الاتحاد

تقارير

تعذيب جوانتانامو ··· لكل معتقل قصة!

جوانتانامو·· لا مناص من إغلاقه

جوانتانامو·· لا مناص من إغلاقه

أذكر ذلك اليوم الذي تعينت عليّ فيه كتابة كلمة ''تعذيب'' في مفكرتي الخاصة بتغطية أخبار المحاكم· ولم يسبق لي قط أن دونت كلمة كهذه في مفكرتي، أو كتبت عنها طوال فترة تغطيتي لقضايا المحكمة الفيدرالية لصالح صحيفة ''واشنطن بوست''· ففي وقت متأخر من عام ،2004 بدأت أحضر جلسات التحقيق القضائي التي عقدت للنظر في دعاوى نحو 550 سجيناً من معتقلي سجن جوانتانامو، زعموا فيها تعرضهم لمعاملة وحشية شبيهة بمعاملة سجناء القرون الوسطى على أيدي الجنود والمحققين الأميركيين· وقال المعتقلون لمحاميهم الذين تم تعيينهم للتو حينئذ إنهم تعرضوا للضرب المتكرر من قبل سجانيهم بأعقاب البنادق واللكم إلى درجة تطلبت معالجتهم طبياً من آثار الضرب، بل إن بعضهم احتجز في المستشفى بسببها· وأفاد السجناء أيضاً عن حرمانهم من النوم، وعدم السماح لهم به إلا لمدة لا تتجاوز ساعتين في اليوم الواحد لعدة أسابيع، إضافة إلى تقييد أيديهم وأرجلهم وشدها إلى البلاط لأيام بكاملها· وبينما كنت أقف في محكمة ''إي باريت بريتمان'' وأستمع إلى أحدهم وهو يحكي قصته بصوت منخفض مشحون بالعاطفة، تشككت في أمره وصدق قصته، إلا أنني دونت تفاصيلها في مفكرتي على أية حال· وما أن حدثت زملائي المحررين عما سمعته في قاعة المحكمة في وقت لاحق من ذلك اليوم، حتى كانت ردة فعلهم مزيجاً من الدهشة والحذر وعدم التصديق إلى حد قولهم: تعذيب؟ مستحيل··· كيف لنا أن نصدق هذا؟
حدث ذلك قبل أربع سنوات· أما اليوم فلم تعد كلمة ''تعذيب'' هي أول كلمة يبدأ بها الصحفيون تدوين مذكراتهم الصحفية داخل قاعات المحاكم فحسب، وإنما أضحت ممارسة فعلية أكدتها مسؤولة رفيعة المستوى من وزارة الدفاع بإعلانها لنتائج تحقيق أجرته الوزارة بشأن معاملة الولايات المتحدة لسجناء حربها على الإرهاب· فقد صرحت سوزان جي· كراوفورد -قائدة فريق التحقيق- لبوب وودوارد صحفي ''واشنطن بوست'' الأسبوع الماضي قائلة: ''لقد عذبنا السجين محمد القحطاني''· ولم يكن تصريحها هذا مفاجئاً بالنسبة لي، بقدر ما هو تأكيد لما توصلت إليه بنفسي من خلال تغطيتي الصحفية لسجن جوانتانامو لبضع سنوات· غير أن التصريح حملنى مجدداً على التفكير في مدى سمية ذلك الاتهام والاستغراب الذي كان يقابل به من قبل الصحفيين حتى وقت قريب جداً، وفي إنكار الحكومة الأميركية المتكرر لإساءة معاملتها لسجناء جوانتانامو وغيرهم من معتقلي حربها على الإرهاب، في مختلف أنحاء العالم·
ولكن بنهاية شهر ديسمبر من عام ،2004 بدأت تتسرب قصص تعذيب المعتقلين وتغزو مفكرات الصحفيين والمصادر التي يستقون منها معلوماتهم لتجد طريقها إلى قاعات المحاكم العلنية· وكان السبب وراء هذا التحول، صدور قرارين من المحكمة العليا الأميركية لصالح المعتقلين، خولا لهم النظر العلني في قضاياهم اعتباراً من صيف العام الماضي· وقد نص قرار المحكمة العليا الأول على أنه يحق للمعتقلين رفع دعاوى قضائية بشكاوى إساءة المعاملة التي يزعمون تعرضهم لها من قبل الجنود الأميركيين· وفي الوقت نفسه نص القرار الثاني على أن تنظر محاكم عسكرية مستقلة في الأدلة الداعمة لتلك الاتهامات· غير أن وزارة الدفاع سارعت بعقد المحاكم العسكرية المذكورة في خريف العام الماضي· وعندها بدأت تتكشف قصص عشرات السجناء من سجن جوانتانامو داخل قاعات المحكمة الفيدرالية التي غطيتُ جلساتها· وفي محاضر تلك الجلسات أقامت الحكومة حجة اتهامها للسجناء على ربطهم بالمؤامرات الإرهابية، وبخلايا تنظيم ''القاعدة''، أو حتى بابن لادن نفسه· إلا أن للمتهمين أقوالهم التي تخالف ذلك الزعم الحكومي· فقد أكد الكثيرون منهم أن اعتقالهم كان خطأً، وأنهم تعرضوا للتعذيب الوحشي على أيدي المحققين·
وكان التضارب في تلك الأيام كبيراً جداً بين ما تدعيه الحكومة وما يقوله المعتقلون في إفاداتهم· فعلى سبيل المثال، خذ إفادة ''فيروز عباسي'' وهو من أوائل المعتقلين المبعوثين إلى جوانتانامو· فحسب ادعاء الجيش الأميركي، ألقي القبض على هذا المتهم البالغ من العمر 21 عاماً قريباً من مدينة قندز الأفغانية في ديسمبر من عام 2001 أثناء تدريبه على استخدام المتفجرات باسم تنظيم ''القاعدة''· ويقول الادعاء إنه كان حاضراً في معسكر ''الفاروق'' التدريبي، أثناء إلقاء بن لادن لأحد خطاباته النارية المحرضة على الإرهاب، قبل هجمات 11 سبتمبر بوقت قصير جداً· ولكن المتهم السجين قال لمحاميته إن اليوم الذي اعترف فيه للمحققين بأنه كان يتدرب على استخدام المتفجرات بنية تنفيذ العمليات الإرهابية، كان قد تعرض للتعذيب الوحشي على أيدي المحققين الأميركيين، إلى درجة استدعت معالجته في المستشفى الملحق بالسجن· وطالب المحامية بإبراز المستندات الطبية للمحكمة· وعلى رغم إصرار المسؤولين الحكوميين المستمر على اتهام المعتقلين بأنهم تدربوا على تلفيق الأكاذيب الخاصة بأسباب وظروف اعتقالهم وطريقة معاملتهم داخل السجن، على حد التصريح الذي قاله لي ''برايان ويتمان'' -الناطق الرسمي باسم البنتاجون- في وقت مبكر من عام ،2005 إلا أن الذي تأكد اليوم، وتم الكشف عنه مؤخراً، هو أن إساءة المعاملة والإكراه ظلا نهجاً سائداً في معاملة سجناء الحرب على الإرهاب، سواء كانوا في جوانتانامو أم في غيره من السجون السرية الأخرى التي تديرها وكالة ''سي آي إيه'' في مختلف أنحاء العالم· كما كشف تقرير التحقيق الذي أجرته وزارة الدفاع بشأن معاملة السجناء في يوليو من عام ،2005 أن معتقلي سجن أبوغريب تعرضوا لأساليب تحقيق ومعاملة سيئة، جرى استخدامهما قبل عدة أشهر في التعامل مع سجناء جوانتانامو، وأن وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، كان قد أقر تلك الأساليب·

كارول دي· ليوننج
صحفية مختصصة في تغطية القضايا القانونية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا