي ترفضه قوى التغيير.
وأشارت المصادر ان قوى التغيير تسعى الآن لدفع المجتمع الدولي والإقليمي للضغط على المجلس، وقللت المصادر من تأثير ذلك العامل، باعتبار أن الأولوية عند المجتمع الدولي والإقليمي الأولوية هي للاستقرار في السودان، أكثر من الحرية والديمقراطية، وبالتالي فإن العسكريين يظلوا بالنسبة لهم ركنا أساسيا في هذا الاستقرار، وأشارت في هذا الصدد إلى أن لغة تيبور ناجي مساعد وزير الخارجية الأميركي تجاه المجلس العسكري متعاونة وليست صدامية. وذكرت المصادر ذاتها أن قوى الحرية والتغيير ارتكبت خطأين كبيرين، نتج عنهما استقطابات في المجتمع السوداني، أولهما أنها رفضت قبول الإسلاميين الذين انحازوا للثورة، وأغلقت تكتل قوى الثورة على نفسها، مما نتج عنه خلق تكتل إسلامي سلفي مضاد، وثانيهما أن قوى التغيير عندما وجهت سهامها لمحمد حمدان دقلو (حميدتي) نائب رئيس المجلس العسكري وإلى قوات الدعم السريع التي يرأسها، واستخدمت ضدهما لغة التحقير والدونية، أفرزت استقطابا بين القوى الحديثة وقوى الريف أو الهامش، مما نتج عنه لجوء حميدتي إلى الاستقواء بالإدارات الأهلية وزعماء القبائل، التي هي قوة لا يستهان بها.
ومن جانبه قال الكاتب الصحفي السوداني فتحي الضو رئيس جمعية الصحفيين السودانيين بالولايات المتحدة لـ«الاتحاد»: إن السودان يمر بمنعطف خطير للغاية نظراً لانسداد الأفق السياسي. ولا تتعلق خطورة هذا المنعطف بقضية السلطة وحدها، فهي جزء من تجليات الأزمة، وإنما بوجود الدولة السودانية ككيان جغرافي وسياسي واجتماعي، الأمر الذي يمكن أن يحصر الخيارات بين أن تكون هذه الدولة أو لا تكون. وأضاف الضو أن المشهد الحالي ينبئ بأن السودان أمام مسارين لخطين متوازيين لن يلتقيا. المسار الأول يتحكم فيه المجلس العسكري، أو بالأحرى الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) وهو مسار يريد إعادة إنتاج الدولة السودانية القديمة التي خُلع رئيسها في أبريل الماضي ولكنها ما تزال موجودة على أرض الواقع. والمسار الثاني يمثله تجمع قوى الحرية والتغيير الذي يخوض معركته بسلاح وحيد وهو الكتلة الجماهيرية التي يحظى بها في الشارع السوداني، ولكنه رهان قد يتضعضع بتطاول الزمن، فللصبر الجماهيري حدود وسقف محدود.
وأوضح الضو: أن المسار الأول الذي يتحكم فيه الفريق حميدتي يخوض معركة خاسرة لأنه لا يملك من أدواتها شيئا، ناهيك عن هشاشة الدولة السودانية نفسها بكل تعقيداتها وتناقضاتها المعروفة. أما المسار الثاني فنظراً لقلة خبرة كوادره من المهنيين، علاوة على عجز القوى السياسية المنضوية تحت لوائه على الفعل مثل حزب الأمة، وإضافة للحركات المسلحة التي انحسرت آلياتها العسكرية والقاعدية، فلكل هذه الأسباب الأثر الواضح في الكيفية التي يخوض بها ذات المعركة. وأكد الضو خطورة الأمر لأن الأزمة السودانية بهذه الأوضاع تفتح الباب أمام السيناريو الأسوأ، والذي يشير إلى احتمالات حرب أهلية طاحنة، ويعلم كل المراقبين توفر أسبابها. ومن المؤكد أنه حال اندلاعها فلن تبقي ولن تذر، بل ستكون مرشحة للقفز خارج الحدود في ضوء الاستقطابات الخارجية التي دخلت المعترك أصلاً.