الاتحاد

عربي ودولي

نتائج الانتخابات العراقية·· إنتماءات مذهبية وتحالفــــــات!

بين طغيان سلطـــــة الـــــــروح والجســـــــد على نتائجهـا
بغداد- حمزة مصطفى:
تكتسب الانتخابات العراقية التي جرت مؤخرا أهميتها من مسائل عدة لا بد من أخذها بعين الاعتبار عند أي قراءة سياسية للنتائج النهائية لهذه الانتخابات· من حيث إنها أول انتخابات حرة تجري في العراق منذ أكثر من نصف قرن· وأن نسب المشاركة كانت لأول مرة أيضاً تكاد تكون حقيقية وليس من قبيل مشاركة جميع الناس رجالاً ونساءً ، فالانتخابات الجادة لا يصدق مشاركة فئات المجتمع وطوائفه فيها بنسبة 100% وبالتالي تأتي النتائج إما مقاربة لنسبة المشاركة أي 99% وأقل قليلاً ، وهي في كل الاحوال لا تقل عن 98% علماً أن العراق ليس وحده من كان ينفرد بمثل هذه النتائج الكارثية للانتخابات بل هناك دول عديدة في المنطقة العربية والعالم الثالث اعتمدت مثل هذه النسب ، فضلا عن ان نسبة المشاركة في الانتخابات العراقية بلغت 59%·ويوازي ذلك انها حصلت في ظل جدل سياسي محتدم بين مختلف القوى والاوساط السياسية والدينية والعرقية والاثنية وهي مكونات الشعب العراقي وبالتالي فإن قدرتها على اجتياز الحاجز الصعب كان بمثابة كسر للحاجز النفسي بحيث أصبحت الانتخابات حداً فاصلاً بين مرحلتين، مرحلة ما قبل الانتخابات، ومرحلة ما بعد الانتخابات·
إن أي قراءة لنتائج الانتخابات العراقية لا يمكن أن تغفل تلك المعطيات بأي حال من الاحوال· اذ ان ما يلفت النظر حقاً هو القرار الذي اتخذته الحكومة العراقية المؤقتة والذي اعتبرت بموجبه يوم 30/1/2005 عيداً وطنياً للعراق· ولعلها المرة الاولى في تاريخ الشعوب والديمقراطيات أن يصار إلى اعتبار يوم الانتخابات التشريعية بوصفه عيداً وطنياً وتكمن أهمية ذلك كون أن الحكومة العراقية التي أسقطت كل الاعياد التي كان يعتمدها النظام السابق بوصفها أعياداً وطنية ما عدا عيد الجيش الذي يصادف
السادس من يناير كانت قد بحثت طوال العامين الماضيين عن يوم مناسب يمكن أن يصلح عيداً وطنياً يجمع عليه العراقيون فلم تجد على الرغم من أن مجلس الحكم المنحل سبق له أن اتخذ قراراً اعتبر فيه يوم 9/4/2003 وهو يوم سقوط بغداد بوصفه عيداً وطنياً باعتباره يمثل سقوط صدام حسين، إلا أن ذلك القرار سرعان ما أثار غضب الناس الذين وجدوا ما يكفي من الاسباب للتفريق بين سقوط بغداد، وسقوط نظام بغداد· ثم حاولت البحث عن أيام أخرى كان من بينها يوم تسليم السلطة إلى الحكومة المؤقتة في الثامن والعشرين من يونيو عام 2004 إلا أن ذلك اليوم لم يكن ليرتقي إلى مصاف الاعياد الوطنية· إذن كان يوم الثلاثين من يناير 2005 هو اليوم الوحيد الذي يكاد يمثل خياراً جماهيرياً برغم كل الخلافات والاختلافات بين مختلف القوى والاتجاهات والتيارات، الا أنه مثل في الواقع قاسماً مشتركاً بين مختلف مكونات الشعب العراقي· فالقوى والاطراف التي قاطعت أو انسحبت أو تحفظت على الانتخابات لم تكن ترفض العملية الانتخابية من حيث المبدأ بل كانت إما ترفض الاحتلال وبالتالي لا تستطيع التعامل مع انتخابات يمكن أن تجري في ظل الاحتلال وتتمتع بالمصداقية والنزاهة فضلاً عن الشرعية، وإما أنها سعت إلى تأجيل الانتخابات لإتاحة ما يكفي من وقت من أجل مشاركة الجميع، أو أن لديها تحفظات على الآلية، والاسلوب الذي سوف يتبع في إجراء الانتخابات· لذلك فإن اعتبار يوم الانتخابات بمثابة عيد وطني يحمل في الواقع دلالات أساسية لعل في المقدمة
منها أنه يكاد يكون اليوم الوحيد الذي سجل نجاحاً كبيراً على صعيد بلورة صيغة مقبولة لمستقبل العملية السياسية في العراق، بالإضافة إلى أن الحكومة المؤقتة السابقة بقيادة الدكتور أياد علاوي تستطيع أن تفخر بأن الانجاز الاكبر الذي حققته طوال ولايتها التي استمرت بضعة شهور هو إجراء الانتخابات في موعدها المحدد بلا تأخير، ناهيك عن النجاح الذي تحقق خلال يوم الانتخابات والتي جرى النظر إليه على أنه يوم الانتصار على الارهاب مثلما أعلنت الادارة الاميركية التي دعمت بقوة إجراء الانتخابات في موعدها المحدد·
اتجاهات وقوى وتيارات
يصعب الحديث عن تجارب سابقة للديمقراطية في العراق· فإذا استثنينا تجربة العهد الملكي البرلمانية، وهي تجربة متواضعة إلى حد كبير بحكم أن العملية السياسية كانت تدار من قبل بريطانيا العظمى آنذاك من وراء ستار حتى في مراحلها الاخيرة قبل ثورة 14 يوليو 1958 ولعل تجربة حلف بغداد خير دليل على ذلك، ثم إن غالبية من كان يصعد إلى البرلمان آنذاك هم شيوخ العشائر ورجال الاقطاع وبعض النخب السياسية التي جاء معظم رجالاتها مع الملك فيصل الاول من ضباط الثورة العربية أمثال نوري السعيد ، وجعفر والعسكري ، وياسين الهاشمي ، وتوفيق السويدي ، وعبد المحسن السعدون ، وجميل المدفعي ، إذن إذا استثنينا تلك التجربة فإن العهد الجمهوري الاول الذي استمر نحو عقد من السنوات من 1958- 1968 لم يكن في وضع
يسمح له ببناء تجربة ديمقراطية سواء بسبب الطبيعة العسكرية لرجال الحكم ، أو بسبب الانقلابات العسكرية· أما العهد الجمهوري الثاني والذي بدا أكثر استقراراً وهو عهد البعث وهيمنة صدام حسين والذي استمر 35 عاماً فإنه احتكر السلطة باسم الحزب الواحد ومن ثم القائد الاوحد الذي جمع كل الصفات واجتمعت في شخصه وفكره كل المزايا والفضائل والقيم التي جعلت المجتمع يستغني عن كل القوى والتيارات والاتجاهات والاحزاب والحركات مثلما كانت تصور ذلك الادبيات السياسية والاجهزة الاعلامية التابعة للنظام· فإذا ما ظهرت حركة أو حزب أو اتجاه له رأي آخر وفكر مستقل فهو إما عميل وإما هدام وإما مخرب ، وبخلاصة بسيطة فإن مفردة معارضة معدومة تماماً من قاموسه السياسي· ولذلك فإنه عندما سقط النظام عام 2003 انتشرت الاحزاب والحركات والقوى والتيارات انتشار النار في الهشيم· وبقدر ما مثل فيه هذا الوضع ظاهرة صحية وهي أن المجتمع العراقي أخد يتنفس ولأول مرة هواء الديمقراطية والتعددية والرأي والرأي الآخر فإنها من جانب آخر أخذت تثير العديد
من علامات الاستفهام· فالبعض منها تمكنت من السيطرة على مبان حكومية تحت هذه الذريعة أو تلك أما البعض الآخر فإنه أطلق اهدافاً كبيرة وشعارات براقة· وقد كانت في الواقع بحاجة إلى امتحان كفاءة طال انتظاره· إذ طوال السنتين الماضيتين انتشرت نخب سياسية أو هكذا أسمت نفسها على أنها تمثل التيار الفلاني أو التجمع الفلاني أو الحركة الفلانية· وبحكم ان قسماً منها يملك أموالاً فإنها استأجرت مقرات واصدرت صحفاً وربما وصل قسم منها إلى مرحلة الفضائيات والارضيات ، وطالما عقدت طوال السنتين الماضيتين العديد من المؤتمرات والندوات والتجمعات · وسعت إلى فرض استحقاقات سياسية على أرض الواقع ، وما إلى ذلك· ولعل من الامور التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار هي تجربة مجلس الحكم السابق الذي وإن مثل القوى والتيارات الرئيسية إلا أن تركيبته الهشة وقيامه على أساس المحاصصة الطائفية والحزبية جعل الكثير من هذه التي أسمت نفسها حركات وتيارات وتجمعات توغل فيه نقداً وتجريحاً وكأنه الغلط الوحيد في المعادلة السياسية العراقية ، وكان الكثير منها يطرح نفسه على أنه البديل الحقيقي والوحيد لهذا المجلس ، وكانت تدعو من أجل أن تثبت ذلك أمام الملأ إلى إجراء انتخابات لكي يظهر وزنها الحقيقي في الشارع· وبالفعل فقد حان موعد الانتخابات ودخل الجميع ساحة المنافسة وظهرت النتائج التي وان لم تحمل أية مفاجأة سياسية كبيرة للمراقبين والمتابعين للشأن العراقي إلا انها ربما فاجأت القوى والتيارات والتجمعات والحركات التي اكتشفت أن لا وزن لها على أرض الواقع وفي أوساط الجماهير·
ونلاحظ من خلال تتبع النتائج التي انتهت إليها الانتخابات العراقية على أساس النسب التي حصلت عليها الكتل السياسية أن مجموع الكيانات والكتل السياسية التي دخلت الانتخابات بلغ 111 تكتلاً وكياناً سياسياً وبلغ عدد المتنافسين فيها للفوز في مقعد الجمعية الوطنية البالغ 275 مقعداً 7471 مرشحاً وبحساب الكتل المتنافسة فإن الكتلة التي حصدت أكبر عدد من المقاعد ونسبة 48
بالمائة هي الكتلة الشيعية أو قائمة الائتلاف العراقي الموحد المدعومة من آية الله السيستاني وبلغ عدد المصوتين ما يزيد على أربعة ملايين ناخب، أما الكتلة الثانية فهي الكتلة الكردية وحصلت على مليوني صوت تقريباً تليها كتلة رئيس الوزراء اياد علاوي وحصلت على أكثر من مليون صوت وبنسبة 13% من الاصوات· أما الكتلة الرابعة فهي التي قادها رئيس الجمهورية الشيخ غازي الياور ولم تحصل إلا على 150 ألف صوت وفي المرحلة الاخيرة تقريباً كتلة اتحاد الشعب وحصلت على 69 ألف صوت· ولعل اللافت للنظر أن الكتل التي يرأسها سياسي مخضرم وأحد ابرز المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية وهو الدكتور عدنان الباجه جي خسرت الانتخابات، والامر نفسه ينطبق على الملكية الدستورية بزعامة الشريف علي بن الحسين· السيستاني والآخرون إذا عدنا إلى التفسير السياسي للنتائج فإننا ولكي لا نظلم الخاسرين فإن السلطات الرئيسية التي تحكمت بنتائج الانتخابات وأظهرت هذه النتائج أن: سلطة الروح وجسدها على نحو واضح المرجع الشيعي الاعلى في العراق آية الله العظمى علي السيستاني الذي دعم قائمة الائتلاف العراقي الموحد التي ضمت القوى الشيعية الرئيسية مثل المجلس الاعلى للثورة الاسلامية، وحزب الدعوة وحزب الله، والمؤتمر الوطني العراقي· ولعل طغيان سلطة الروح على ما عداها من سلطات يعني أن المتغير الاساس الذي يتحكم بالمواطن العراقي هي انتماءاته المذهبية أولاً وربما تليها بدرجات الانتماءات الاخرى، وهذا يعني أن بناء التجربة الديمقراطية على أسس عصرية ما زال يستغرق وقتاً· وإذا اكتفينا بمثال واحد فإن رجلاً ظل يطرح نفسه على مدى العقود الثلاثة الماضية على أنه علماني وجاء متحالفاً مع الاميركيين للقضاء على نظام صدام حسين اكتشفت أنه لو اعتمد اللافتة الديمقراطية على واجهة مقرات حزبه العديدة لكان حاله حال العشرات ممن ظلوا يراهنون على الوهم فلم يحصدوا من الاصوات ما يكفي لشراء بطاقة لمشاهدة فيلم هندي في إحدى صالات السينما من الدرجة الثالثة· لذلك فإنه لجأ إلى سلطة الروح التي وجدها عند رجل يسكن في أحد بيوتات النجف القديمة لعله الفائز الاكبر في الانتخابات التي لم يسمح له القانون بالإدلاء بصوته فيها، لكن الملايين صوتوا بناء على دعوة قيل إنه وجهها واعتماداً على صورته التي احتاج الزعماء السياسيون أن يضعوها على البوستر الذي دخلوا بموجبه الانتخابات·
السلطة الثانية هي سلطة العرق وتتمثل هذه السلطة بالقائمةالكردية، فالمواطنون الاكراد انحازوا لأغراض هذه الانتخابات إلى كرديتهم بالدرجة الاساس قبل عراقيتهم التي احتاجوها بثقل كبير من أجل بنا ما يعتبرونه عراقاً فيدرالياً موحداً ·· والسلطة الثالثة هي سلطة الاعلام والنفوذ وتتمثل هذه السلطة بالحيز الذي استخدمه رئيس الوزراء أياد علاوي الذي كان طوال الشهور الماضية على الواجهة من الاحداث، بالإضافة إلى الحملة الاعلانية الضخمة التي خصصت له والتي جعلته يحصد نتائج هامة تمكن أن ينافس وحده كسياسي لم يكن حاله قبل شهور ليختلف عن حال عشرات السياسيين العراقيين· فليس هو مثل السيستاني يملك سلطة معنوية للتأثير في الناس وليس هو مثل الزعماء الاكراد ممن يتكئون على سلطة العرق، بل هو امتلك النفوذ السياسي والاعلامي مما جعله يحصد نتائج في غاية الاهمية ستجعله يلعب دوراً هاماً في مستقبل العراق السياسي سواء كان في دست الحكم أو في صفوف المعارضة·

اقرأ أيضا

روسيا تهدد "الناتو" بعد نشره قواعد عسكرية قرب حدودها