الاتحاد

تقارير

الأزمة الاقتصادية تغذي القلاقل في أوروبا الشرقية

الأزمة الاقتصادية تغذي القلاقل في أوروبا الشرقية

الأزمة الاقتصادية تغذي القلاقل في أوروبا الشرقية

بليلة شديدة البرودة في الشهر الحالي تجمع قرابة 10 آلاف شخص خارج كاتدرائية يعود تاريخ بنائها إلى القرن الثالث عشر في هذه العاصمة البلطيقية للاحتجاج على الطريقة التي عالجت بها حكومة لاتفيا الأزمة الاقتصادية وللمطالبة بإجراء انتخابات مبكرة· وكانت هذه المظاهرة واحدة من أكبر المظاهرات التي اندلعت في هذا البلد منذ التجمعات الجماهيرية الحاشدة ضد الحكم السوفييتي في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، كما كانت علامة أيضاً على إحباط الجماهير والطريقة التي تنظر بها للنظام السياسي·
ولكن تلك المظاهرة التي بدأت سلمية تحولت قرب انتهائها إلى شغب، وذلك عندما اندفع المئات من الشبان الغاضبين ومعظمهم من الذين فقدوا أعمالهم مؤخراً ليعيثوا فساداً في''المدينة القديمة'' التاريخية، ويحطموا واجهات المحلات ويقذفوا رجال الشرطة بالأحجار والبيض وينتزعوا أحجار الرصيف ويقذفوا بها مبنى البرلمان· وكانت قلاقل مدنية مشابهة قد حدثت في الأسابيع الأخيرة عبر أووربا الشرقية التي ضربت الأزمة المالية بلدانها الصغيرة، التي لا تمتلك من الموارد ما يكفي للدفاع عن اقتصاداتها· وتلك الاضطرابات تكشف عن سخط سياسي متزايد خصوصاً في بلدان أوروبا الشرقية، كما تهدد بالإطاحة بالحكومة المزعزعة التي كانت عبر سنوات هدفاً للاستياء والغضب الشعبي بسبب الفساد المتفشي·
ويقارن الأوروبيون هذه القلاقل بتلك التي وقعت في ستينيات أو حتى ثلاثنينيات القرن الماضي عندما أدى الكساد الكبير إلى إطلاق سلسلة من الانتفاضات السياسية عبر القارة، كما كان سبباً في صعــــود الأيديولوجيات الانعزاليــــة والفاشية· في ذلك الوقـــت لم تحـــــاول أي أيديولوجيـــة استغلال الغضب وتحدي الهيمنة الأساسية لاقتصادات الأسواق الحرة والسياسات الديمقراطية في تلك البلدان· وبدلاً من ذلك بدا المتظاهرون متحدين بسبب معاناتهم من تحطم آمالهم الاقتصادية وعدائهم ضد السلطات الحاكمة·
يختلف هذا عن المظاهرات الأخيرة في أوروبا الشرقية، وهو ما يعبر عنه ''نيكولاي تيخوميروف' '(23 عاماً)، وهو رجل أعمال يعمل في مجال الإليكترونيات وكان من ضمن الذين شاركوا في المظاهرة في ريجــــا: ''السياسيون لا يفكـــرون أبـــدا في البلد أو النـــاس العاديين وإنما يفكرون في أنفسهم فقط''·
بعد أحداث الشغب في العاصمة اللاتفية بأيام تحولت مظاهرة مكونة من 7000 شخص في ليتوانيا المجاورة إلى أعمال عنف مما أسفر عن إصابة 15 شخصاً، كما اندلعت مظاهرات وصدامات أصغر حجماً في بلغاريا، وجمهورية التشيك، والمجر، وذلك عقب أعمال العنف التي كانت قد اجتاحت اليونان الشهر الماضي· وفي يوم الخميس الماضي استخدم رجال الشرطة في أيسلندا القنابل المسيلة للدموع لأول مرة منذ نصف قرن وذلك لتفريق قرابة 2000 متظاهر تجمعوا خارج البرلمان في''ريكيافيك'' للاحتجاج· وفي اليوم التالي وافق رئيس الوزراء ''جير هارده'' على الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة، وقال إنه سيستقيل من منصبه·
يقول ''دومينيك ستراوس، الذي شغل منصب مدير صندوق النقد الدولي، إن الأزمة المالية قد تكون سببا في وقوع المزيد من الاضطرابات وخصوصاً في دول مثل لاتفيا والمجر وبيلاروسيا وأوكرانيا، وكذلك في الدول الأخرى الأكثر ضعفاً من الناحية الاقتصادية· وأكد ''ستراوس'' في حديث للـ''بي·بي·سي'' أن تلك الاضطرابات قد تتفاقم خلال الشهور القادمة، وأن الوضع جد خطير·
وهناك قلق حقيقي حول الديمقراطيات الحديثة العهد والتي تعاني من اختلالات وظيفية، والتي ظهرت عقب سقوط الشيوعية في دول شرق أوروبا· فهذه الدول التي تحملت مجتمعاتها صابرة مصاعب شديدة في التسعينيات على أمل أن يؤدي تطبيقها للنظام الرأسمالي واندماجها مع أوروبا الغربية، تواجه الآن إحباطاً وآلاماً متزايدة·
يعبر ''جوناثان إيال'' مدير الدراسات الأمنية الدولية في معهد الخدمات المتحدة الملكية، وهو مجموعة بحثية تتخذ من لندن مقرا لها عن هذا الوضع بقولــــه: النظـــام السياسي في تلــــك الدول لا يزال هشــــاً ومجتمعاتهــــا لديها تاريخ طويـــل من الوعود المحبطة والآمال غير المتحققة، مما يدفع النخب السياسية فيها إلى المطالبة بالعودة للحقبة الشيوعية''·
وحذر ''إيال'' من عودة الصراعات العرقية في تلك المنطقة حيث يوجد بكل بلدانها أقليات كبيرة العدد من الدول المجاورة، وأن الاضطرابات يمكن أن تنشأ عندما يعود العمال المهاجرون العاملون في أوروبا الغربية إلى أوطانهم مشيراً في ذات الوقت إلى أن الحركات القومية المتطرفة قد اكتسبت أرضية محدودة في أوروبا الشرقية في السنوات الأخيرة، وأن عودتها إلى النظام السلطوي غير محتملة بسبب تاريخ تلك الدول مع الحكم الشيوعي وتكاملها مع الاتحاد الأوروبي، وتخوفها من النوايا الروسية·
هذا التقييم ينطبق على لاتفيا تحديداً، فعلى الرغم من أن معدل التأييد الذي تحظى به حكومتها لا يزيد عن 10 في المئة وهو أقل معدل من نوعه في دول الاتحاد الأوروبي، فإن أهلها يستهزئون ممن يسألهم عما إذا ما كانوا يريدون التخلي عن الأسواق الحرة والحريات السياسية·
مع ذلك فإن أشخاصا مثل''اجيارس فريمانيس'' مدير أكبر مؤسسة استطلاع رأي في لاتفيا يؤكدون أنه على الرغم من أن ذكريات البلاد مع الاتحاد السوفييتي السابق تجعل من احتمال فوز أي حزب ''يساري'' معتدل ضعيفاً إلا أن السخط الشعبي بسبب الإخفاق الحكومي في التعامل مع الأزمة المالية الحالية يمكن أن يؤدي إلى إحداث تغيير سياسي كبير، خصوصاً أن الأزمة أدت إلى تجدد السجال حول الإصلاحات الدستورية التي تشمل الإجراءات التي تمنح المواطنين الحق في التصويت لمشرعين مستقلين بدلاً من قصر حق التصويت على مرشحي الأحزاب السياسية فقط·
بعد أن كانت تحقق نمواً اقتصاديا مكوناً من رقمين كان يعتبر من ضمن أعلى المعدلات في الاتحاد الأوروبي، تكافح لاتفيا الآن من أجل الدفاع عن عملتها المحلية والنجاة من التباطؤ الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى انخفاض معدل النمو السنوي بمقدار خمسة بالمئة وإلى زيادة معدلات البطالة إلى ثمانية في المئة تزيد بمقدار ثلاثة أضعاف وسط فئة الشباب·
وقد اضطرت لاتفيا إلى قبول حزمة إنقاذ بقيمة 10,5 مليار دولار من صندوق النقد الدولي وعدد آخر من الدول كان من بينها استونيا المجاورة وهو ما عده الكثيرون في لاتفيا مهينا· كما شرعت الحكومة في تنفيذ برنامج تقشفي يتضمن إجراء خفض في الميزانية بـنسبة 25 في المـئة، وتخفيض الأجور بنسبة 15 في المئة بالنسبة لموظفي الحكومة وتنفيذ عمليات استغناء واسعة النطاق عن العمالة·
ويرى'' أندريس بيرزينس'' وهو أحد زعماء التحالف الحاكم أن الغضب الشعبي تجاه الحكومة هو غضب في غير محله لأن المشكلات التي تعاني منها البلاد في الوقت الراهن ترجع في جذورها إلى القرارات الخاطئة للحكومات السابقة والخاصة بالتوسع في الإنفاق دون اهتمام بتكوين المدخرات، وأرجع الأزمة إلى أن الدولة ''تريد اتخاذ قرارات جذرية للإصلاح ولكنها لا تجد الدعم الكافي لذلك

اقرأ أيضا