الاقتصادي

الاتحاد

الحمائية الأوروبية إلى زوال ومسيرة الانتعاش قادمة

تداعيات اقتصادية كبيرة لانفصال بريطانيا  عن الاتحاد الأوروبي (أرشيفية)

تداعيات اقتصادية كبيرة لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي (أرشيفية)

محمد شمس الدين (أبوظبي)

توالت عواصف لم تكن في الحسبان على الاتحاد الأوروبي، التكتل العالمي الأكثر دعوة وتطبيقاً لشعارات الانفتاح الاقتصادي وقبول التعددية والشراكة مع الجميع. ربما تكون هذه العواصف، نتيجة تراكمات قديمة أو متغيرات طارئة، بدايةً من بقايا الأزمة المالية العالمية التي ما زالت تداعياتها متغلغلة في مفاصل وهياكل اقتصادات العديد من دول القارة، أو وطأة طوفان أزمة اللاجئين التي سرعت تنامي المناخ الانغلاقي، وتواكب هذا مع بزوغ حظوظ زعامات وتيارات تروج للشعبوية والميل للاشتراكية، وبالتبعية تشييد أسوار الحمائية الاقتصادية، في انتكاسة لم تكن متوقعة ستؤثر حتماً على مسيرة من الازدهار استمرت لحقبة 60 عاماً.
فضلاً عما سبق، فلا ينبغي علينا إغفال التداعيات المزلزلة لشق بريطانيا على عصا الولاء الأيدلوجي والاقتصادي للاتحاد الأوروبي الذي ظل لسنوات طوال، عصياً على الانفراط لتشابه وتناغم مقدرات وثقافات شعوبه، وفسر قرار الانشقاق البريطاني في سياق إعادة ترتيب الأوراق والمصالح القطرية، ليظل تيار الحمائية الاقتصادية والانعزالية للاتحاد الأوروبي مجرد احتمال قائم حتى ورود إشعار آخر.

الإشعار الفرنسي
يبدو أن «حتى ورود إشعار آخر»، تحقق بشكل مرضٍ بالفعل على يد الناخب الفرنسي، الذي وضع ثقله وراء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الشاب المفعم بتعزيز ثقافة الحرية الاقتصادية، والانفتاح وقبول الآخرين، والتعددية والإيمان المطلق بوحدة الاتحاد الأوروبي، وسبقه بفترة ليست بالطويلة تحول أيضاً الناخب الهولندي لإعلاء شأن الخيار التعددي والابتعاد عن الحمائية.
وذلك رغم أن فرنسا تحديداً على المحك، نظراً للتأثير الذي يتمتع به سادس أكبر اقتصاد عالمي، وهو الاقتصاد الفرنسي، رغم أنه لا يمكن إغفال التأثيرات الهيكلية والضغوطات الاقتصادية التي يعانيها الاقتصاد العولمي على مدار 30 عاماً مضت، مع عجز الإدارات السابقة عن إيجاد حلول تتيح القفز على تلك الاختلالات، التي باتت تقلق وتحدد مزاج الناخب الفرنسي تجاه أي انتخابات قادمة.

ازدهار أم انتكاسة
والسؤال الذي نطرحه الآن هل ستمضي دول الاتحاد الأوروبي بقوة لدرب الازدهار بعد تلاشي مخاطر الحمائية وتيارات الشعبوية؟ أم أن العثرات الاقتصادية الهيكلية، ستعيد إحياء تيار الشعبوية، الذي أثبت وجوده، خاصة في فرنسا، وما زال ينتظر الفرصة في انتخابات قادمة؟

الطريق الصعب
منطقياً لا يمكن الحديث عن دور فرنسي في إصلاح وتقوية مسيرة الاتحاد الأوروبي، من دون أن يستطيع الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون، ترميم البيت من الداخل، وتحقيق وعوده وخططه الإصلاحية على الصعيد الاقتصادي من حيث تغيير قوانين سوق العمل الفرنسي وإتاحة الحرية للشركات في التوظيف والاستغناء عن العمال، ولتحقيق هذا ينبغي عليه المرور عبر السلطة التشريعية؛ لأن القاعدة تؤكد دوماً أن إصلاح البيت الداخلي يسبق إصلاح كامل الفناء أو الحديقة الخلفية.
ولابد من إلقاء الضوء على المؤشرات المقلقة التي تمثل حواجز أمام درب ماكرون، لنجاحه كممثل للتيار الليبرالي والانفتاحي إذ وفقاً لما صدر مؤخراً من المعهد الوطني الفرنسي للإحصاءات والدراسات الاقتصادية، فقد ناهز عجز الموازنة الفرنسية ما يربو فوق 5.73 مليار يورو، بما يمثل 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تخطى الدين العام حاجز 2150 مليار يورو، وبنحو 97% من الناتج الإجمالي.

استيفاء الالتزامات
لا شك في مساعي الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون، ومثابرته في الأيام المقبلة على تحقيق هدف الأثير والمعلن، وهو زيادة الاندماج مع الاتحاد الأوروبي وعودته للمسار الذي يليق به، فذاك يتناغم مع فلسفة فرنسا طيلة العقود السابقة، وأيضاً مع كونه تولى سلفاً حقيبة وزارة الاقتصاد، ويعلم الفوائد المترتبة على الاندماج الفرنسي مع المحيط الأوروبي، وأيضاً قد يكون لديه طموح جارف ومستتر على تولي قيادة الاتحاد الأوروبي بعد حقبة ميركل، ونشوء تيارات مغايرة للأجندة الألمانية في التعامل مع العديد من القضايا محل الخلاف، كالموقف من اللاجئين.
وقد يتوافق ذلك مع الرئيس الفرنسي، لأنه شاب، ويرغب دوماً في التفكير الثوري وتغيير مقدرات جعلت فرنسا في الصف الثاني للقيادة بعد ألمانيا التي استطاعت هضم واحتواء حقبة الوحدة الألمانية، والمضي لتحقيق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي وقيادة الاتحاد الأوروبي، وقد تكون تلك تكهنات سنحصد إجاباتها خلال الأعوام الأولى من قيادة ماكرون لفرنسا.
ولنبدو واقعيين قليلاً هل حقاً سيقدر ماكرون على تنفيذ وعوده بزيادة وتمتين نسيج الشراكة الفرنسية الأوربية. قد نصطدم ها هنا بحواجز ومفردات اقتصادية عصية على تحقيق تلك الرؤية خاصة في المرحلة الراهنة.

عجز الموازنة
وبلغة الأرقام فإنه على فرنسا استيفاء معيار أساسي للاتحاد الأوروبي، وهو عدم تعدي عجز الموازنة في أي دولة عضو في الاتحاد حاجز 3% من إجمالي الناتج المحلي، قياساً للمستوى الذي تخطاه العجز في فرنسا حالياً، حيث ناهز نسبته 3.4%، إضافة إلى مراوحة مستويات نمو الاقتصاد الفرنسي عند مستويات بطيئة، حيث يصنف الأبطأ في دول الاتحاد الأوروبي.
يبدو أن التبدل والمؤشرات الإيجابية الواردة من الولايات المتحدة مع انقضاء المرحلة الأولى للرئيس ترامب، باتت تصب في مصب تفاؤلي يعمد لتعزيز التعاون والشراكة مع كل دول العالم، بما فيها الدول المتعارضة أيدلوجياً مع الولايات المتحدة، كالصين كما بدت الولايات المتحدة، تغزل خيوط للشراكة القوية مع العديد من دول وتكتلات العالم، وربما أحدثها، الزيارة التي قام بها مؤخراً الرئيس دونالد ترامب للمملكة العربية السعودية تعزيزاً لفوائد الشراكة والتعاون الاقتصادي عالمياً. مع محيط عربي وإسلامي متسع.

مؤشرات تفاؤل
وعلينا ألا نستثني أن هناك تحولات أو بالأحرى مؤشرات ذات صبغة تفاؤلية لأداء الاقتصاد الأوروبي في عام 2017، حيث أشار تقرير صادر من مجموعة بنك قطر الوطني، إلى أنه رغم إسقاط خبراء الاقتصاد من دائرة توقعاتهم تأثيرات محورية للتجارة العالمية في تحفيز التعافي الاقتصادي العالمي، فإن الصادرات الأوربية تحقق نتائج جيدة. على سبيل المثال وحينما هوت معدلات التبادل التجاري العالمي لأدنى مستوياتها عام 2016، فإن حجم الصادرات الأوروبية كان يحقق نمواً لافتاً.

السياسة النقدية
وساهمت أسعار الفائدة المتدنية التي اعتمدها البنك المركزي الأوروبي داخل اقتصاد منطقة اليورو في خفض تكاليف الاقتراض لأدنى مستوياتها في الربع الأول من عام 2017، وما يرتبط بذلك من تحفيز الإنفاق الشخصي، فضلاً على تسريع وتيرة تشييد المشاريع، وتحقيق الازدهار الاقتصادي و التنموي.
واستمر تسارع مؤشر مديري المشتريات في منطقة اليورو بداية من النصف الثاني من 2016، محققاً مستوى ارتفاع قياسي، فضلاً على ذلك فقد أدى التباعد أو التباين بين السياسة النقدية بين كل من المصرف المركزي الأوروبي وبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لتراجع قيمة اليورو أمام الدولار، بنسبة 3.4% خلال الأشهر الثلاث الأولى من العام الجاري مقارنة بعام 2016، وما له من تأثيرات جوهرية على صعيد تعزيز ودعم الجاذبية التنافسية للبضائع المصدرة من الاتحاد الأوروبي.

تلاشي المخاوف
لكن أيهما سيقود؟ فرنسا أم ألمانيا؟ لا يمكن الدخول في متوالية حسابات حول من سيقود الاقتصاد الأوروبي بعد فوز ماكرون الطامح كما اسلفنا باطناً، لكي تقود فرنسا الاتحاد الأوروبي.
إن ذاك الطرح سيظل عصياً على معرفة أو التكهن بمسارته للعديد من المعطيات، بالنظر للقياس للاختلالات الهيكلية التي ترتقي لمصاف الأزمة التي يجابها الاقتصاد الفرنسي، بما فيها أزمة المديونية العميقة والمؤشرات على التناقض مع مطالب نقابات العمال من جهة والشركات من جهة ودور الدولة من جهة ثالثة، إذ يمكن النظر إلى استمرارية القيادة من ألمانيا حتى إشعار آخر قد يتمثل في نتائج مغايرة للانتخابات الألمانية القادمة.
من جهة أخرى، يمكن ملامسة مؤشرات الأداء القوي للاقتصاد الألماني بعكس الاقتصاد الفرنسي، حيث ستبقى الماكينة الألمانية النموذج الملهم ووقود الانفتاح، خاصة بعد تحملها واجتيازها بنجاح دفع فاتورة تزايد أعداد اللاجئين، رغماً من ذلك حققت نتائج مبهرة على درب الانفتاح.
ووفقاً لمكتب الإحصاءات الألماني، فقد نما الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا بما نسبته 0.6 % خلال الربع الأول من عام 2017، نتاجاً لنمو الاستثمار في الإنشاءات والآلات والمعدات والإنفاق الاستهلاكي والحكومي وقوة الصادرات. وتظهر البيانات غير المعدلة نمو الاقتصاد 1.7 % على أساس سنوي في الربع الأول. وهو ما ينسجم مع متوسط التوقعات في الأسواق المالية.

اقرأ أيضا

أهم 10 حقائق عن حقل الجافورة في السعودية