صحيفة الاتحاد

ألوان

«جلسات الزوار».. حكايات من الماضي بـ«زايد التراثي»

المهرجان يستقطب الفئات العمرية كافة إلى جلسات سمر (تصوير عبدالعظيم شوكت)

المهرجان يستقطب الفئات العمرية كافة إلى جلسات سمر (تصوير عبدالعظيم شوكت)

أشرف جمعة (أبوظبي)

مقاعد خشبية تحيي زائريها في مهرجان الشيخ زايد التراثي تفسح لهم المجالس، تمنحهم لحظات استراحة، فيتناول بعضهم الأطعمة التراثية في شغف، ويسند الصغار رؤسهم عند زواياها الناعمة، وتسترجع فيها بعض الأسر ذكرياتها الماضية مع المهرجان عن أول زيارة كيف كانت؟ وكيف تعددت الزيارات؟ ومن ثم الحرص على الحضور في كل دورة جديدة، وفي أحيان أخرى تكون هذه المقاعد المنتشرة في طرقات المهرجان وأجنحته ملاذاً للجلسات الحميمية والحكايات التراثية وشرب القهوة العربية، فالمهرجان يترك في نفوس زواره أثراً عجيباً فيجعل ذاكرة الكبار تستحضر الزمن القديم وأفئدة الشباب في شغف للاستماع إلى حكايات البحارة حول الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، وزوار المهرجان يلوذون بهذه المقاعد فتضج حياة أخرى فيتسابق روادها في إضفاء لمسة جمالية على الحاضر مستمدة من أعماق الماضي، إنها مقاعد الذكريات والحكايات، والألفة الغامرة والبهجة التي تفيض حنيناً إلى ماضي الآباء والأجداد في مهرجان الشيخ زايد التراثي بمنطقة الوثبة.

جمعتهم اللقاءات العابرة ومحبة الموروث الشعبي الذي ملأ قلوب الزوار بهجة وفتح فضاء من الألفة الغامرة على أحد المقاعد الخشبية في مهرجان الشيخ زايد التراثي، جمعتهم الحكايات الخاصة بموروث كل بلد ينتمي إليه كل واحد منهم، إذ جلس صالح محمد علي، ومساعد حمدان، وعبدالله محمد من السودان، وعبدالله الفجالي من المغرب، ومحمد مولود من موريتانيا على مقعد واحد يحتسون بعض المشروبات الدافئة في شتاء المهرجان، ويبين صالح محمد علي أن المصادفة وحدها جعلته يلتقي عدداً من رواد المهرجان على هذه المقاعد التي تحلو في رحابها الحكايات، مشيراً إلى أن الجلسة التي جمعت أكثر من شخص ينتمون إلى ثقافات مختلفة كانت في غاية الثراء لكونهم تحدثوا بتلقائية عجيبة عن طبيعة الموروث الشعبي في البلاد التي ينتمون إليها، موضحاً أنهم تطرقوا إلى الموروث الشعبي الإماراتي الذي بدا في غاية الثراء والتنوع والذي كان حديث المهرجان حيث لفت نظر الكثير من الزوار الأجانب والأجنحة المشاركة، فضلاً عن الفنون الشعبية الإماراتية التي تميزت بطابعها الخاص الذي يعبر عن جانب مهم من جوانب التراث الوطني للدولة.

مقعد آخر
على مقعد آخر كان الحوار يدور بصورة حميمية بين محمد إبراهيم 13 عاماً وإبراهيم صالح، وأيمن علي، وياسر محمد، وصادق أمين من اليمن حول المهرجان وما قدمه إلى المجتمع من تعريف حقيقي بموروثات الشعوب التي تعانقت تحت سماء المهرجان، ويشير إبراهيم صالح إلى أن هذه الجلسات تحلو ساعة الغروب حيث الجلوس تحت المصابيح الخافتة ومن ثم احتساء الشاي وتناول بعض الأطعمة الخفيفة والغوص في تفاصيل الذكريات التي يحركها المهرجان في النفوس، مبيناً أن لكل جناح مشارك قصة كبيرة من الموروث الشعبي الأصيل ووراء كل حرفي حكاية عجيبة وهو ما لمسه خلال حضوره المهرجان بصورة منتظمة، ويرى أن هذه التظاهرة الثقافية التي جمعت كل ألوان الفنون الشعبية والحرف اليدوية والصناعات التقليدية في منطقة الوثبة شجعت الزوار على أن تكون مادة الحديث عن تاريخ الشعوب وما تركته من موروثات شعبية عامرة بالجمال وناطقة بالدهشة.

ثلاثة أصدقاء
ثلاثة أصدقاء من ثلاث دول جلسوا يتحدثون عن المهرجان وما تركه في نفوسهم وما انطبع في وجدانهم من جمال، حيث يورد حسين متولي (مصري) أنه جاء إلى المهرجان في اليوم الذي انطلق فيه بصحبة صديقيه خالد أحمد من اليمن وأسامة الصافي من السودان، وبعدها تعددت زياراتهم إلى هذا الحدث الذي يشجع على التعرف إلى موروثات الشعوب التي سجلت حضورها المبهر في منطقة الوثبة في العاصمة الإماراتية أبوظبي، حيث مهرجان الشيخ زايد التراثي الذي رسخ لمكانته العالمية بين المهرجانات التراثية الدولية، موضحاً أنه بعد الانتهاء من جولته داخل المهرجان مع أصدقائه قرر الجلوس على تلك المقاعد الخشبية التي تمنح الهدوء وتدعو الزوار إلى الاستمتاع بأجواء خاصة تدور خلالها أحاديث الذكريات مع أكواب الشاي وفناجين القهوة وبعض المأكولات الشعبية وهو ما يجعل الزائر يعيش لحظات مختلفة ويتجدد من الداخل وينشط روحياً.
ويرى أنه استفاد كثيراً من أصدقائه حيث تعرف إلى عادات الدول التي ينتمون إليها، ويعد هذه الجلسات مرآة عاكسة لما في القلب حيث المحبة الفياضة للموروث الشعبي الأصيل الذي لا تزال الدول تحمله على القمة وخاصة الإمارات التي وفرت له المنابر وأتاحت للزوار أن يقرؤوا تفاصيل مدهشة لا تخطر على البال وينسجموا مع هذا الإطار الشعبي الذي يفرض بلاغته على أرض المهرجان حيث كل صناعة تقليدية تقدم نفسها على بساط الدهشة صورة ناطقة لا تحتاج إلى مفسر، ووجه يستطيع الزائر أن يقرأ ملامحه دون الحاجة إلى مترجم، ويلفت إلى أن المهرجان قدم تنويعات تسكن في باطن الشعوب وتتوغل في تاريخها القديم بأسلوب بسيط ومعبر.

استراحات للبهجة
تحت سماء المهرجان ظللت الصداقة قلوب الزوار وهو ما تجسد في تلك الجلسة التي جمعت بين عبدالرسول البلوشي وصديقه أسد الله إبراهيم حيث دار بينهما الحديث الحلو الجذاب الذي لا يخلو من مزاح رقيق وتذكر للماضي الجميل، ويبين البلوشي أن المقاعد الخشبية المنتشرة في المهرجانات استراحات للبهجة ونقطة التقاء بين الحضارات والشعوب ما يقرب بين الزوار حيث ألفة الصحبة والرغبة في الارتكان إلى أعمدة الماضي التي لا تشيخ تحت مظلة المهرجانات التراثية التي تدعو إلى اقتناص مشاهد الجمال لتتشبع بها الروح في هذا الوجود، مبيناً أنه اعتاد الجلوس مع أحد أصدقائه بعد الغروب ليسترجع معه ذكريات حميمية ويتناقش معه أيضاً في بعض ما رأى من مشاهد تراثية وما سمع من حكايات عامرة بلذة التفاصيل، مؤكداً أنه يرتاح في هذه الجلسات ويلقي عن نفسه عناء الحياة فيترك كل ما يحيط به من مشاغل ومسؤوليات لترسو روحه عند رصيف الماضي فينهل منه ما يشفي القلب ويجدد طاقة الوجدان.

عائلة إماراتية
في أحيان كثيرة يصل الاستمتاع بالمهرجان وحضور فعالياته إلى حدود الشغف والارتباط بالجذور والآباء والأجداد الذين أغنوا حياة الحاضر بتقاليدهم المطبوعة في وجدان أهل الإمارات، ومن ضمن الذين جعلوا من نزهة المهرجان رحلة إلى الماضي عائلة إماراتية اتخذت أماكنها على مقعدين خشبيين تتوسطهما طاولة موضوع عليها أطعمة شعبية وقهوة عربية وتمور إماراتية أصيلة، وتقول صباح أحمد كرامة «أحرص على الحضور إلى المهرجان كثيراً مع بعض نساء العائلة وقد
جئت بصحبة سعاد، وفاطمة وعواطف العامري وبعد أن اغترفنا من وجبات الموروث الشعبي الإماراتي الأصيل جلسنا في زحمة المقاعد نتحدث عن كفاح المرأة الإماراتية في الماضي وكيف أنها استفادت من الطبيعة وطوعت النخلة والجمل ليكونا جزءاً من الحياة، مشيرة إلى أنها تفخر بموروثات الأجداد وأنها ترى في الموروث الشعبي الإماراتي الصورة الحقيقية التي تبعث على التفاؤل وأنها تحرص على الحضور في هذا المهرجان من أجل أن نظل على صلة بالأرض والتاريخ والأجداد.

أطعمة تراثية
على مقعد خشبي مواجه لطاهية الأطعمة التراثية الإماراتية حليمة علي الشحي، جلست الطفلة شمة الشحي (11 عاماً) وبجوارها أختها علياء (6 سنوات)، تنتظران الطاهية حتى تتناولا خبز الرقاق الساخن الذي يعد أحد الأطعمة التراثية الإماراتية ذات المذاق الخاص والطعم الحلو المستساغ. وتبين شمة أنها حين تأتي مع أسرتها إلى المهرجان تصر على أن تجلس على هذا المقعد الخشبي حتى تتناول نصيبها من بعض الأطعمة الشعبية التي تعرف مذاقها جيداً، لكونها تتذوقها في البيت الذي تربت فيه على مثل هذه الأطعمة التي ابتكرها الآباء والأجداد قديماً، ولا تزال أهم ما يميز المطبخ الإماراتي في هذا العصر، وتشير إلى أن طابع المقاعد الخشبية التقليدية في المهرجان يجعل الأسر تسارع الخطى إليها وتستكين في جلسات حميمية تظللها الحكايات القديمة.

قهوة عربية
يورد مانع سعيد الحبسي، أنه وجد في مهرجان الشيخ زايد التراثي ملاذاً للغوص في مفردات الموروث الشعبي الإماراتي بكل جمالياته وما يكتنفه من أسرار تدعو للدهشة، ويلفت إلى أنه جلس مع ابنيه نهيان وميثاء على أحد المقاعد الخشبية في جلسة مخصصة للضيافة الإماراتية احتسى خلالها القهوة العربية، لافتاً إلى أنه انتهز طابع هذه الجلسة الحميمة وتحدث مع أطفاله الصغار عن السنع الإماراتي وعادات وتقاليد تقديم القهوة العربية، موضحاً لهم أن المهرجان اهتم بإبراز الموروث الشعبي الإماراتي في أبهى صورة حتى تظل الأجيال الجديدة على صلة بتاريخ الآباء والأجداد ويرى أن المهرجان نجح في كل ما قدمه من مفردات تراثية عميقة خاطبت الجميع بلغة الصورة والتفاعل المباشر مع الحرف والعادات والتقاليد الأصيلة.

احتفاء بالموروث
بعض أفراد الشرطة الذين يرتدون الزي المتعارف عليه في الماضي، جمعتهم جلسة حميمية على أحد المقاعد الخشبية اعتبروها فرصة للحديث عن جماليات الماضي وما لمسوه في جمهور المهرجان من حفاوة بالموروث الشعبي الإماراتي، ويبين محمد فياض أنه اعتاد الجلوس بعد تقديم العروض الموسيقية لأفراد الشرطة القديمة مع نيازي حسين ومحمد حسن لاحتساء القهوة العربية، ومن ثم الحديث عن أهمية المهرجان في بث الروح الوطنية في نفوس النشء والشباب، ويشير إلى أنه يشعر في مثل هذه الجلسات بالسعادة والراحة والاطمئنان، لكونها تجدد إيقاع الحياة على بساط الموروث الشعبي.