بقلم: أمينة سعيد*
ترجمة: أحمد حميدة

حين نقرأ لشعراء الضفاف المشمسة للمتوسط، وأنا منهم، يستوقفنا تواتر جدلية الظل والضياء أو العتمة والنور أو الليل والنهار. ولعله من المهم الوقوف عند الأسباب التي تقرب أو تباعد بين هذين المتناقضين.. المتنابذين في الظاهر. وإني لأستشعر أواصر قربي تصلني ببعض أولئك الشعراء، لذا.. سوف أعمل على تلمس الدروب التي طرقوها ودعوْنا إلى السعي فيها. وكان رونيه شار قد قال في هذا السياق: «ليس بإمكاننا العيش إلا في ما هو موراب، وتحديداً، على الخط الكتيم الذي يفصل الظلمة عن الضياء، غير أننا نكون دوما، ودون إرادة منا، مدفوعين إلى الأمام».
كم تتقاطع هذه الكلمات مع ما ذهب إليه الشاعر اليوناني جورج سيفيريس حين قال: «ما أعرفه.. هو فحسب.. أنني بحاجة إلى التعايش مع الضياء (...)، وقد أدركت أنه ليس بوسعنا فعل أي شيء ونحن ثابتون في المكان ذاته الذي نطأ، وأنه لا بد لنا من أن نتقدم، وإلا كان مآلنا التقصف والانهزام». ثم، ألم يؤكد الكاتب والشاعر العربي أدونيس بأنه يسير مسترشداً بالضياء؟ فأخبرنا بأن «شعاعا من نور هو الذي دله على الطريق».
وقد كانت فكرة التقدم والترقي في كتاباته، كما السفر الباطني والروحاني، مرتبطة دوما بمثل ذلك البحث اللاهث عن الضياء. كما كان يرى أن كل عمل إبداعي يفترض بناء ثابتا للذات، وأن الشاعر المتلمس لذلك الضياء، يكون دائم النبض وعلى قيد الحركة. وهذا هو ما تشي به كتابته، كما مسيرته الشعرية.
وإذا كان الشعر بالنسبة لرونيه شار هو «مهنة من ضياء»، ولبول إيلوار «فن الأنوار»، فهو أيضا، وعلى حد تعبير المصري جورج حنين، «صرخة في سواد الليل»، أو أيضا بالنسبة لأنجيلوس سكليانوس، «ما يسمح بمنح صوت إلى الليل»، فيما يقول نيكوس كزنتزاكي: «أنا ذلك الليل الذي يلتهمه الضياء»، وإدمون جابيس «من الليل إلى الليل، أطمح إلى رسم خط منقط خفيف يحدد مسار القصيد»، وقد كانت للإسباني خورخي غيلان هو الآخر هذه الكلمات الحاسمة: «فعل إبداعي هو الفجر»، وكان ديوانه الرائع «تراتيل»، عبارة عن «احتفاء مهيب بالضياء»..
وكذا الشأن بالنسبة لأعمال أوديسوس إيليتيس، الذي كتب يقول:
«ليكن ممجدا هذا الضياء، ومباركة
هذه الصلاة الأولى التي سجلها الإنسان على الحجر
مباركة هي سطوة الحيوان الذي يفتح طريقا إلى الشمس
ومبارك هو النبات الذي غرد.. فكان النهار»
وفي إحدى قصائده يقول الشاعر السريالي فيليب سوبو معرفا نفسه، فيرى أنه..
«بالكاد ظل..
ومضة تتعقب الضياء»
وأما جورج سيفيريس، فكان يرى أنه «في جوهره ضياء»، لتبرز تلك الكلمات في إحدى قصائده السرية، فيتحدث عن «حراب منذورة لاختراق قلبه كيما ينفتح للضياء»، لأن الغاية القصوى التي يتوق إليها الشاعر هي أن ينبثق من كلماته النور.. فيكون الضياء.
هكذا يكون الشاعر شريكا للضياء أو «رسول» ضياء. وياني ريتسوس الذي كان قدره هو «العبور إلى الشمس»، أسبغ على الشاعر نعت الـ «كشاف»، أي الدليل الذي يهدي إلى وجهة الضياء، أما بيار جان جوف، فكان وهو يتساءل في «دفاعا عن الشاعر» عن «الآليات» التي تمكنه من الكتابة فيقول مستفسرا: «كيف لي وأنا أنور ذاتي، أن أشيع الضياء من حولي».
وإذا كان، وكما يقر ذلك قصيد لبازوليني..
«ثمة بداخلنا أحيانا شيئا ما
شيء تعرفه تماما المعرفة لأنه الشعر
شيء ما مظلما يجعل الحياة أكثر ضياء..»

الشرارة النارية
في الفعل الإبداعي يبقى الجانب الشمسي والمشرق هو ما ينشده الشاعر. وكان لسان حال لوران غسبار قد أفصح عن ذلك حين قال: «أعرف أنه مكان وأنه زمان/‏‏ عنادنا في أن نمضي قدما في الضياء».
فأن تنبثق في القصيد تلك الشرارة النارية، تلك الحقيقة النورانية، التي وسط عدد هائل من الليالي، تلتمع، فإن ذلك يجعل الشاعر يشعر بانتمائه إلى الليل. ولكن أليس الليل هو مصدر الوثبة الإبداعية التي تترصد لحظة الولادة؟
وقد كتب بول إيلوار يقول: «وأنا المتجهم، كان لي رد على الضياء»، كلام بدا وكأنه رجع صدى لهذا البيت الشعري لسان جون بيرس: «لقد سموني بالمتجهم.. أنا الذي مقامي في الضياء».
وفي دراسة عن الشعراء العرب المعاصرين بعنوان «حملة النار»، كان الكاتب والشاعر اللبناني صلاح ستيتية قد علق على ذلك البيت، فلاحظ أنه «لا يكون الضياء ضياء إلا متى كان مبطنا بالظلمة، ففي الظلمة يستكن الضياء».
أليس ذلك «الضياء المبطن بالظلمة» هو الذي يلمح إليه هذان البيتان لجان عمروش:
«وروحك التي يجلدها ملاك متهيج
سوف تغمر الليل بشمس ساطعة»
وتنعكس ذات الصورة في هذا المقطع الشعري لمحمد ديب:
«في أعماق الذات ثمة تمزق
منه يكتسحك الليل في أوج الزوال
وبإمكان أدنى الأشياء أن تنزع المغاليق السرية».

ابنة الليل
إذا كان الشعر بالنسبة لإدمون جابيس هو «ابنة الليل السوداء»، فهو أيضا ذلك التوق الجامح إلى الضياء. ويقول جابيس معرفا الشعر:
«الشعر هو ابنة الليل، السوداء. فِلكيْ نحظى بحضورها، ينبغي لنا أن نوجه نحوها مصباحا كاشفا - وهذا ما يجعل الشعراء ينظرون إليها، وهي ثابتة ومنذهلة في الظلمة، على أنها تمثال، أو.. أن نُغمض أعيننا كي نُزفَ لذاك الليل اللامرئي. فما دامت سوداء تلفها العتمة، فإنها لا تتبدى إلا حين يفصح الشعر بصوته عن حضوره. ومتى نبض ذلك الصوت، انحنى في حضرته الشاعر. ولن يُسْتغرب حينها أن يستشْعِر في ذلك الصوت الواثقِ، يدٌ ممدودةٌ، فيمدُ نحوها يديْه، فيوم يتفق البشر على معنى أوحد لكل كلمة، لن يكون هناك أي مبرر لبقاء الشعر».
ويقول جابيس أيضا في هذا الصدد: «من أولئك الناس الذين جعلوا من الضياء ولا الظلمة تساؤلا ثابتا، لأنهم عاشوا دائما في الليل، كم أشعر بأنني قريب منهم». أولم يصرح رونيه شار من ناحيته، في كتاب «الليل المطلسم»: «في فضاء ليلي نكون دوما بصدد البحث على قدر من الضياء على الأرض وعلى تلك الكائنات التي تعكس ذلك الضياء». والفعل الإبداعي هو بشكل ما نقل لذلك الضياء، ودور الشاعر تحديدا هو نقل ذلك الضياء الذي يحمله في ذاته إلى الآخرين.
وكما أشار غستون باشلار إلى ذلك، فإن «نفس الدوافع تجعل الفكر البشري ينجذب دوما إلى الضياء ويتوق إلى التعالي»، فيما يؤكد جيلبير دوران أن «تصورات التعالي تقترن دوما بأجواء الضياء».
وهي تبين كيف كتبت ديوانها، «العرافات»، أوضحت الشاعرة الإيطالية الكبيرة مرغريتا غيداتشي أنه كان ولا بد من «ملامسة الأوردة الخفية ونقلها إلى الضياء». وأريد أن أؤكد هنا على ذلك الصعود من الأعماق والانبثاق النابض بالحياة للفعل الإبداعي.
إن تطلعنا إلى الضياء ليقحمنا في دائرة العالم الروحاني، لأن الضياء هو أيضا رمز للمقامات الصوفية، ولا أدل على ذلك من أن الكتب المقدسة، وخاصة منها القرآن، جاءت زاخرة بإحالات تتحدث عن الضياء وعن النور. وفي كتاب «نور على نور.. الإسلام المبدع»، تناول صلاح ستيتية بالتوضيح الآية الخامسة والثلاثين (المعروفة بآية المشكاة) من سورة النور «نُورٌ عَلَى نُورٍ* يَهْدِي اللَهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ».
ويكتب ستيتيه مبلورا رؤيته: «لقد ورد ذكر النور في كل الديانات والمعتقدات بوصفه العلامة الظاهرة التي بها وعبرها يتم التعبير بلغة التجلي عن احتجاب الروح اللامرئية، واللامرئي لا يغدو مضاء إلا متى اتخذ شكله الحقيقي، هكذا.. يمكن أن نتعرف على النور منذ أن استشعره الإنسان كضمانة لمواجهة الظلمات، أو كامتياز أمام ضبابية الموت».
وليس من قبيل الصدفة إن كان غياب النور مقترنا دوما بالظلمة، بالرعب وبالموت. وبهذا المعنى كتب غيوم أبولينار يقول: «مثل مترصد حزين أراني أراقب الليل والموت». وإن كان بعض الشعراء يحترقون في لهيب أشواقهم أثناء الليل مثل إيف بونفوا، فإن شاعرا آخر مفتقدا للنور مثل بول إيلوار، لم يتوقف عن الإفصاح عن ارتياعه من الليل بوصفه موت للضياء:
«فجأة.. أغفلني الضياء
ولم يعد ثمة غير الموت.. كاملا غير منقوص».

صقل الروح
ومع ذلك وككل الرموز، يكون للموت بعدان، فهو بالنسبة لبعض الشعراء البوتقة التي يتركز فيها كل قلق العالم، وبالنسبة لشعراء آخرين مثل خوسيه أنجل فالنتي أو جان عمروش، هو الرحم الأمومية الراعية والرحيمة. وقد وردت هذه الجدلية الثابتة بين الظلمة والضياء في القرآن، في سورة الأعراف «يُغْشِي اللَيْلَ النَهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا» أو في سورة الزمر «يُكَوِرُ اللَيْلَ عَلَى النَهَارِ وَيُكَوِرُ النَهَارَ عَلَى اللَيْلِ»، أو في سورة النور: «يُقَلِبُ اللَهُ اللَيْلَ وَالنَهَارَ إِنَ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ». أما في النص الإنجيلي فثمة إشارة إلى أن «الله فصل النور عن الظلمة» (سفر التكوين).
أما صلاح ستيتية فقد اعتبر في أحد دواوينه، أن الإيقاع الشعري هو عبارة عن عبور من الليل إلى الضياء، وعودة إلى الضياء في رحم الليل.
وكذا الشأن بالنسبة لأدونيس الذي وصفت أعماله بـ«لولب متصاعد نحو الضياء». وقد كتب في قصيد «عن الشعر» مخاطبا النور:
«إني أكتشف الوجه الثاني للنهار
وألمح الجانب الثاني من الليل»
ويذهب فرنندو بسوا في نفس الاتجاه حين يقول: «نحن ندرك بشكل غامض فكرة ليلية للنهار».
ويتساءل جورج سيفيريس: «أليس الضياء ملائكيا وأسود»؟ وإذا كان بعض الشعراء مثل سيفيريس يرون بأنه «ثمة ظلمة وراء الضياء»، فإن آخرين مثل جوي بوسكي يذهبون إلى أنه «في الليل نكون أقدر على الإمساك بالضياء». هكذا تصبح اللاشفافية.. منورة، فيما يسمح استكشاف الظلمات بتنويرها، لتتلاقح الظلمة والضياء بصورة متبادلة. ويعني ذلك أن الظلمات تفتح كما الضياء أبوابا سرية، وتحملنا إلى ما هو أبعد، ربما إلى ذلك المكان الذي لا اسم له.. إلى رحاب المطلق، إلى ذلك المكان الذي تتوارى فيها الظلمة والضياء، والذي يحلم به المتصوفة والشعراء.
يسمح الشعر بـ«ولوج الظلمة»، ولكنها الظلمة التي تعلن عن قدوم وشيك للضياء، كما الليل الذي يكون إرهاصا بانبثاق نور الصباح. والظلمات التي تحجب وتكشف في آن، تنطوي على وعد بانبثاق النهار، وبالتالي النور وما يرافقه من ضياء. فالظلام حينئذ هو الذي ينحت الضياء. وبهذا المعنى، يتساءل جبران: «أليس الليل هو ذلك الفجر الذي ينتظر لحظة ولادته». فيما يقول إيف بونفوا قائلا: «لقد صرخ الوجه الأكثر اسودادا منبئا بانبلاج وشيك للنهار».
إن مبرر وجود الشعر هو أن يحفزنا إلى أن نكون على قيد الوجود، والشاعر هو ذلك الإنسان المهوس بحاجته الماسة إلى أن يكون ممتلئا بكينونته. فالإنسان.. وعلى وجه الخصوص الشاعر.. يظلان دوما على وشك الولادة. ففي الوقت الذي يكون فيه الشاعر على قيد الإبداع، يولد في القصيد الذي يبدع. ويغدو الفعل الشعري هكذا.. فعل وجودي فيه إثبات للذات. تكون الوظيفة الأنطولوجية للشعر حينئذ هي معرفة الإنسان لذاته وتأمل في حقيقة كينونته. ويتحدث جيوزيبي أنغريتي عن «صقل للروح»، الذي بدونه لا تنصقل الكلمة الشعرية.
لا شك في إننا نكتب مع أحلامنا وآمالنا ونحن نرزح تحت كلكل مخاوفنا وتوجساتنا، كي نشفى من هاجس الموت، ولا أمل آخر يحدو بنا غير الظفر ببعض الضياء.
* شاعرة تونسية