الاتحاد

تقارير

موسكو وكراكاس··· تفشي الجريمة السياسية

مقتل  آنا بلوليتيكوفسكايا ··· عنف سياسي ضد حرية التعبير

مقتل آنا بلوليتيكوفسكايا ··· عنف سياسي ضد حرية التعبير

ترتبط إدارتا هوجو شافيز في فنزويلا وفلاديمير بوتين في روسيا بصداقة متينة وعلاقات متنامية، وعلى رغم المسافة البعيدة التي تفصل بين البلدين إلا أنهما يلتقيان حول العديد من النقاط المشتركة التي تتجاوز ميلهما نحو تبني النظام الشمولي والأساليب القمعية في الحكم، واحتكار مصادر إنتاج الطاقة وإبرام صفقات الأسلحة، إلى ظهور أنماط مماثلة من العنف والقتل في شوارع البلدين معاً·
ومن أبرز الجرائم التي شهدتها روسيا منذ مقتل الصحفية ''آنا بلوليتيكوفسكايا'' في العام 2006 إطلاق الرصاص يوم الإثنين الماضي على المحامي المختص في حقوق الإنسان ''ستانيسلاف ماركيلوف'' وقتله في الشارع العام ومعه طالب جامعي كان يرافقه أثناء الحادث· وبالمثل شهدت فنزويلا قبل ثلاثة أيام مقتل الناشط الإذاعي ''أوريل زامبرانو''، وهو الصحفي الثاني الذي يغتال في غضون الأسابيع الثلاثة الأخيرة، وفيما أدانت منظمات حقوق الإنسان الجرائم في البلدين، إلا أن القليل من المراقبين يدركون الظروف الموضوعية التي تقود إلى ارتكاب مثل هذه الجرائم وتفشي العنف السياسي في شوارع موسكو وكراكاس معاً·
فقد تحولت العاصمتان تحت حكم شافيز وبوتين إلى مكان يطغى فيه الشعور بانعدام الأمن الذي يشجع بدوره على ارتكاب أعمال عنف تحركها دوافع سياسية ضد عناصر المعارضة، وهو ما اتضح في روسيا بجلاء عند مقتل الصحفية ''بوليتيكوفسكايا'' وتعرض الصحفي ''ميخائيل بيكيتوف'' مؤخراً لضرب مبرح كاد يقضي عليه، أما في فنزويلا فقد سجلت خلال الشهر الماضي فقط أكثر من 510 جرائم قتل ما دفع بمجلة ''شؤون خارجية'' الأميركية إلى اعتبار كراكاس ''عاصمة القتل في العالم''· وفي موسكو تصاعدت وتيرة العنف وارتكاب الجرائم ضد الأجانب على أيدي متطرفين قوميين لتصبح حديث وسائل الإعلام الدولية، لاسيما بعد بث شريط على الإنترنت لأحد المشاهد المروعة لجز الرؤوس· وهذه المظاهر العنيفة تتكرر في فنزويلا، حيث شهدت مقتل ثلاثة طلاب ينتمون إلى اتحادات معارضة خلال شهر أكتوبر الماضي دون أن يعرف الجاني· والملاحظ أن العنف المستشري في البلدين يأتي في إطار تكثيف المعارضة لمظاهراتها الاحتجاجية المعبرة عن استياء الرأي العام من الأزمة الاقتصادية، ومطالبتها للسلطات المعنية بتحسين الظروف المعيشية، لكن السلطات من جانبها كانت دائماً تواجه الاحتجاجات الشعبية بقبضة من حديد·
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن في كل من فنزويلا وروسيا هو: لماذا لم يستطع القائدان اللذان يسيطران على زمام الأمور، ويتحكمان في مفاصل الحكم وإدارة شؤون البلاد، وقف تفشي العنف في الشوارع وفرض الأمن في عاصمتيهما؟ هل الأمر يتعلق بالعجز وعدم القدرة على مواجهة الجريمة، أم أن هناك مصلحة في ترك المجتمع نهباً لانعدام الأمن والارتباك الأخلاقي؟ الحقيقة أن بعض الإجابات اتضحت أمامي وأنا أحضر مؤخراً اجتماعاً لقادة الطلبة في كراكاس، حيث أدركت أن هؤلاء الطلبة الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية التوعية السياسية يواجهون أخطاراً كبيرة في ظل نظام يكرس التمييز السياسي ويدرج أسماء المعارضين في قوائم سوداء لإقصائهم من الوظائف وحرمانهم من الفرص·
وهذا المشهد السياسي ذاته يتكرر في روسيا، حيث يعاني المواطنون هناك من الخوف والإحساس بالعجز أمام نظام يخفي ملامحه القاسية خلف واجهة من الديمقراطية· وتبدو نقاط التشابه بين البلدين واضحة، إذ سواء كان الشعار ''اشتراكية القرن الحادي والعشرين''، أو ''الديمقراطية ذات السيادة'' لا يجرؤ النظامان على مناقشة الكيفية التي راكم بها مسؤولون حكوميون ثروات طائلة، وكيف تمكن المفسدون من الإفلات من العقاب، وفي كلا البلدين تحولت الدولة إلى أداة طيعة في يد طبقة متنفعة من رجال الأعمال تستخدم سلطة المحاكم والهيئات التنظيمية والشرطة لمصادرة ممتلكات الغير، والتأثير في مجرى الصفقات، والاغتناء على حساب المواطنين·
وفيما تبدو العلاقة بين روسيا وفنزويلا منحصرة في الجانب العسكري وإبرام صفقات السلاح، إلا أنها في العمق تستند إلى تحالف طبقة رجال الأعمال الفاسدين والمستفيدين من حالة الخوف وانعدام الأمن· وعلى سبيل المثال يمكن الإشارة إلى حالة الازدهار التي تعرفها الشركات التابعة للدولة بفضل الصفقات الثنائية بين البلدين كبيع العتاد العسكري، واستفادة شركات الطاقة الروسية من فرص الاستثمار في فنزويلا، بينما تمنع شركات أخرى من دخول السوق المحلية· أما المعارضة فتواجه عراقيل كثيرة وتتعرض لمضايقات متعددة لإبعادها عن المشاركة السياسية ومحاسبة الأنظمة الحاكمة، حيث تلجأ السلطات إلى تعديلات دستورية وقوانين إصلاحية الهدف الحقيقي منها هو تكريس الأنظمة الحاكمة وإقصاء المعارضة، وعندما تفشل الحكومات أحياناً في قمع المعارضة بأساليب ''قانونية'' مغلوطة وزائفة تطلق العنان للمليشيات المؤيدة لها، أو للجماعات القومية المتطرفة، لترويع المعارضة وإرهاب الشعب·
ولعل الخطوة الأولى لتحسين الوضع في البلدين هي الكف عن التظاهر بأن النظامين نجحا في إقامة بنية عمودية للسلطة قادرة على ضبط الأمور وفرض الأمن، والاعتراف بأنهما فقط أسسا لبنية فوقية من عدم الكفاءة وانتشار العنف وغياب الأمن والإفلات من العقاب·


روبرت أمستردام
محامٍ دولي متخصص في الدفاع عن المعتقلين السياسيين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة
لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا