الاتحاد

دنيا

حصان خورفكان يصهل·· و خطوة متعثرة للفجيرة

الشارقة - حميد قاسم:
كان اليوم الثاني من أيام العروض المشاركة في (مهرجان أيام الشارقة المسرحية) مكرساً لعرضين كان مقدراً لهما ألاّ يكونا ضمن العروض المتنافسة على جوائز مسابقة المهرجان، لولا توجيه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة بادراج جميع العروض في لائحة التنافس داخل المسابقة، فقد شهد قصر الثقافة في الشارقة ، في تمام السابعة من مساء الجمعة الماضية عرض مسرحية (تخاريف حصان) لفرقة مسرح خورفكان للفنون وهي من تأليف واخراج الفنان ناصر كرماني وتمثيل الفنان بلال عبدالله والفنان جمال الجسمي والفنانة حنان شاكر فضلاً عن مجموعة من الفنانين الشباب·
حاول المؤلف ومخرج العرض الفنان ناصر كرماني ان يتناول مشكلة تحديد الهوية ارتباطاً بتجديد الانتماء ، وهي موضوعة جريئة وحاضرة في مجتمعات المنطقة، برغم انها تدخل - بتفاصيلها - ضمن اطار (المسكوت عنه)، وسعي كرماني لعرض أزمة الانتماء هذه من خلال نسيج درامي يعتمد الصراع النفسي، من خلال (حكاية) رجل يظل سادراً في هذياناته المخمورة، مناقشاً معايير الأصالة والانتماء العرقي والتنوع، وما أدت إليه من علاقات مشوشة في تحديد (فكرة الهوية) وما ينجم عنها من اشكاليات اجتماعية ونفسية، كما حاول المؤلف - المخرج ان يجعل الشكل السينوغرافي للعرض ركيزة اساسية لدمجه ضمن عناصر العرض الفنية الأخرى لتوصيل الفكرة للمشاهد، وقد انتاب هذه المحاولة الكثير من الخلط الذي أوجد (ثغرات) أثرت على منجز العرض ووسائل ايصاله إلى المتلقي· حيث يفصح المخرج عن انه قد تغلبت عليه نزعة التحليل (السيميائي) السينمائي لتشكيل ميزانسين العرض الفني (المايكروميزانسين) بغرض تشكيل ميزانسين التلقي، وهو تقديم العرض بغية تحليله في ذهن المشاهد مما يؤسس للتلقي الانفعالي اكثر من المشاهدة السلبية، منساقاً وراء قناعة ملحة بقدرة السينما والصور والمناظر المتحركة على احداث هذا التأثير من خلال التجاور والتتالي لخلق احساس يتجاوز حدود المكان والزمان، متجنباً الكثير من أدوات العرض المسرحي التقليدية·
الهوية والانتماء
(من أنت؟) كان هذا هو سؤال العرض في مسعاه لتحديد الهوية أو تحديد الانتماء، محاولاً سبر كوامن نفس إنسان يعاني من الأزمة الناجمة عن هذا السؤال الذي يواجهه من النفس والآخرين، وهي في ملخصها محاولة لـ (شرعنة) انتماء وارتباط اناس بلا هوية بارض أو وطن لا يعرفون سواهما·
يحلم بطل العرض - اداه ببراعة المبدع بلال عبدالله في ان يكون حصاناً، متجاوزاً - ولو مؤقتاً - اشكالية السؤال، ليعمقها في الوقت نفسها ويزيدها احتداماً··!، ويوغل في هذيانه القائم على موضوعة التخيل ليرتاد آفاقاً وعوالم من (تابوهات) ومحظورات متعددة، وبرغم تجاوز مخرج العرض الكثير من أدوات المسرح التقليدي، في استخدام تقنيات الفيديو والسينما وأساليب القطع السينمائي، غير انه لم يتجاوز مفهوم (المسرح الفقير) بالعناصر البسيطة التي اثثت فضاء العرض بمفرداتها القديمة والمألوفة في الوقت نفسه مثل استخدام الكورس، واستلهام الطقسية الشعبية الموروثة واعادة الاعتبار اليها وبث الحيوية فيها من خلال استخدام جديد بعث فيها حياة حقيقية ومحتدمة· ولعب المخرج هنا كثيراً على استخدامات الاضاءة من خلال اللعب اللوني في تعميق الحالات النفسية لبطله الحصان المتخيل في تخريفاته وهلوساته الإنسانية المقموعة التي ما كان لها ان تتدفق لولا استعارة هذا القناع الذي اختار الحصان رمزاً للانفلات من القيود والاعباء، فضلاً عن الربط بين اصول الخيول وانسابها وأزمة الاصل للبطل، وما يمثله الحصان من نشدان الحرية· وكان استخدام شاشة العرض في عمق المسرح عاملاً في تعميق هذه المناخات ومنحها عمقاً وبعداً اضافياً، غير انه - في احيان عديدة - اثقل العمل بالكثير من التفاصيل الفائضة عن الحاجة، والتي تستدعي تشذيباً لابد منه، من قبل مخرج ميزته الاضافية انه كاتب (النص) وصاحب رؤيته الاصلية المدونة على الورق، مثلما هو مؤلف (العرض) في صورته النهائية المقدمة على الخشبة ساعتها·
ومع أن العمل لم يذهب إلى تفاصيل تشتت موضوعته إلا ان بعضاً من وسائله غدت (وسائل ايضاح) في احيان عديدة، فأدت دوراً معاكساً لما أراد العرض توصيله للمتلقي واثقل كاهل العمل، ومنها لجوء المخرج إلى ما يشبه (الشرح) للحالة التي انجزها الفعل الدرامي، اذ افقدت هذه (التعليقات) حيوية العرض، وشوشت منظومة وآلية المشاهدة والتلقي، حين افترضت حاجة المشهد إلى الاشباع، وهو افتراض يحتمل أحد امرين كتفسير - وان كان غير مقنع - احدهما عدم ثقة المخرج بوعي المتلقي، وثانيهما عدم ثقة المخرج بما صنعته يداه··! إذاً، كان ثمة فائض كثير عن الحاجة، فائض وزيادات لا مبرر لها، ولا وظيفة مقنعة لها··! سوى هذا كان العرض ممتعاً، وافلح في بناء علاقة حميمية مع المشاهد، برغم انه انزلق - احياناً - إلى مغازلته، وهي علة، مشروعة·
(خطوة)·· مراوحة
ومن قصر الثقافة انتقل الجمهور إلى القاعة الاولى في معهد الشارقة للفنون المسرحية حيث قدمت فرقة مسرح الفجيرة القومي مسرحية (خطوة) من تأليف شريف العوضي واعداد: إلتفات عزيز، والتي اخرجها الفنان عمر غباش·
قدّم المخرج عمر غباش للعرض بكلمة جاء فيها (كلنا نحاول ان نخطو خطوة للأمام، مرةً نخطو بالاتجاه الصحيح ومرةً عكس ذلك، ولكننا في النهاية نحاول ان نوجه بوصلتنا إلى الاتجاه الاكثر قرباً إلى أنفسنا)· فهل أفلح عمر غباش في ان يضع خطوته في الاتجاه الصحيح؟
تدور حكاية النص حول (أزمة) تنشب بين زوجين تحت وطأة اعباء الحياة والعمل التي حاول المؤلف ان يجعل منها تمظهراً آخر لأزمة سؤال الوجود الازلي، عن معنى ومبرر الحياة وجدواها· وعلى العكس مما رآه الآخرون (من منتقدي العرض) نرى ان النص مكتوب بلغة عالية، وانه في صورته الاخيرة (بوصفه نصاً نهائياً بعد الاعداد) يتمتع بسلاسة تتيح آفاقاً مفتوحة للاشتغال عليه بأدوات مخرج محترف مثل عمر غباش، غير ان ذلك - من أسف - لم يحدث إلا بطريقة فيها الكثير من الارباك والعجالة، مما قاد في النهاية إلى تعثر (العرض) في خطوته التي تابعها الجمهور على خشبة المسرح، ويبدأ الامر من لجوء المخرج إلى استبدال بعض الحوارات في النص والمكتوبة بالعربية الفصيحة باللهجة المحلية، مما خلق مستويين من الاداء اللغوي في جسد واحد، وخلق تنافراً بلغ حداً من التناقض بين المستويين على صعيد الحيوية والتدفق مما أثر على الفعل الدرامي وبناء الحدث وتطوره، بل انه احياناً قاد إلى خلق منطقتين على الخشبة، ترى احداهما ميتة بوراً لدقائق طويلة - وهي ثقيلة وخطيرة في العرض المسرحي - بمقابلة منطقة أخرى متوترة محتدمة مما اضاع التوازن المنشود بين طرفي المسرح (اليمين واليسار) بصورة لافتة للنظر· فضلاً عن انفعالات غير مبررة ولم يمّهد لها منطقياً، مثل الانتقالية السريعة من مشهد غرفة النوم التي يغادرها الزوج متبرماً بعد خلافه مع الزوجة، لنجده حبيس القضبان منفرداً قبالة مجموعة من السجناء على الطرف الاخر، وهي انتقالة لم نجد لها في العرض ما يفسرها ولو بجملة واحدة تقال عرضاً، أو بفعل مسرحي، مثلما يفترض، وكأن المخرج يريد ان يقول: ان ليس ثمة فرق بين مؤسسة الزواج·· والسجن··!
كيمياء متبادلة
لقد ساد العرض ارتباك واضح في بنيته، برغم المعالجة الاخراجية التي اقترحها المخرج، ليفقد بذلك تلك الدقائق التي كان فيها العرض يسمو بايقاعه المتدفق وحيويته الجمالية، ولعل ما يشفع للعمل انه صادف الكثير من العراقيل والمشكلات المتعلقة بالممثلين الذين أدوا الادوار وتغييرهم المستمر، وان عدداً لا يستهان به منهم لا يمتلك خبرة طويلة في الوقوف على خشبة المسرح، وفي المقدمة منهم البطلة التي أدت دورها الفنانة منى موسى بشجاعة تحسد عليها رغم ضعف خبرتها، وهو ما ظهر في (توقيتاتها) المرتبكة وغير الدقيقة في المشهد الذي تنتقل فيه من مكان إلى آخر تحت بقعة الضوء الضيقة (سبوت) على سبيل المثال·
وبرغم هذا وذاك، يحسب للعمل - والمخرج - خاصة إقدامه على العمل مع هذه المجموعة من الشباب واقتراحاته الاخراجية التي كان من الممكن ان تقدم لنا عرضاً مغايراً يستدعي منا - ومن الجمهور - رأياً آخر سوى ما نقوله الآن لولا تلك العثرة الناجمة عن الهوة بين مستويين من اللغة لم يوفق عمر غباش في خلق انسجام بينهما، أو ايجاد مبّرر يفسر تجاوزهما غير المتفاعل بينهما، ليكونا كتلتين صماوين، بدلاً من ان يكونا (كائنين) حيين، يتبادلان التفاعل في كيمياء متواصلة·

اقرأ أيضا