صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

مرآة الحرمين كما رآها قومندان حرس المحمل

صورة بقلم أمير الحج عن المناسك قبل قرن

صورة بقلم أمير الحج عن المناسك قبل قرن

في جزأين صدر أخيراً الكتاب الذي طالما استند إليه الباحثون وهو بعد في صورته المخطوطة وعنوانه ''مرآة الحرمين'' تأليف اللواء إبراهيم رفعت باشا الذي كان قومندان حرس المحمل (1318 هـ/ 1901م) ثم أميراً لركب الحج المصري في 1320 هـ/ 1903م و1321 هـ/ 1904م وأخيراً في عام 1325 هـ/ 1908م·
وتعود أهمية هذا الكتاب إلى المعلومات الدقيقة التي حرص المؤلف على تسجيلها لحظة بلحظة خلال رحلات حجه ومزود بمئات الصور الشمسية النادرة لعمران الحرمين المكي والمدني في مطلع القرن العشرين·
ويبدأ اللواء ابراهيم رفعت بالحديث عن الأعمال التمهيدية قبل سفر المحمل ومن أهمها تقريره المالي عن ميزانية موكب الحج وقد بلغت في عام 1318هـ 18,893 جنيهاً مصرياً هي مرتبات رجال المحمل جميعهم مدة ثلاثة أشهر ومرتب أمير مكة والمبالغ المقدرة لإشرافها وللعربان ولـ''تكيتي'' مكة والمدينة وجميع النفقات الأخرى من أجرة جمال وثمن علف دواب الخ·

كسوة الكعبة

وعنيَّ أمير الحج بتسجيل نص الإشهاد الشرعي الخاص بكسوة الكعبة المشرفة والذي يشمل معلومات قيمة عن أنواع المنسوجات ومقاديرها، مثل الحرير الأسود والأطلسي ومحرر الإشهاد الذي ينتدبه قاضي قضاة مصر كان يتقاضى مكافأة قدرها 3 جنيهات مصرية و280 مليماً منها 880 مليماً نقدية و240 قرشاً ملابس·
وبعد أن قدم إبراهيم رفعت وصفاً دقيقاً لاحتفال بموكب الكسوة ومروره بشوارع القاهرة شرع في الحديث عن رحلة الباخرة ''النجيلة'' المخصصة لحمل الكسوة بالإضافة إلى بعض الحجاج وارتداء جميع الركاب ملابس الإحرام قبيل بلوغها إلى مرفأ جدة·
وفي جدة يبدأ موكب المحمل سيره في الأراضي الحجازية وسط الموسيقى العسكرية وكان مروره بين صفين من العساكر العثمانيين قدرهم إبراهيم رفعت بأربعمئة من العساكر النظاميين ومئتين من غير النظاميين· ويصف المؤلف جدة بأنها ميناء مكة العظيمة ويحيط بها سور ذو خمسة أضلاع وبه تسعة أبواب· ونسب تشييد سور جدة الأول إلى السلطان المملوكي الغوري في عام 915هـ، وألمح إلى بيوتها الرائعة التي يسكنها الأكابر من الأشراف وكبار التجار و''القناصل'' وهي تزدان بواجهات بها ''المشربيات'' المصنوعة من الخشب الهندي الأحمر المخروط واختص منها بالذكر وبصورة شمسية أيضاً بيت السيد عمر السقاف الشريف·

سكان جدة

أما سكان جدة فيقول إنهم خليط من أجناس شتى من مكيين ويمنيين وحضرميين وهنود وترك وشوام ومصريين وعددهم حوالي 25 ألف نسمة بينما يبلغ عدد السكان بها خلال موسم الحج خمسين إلى ستين ألفاً ويمر بها من الحجاج كل عام نحو 120 ألفاً·
وبالكتاب وصف تفصيلي للطريق من جدة إلى مكة وما يحتويه من استراحات ومقاهٍ ونشاط للحراسة وقلاع وكذلك للكعبة المشرفة منذ دخل المؤلف إلى الحرم المكي عبر باب السلام·
وقد زار اللواء شريف مكة والتقى أيضا عدداً من إشراف المدينة وطلبوا منه أن تكون رواتب الأشراف بالريال المصري واشتكوا له من قيام بعض نظار التكية المصرية بمكة بعمل غير لائق وهو تحويل نوافذها إلى أبواب لحوانيت اقتطعت من مساحة التكية·
وفي الكتاب وصف لغسل الكعبة الذي تم يوم الاثنين خامس ذي الحجة عام 1318هـ وكان الغسل بماء زمزم وبمقشات صغيرة من خوص النخيل ووزعت على أمير الحج وأمين العدة وبعض الموظفين وعدد من عظماء الحجاج خرق بيضاء مبللة بماء الورد والروائح العطرية مسحوا بها جدر الكعبة فيما تزاحم الحجاج للحصول على ماء الغسيل والمقشات الخوصية على سبيل البركة·
وكانت الكعبة بعد غسلها تفتح لمن يريد الزيارة بعد أن يدفع ريالاً قيمته عشرة قروش مصرية لمن يتولى فتح الباب من قبل السيد محمد صالح الشيبي أمين المفتاح وإذا كان الزائر غنياً أخذوا منه بضعة جنيهات·

الوقوف بعرفة

ويصف إبراهيم رفعت الوقوف بعرفة وصفاً دقيقاً منه منظر جبل الرحمة وقد ملأه الحجاج حتى لم يبق منه موضع لقدم أغلب هؤلاء من السودانيين واليمنيين والمغاربة ويتخذون الجبل مسكناً لهم ويؤدون به جميع أعمالهم من طهو وغيره·
ويتحدث المؤلف عن فكاهات الحجاج عند رمي الجمرات ذاكراً أن بعضهم كان يرمي الحصيات السبع دفعة واحدة ويخاطب أبليس ''في عين دينك'' وبعض الحجاج لا يكتفي بالحصيات بل يأتي بأحجار كبيرة ويرمي بها ''العمود القائم'' بل لا يرتاح له بال إلا إذا هدم جزء من البناء ''وقد كان من الضباط الذين معهم اليوزباشى عبدالوهاب حبيب أفندي فلما جاء وقت رمي جمرة العقبة أخذ عساكر الحرس ورجموا أبليس دفعة واحدة بهيئة هجوم على عدو وانتقام منه''
ويصف إبراهيم رفعت وقائع الاحتفال بتلاوة الفرمان السلطاني في 11 ذي الحجة بمنى والخلع التي نالها شريف مكة وكبار الموظفين على سبيل التشريف، ولم يفته أن يشير إلى أسعار الأضحيات في موسم الحج مؤكداً أن ثمن الشاة من ريالين ونصف إلى ثلاثة ونصف وكان يؤخذ لشريف مكة على كل رأس من الغنم تباع للحجاج خمسة قروش من البائع·
وثمة إشارات متعددة لنفوذ شريف مكة الذي يلقب بسيد الجميع تمييزاً له عن بقية الأشراف ''وهو الحاكم الذي لا ينازع في أمر ولا يرد له قول ينفي ما شاء ويحبس من شاء ويعاقب من شاء وبيده عقد الأمور وحلها وكل الحكام بمكة طوع إشارته''·

فنون المنوعات والتلفزيون عن دور البرامج الترفيهية على الفضائيات العربية
تسييس المتعة وتفريغ الفكاهة

د· طلعت شاهين

في كتابه الصادر عن دار سنابل بالقاهرة بعنوان ''فنون المنوعات والتلفزيون'' يكشف المخرج التسجيلي دويدار الطاهر دويدار رئيس الإنتاج المتميز ـ قنوات النيل المتخصصة أن رسائل الفنون التليفزيونية والإذاعية الآن، وإن ارتدت ثوب الترفيه الإعلامي شكلا، فإنها في الحقيقية تستهدف زيادة الموارد المالية لتلك المحطات ـ دون استثناء ـ فالمهم بالنسبة لتلك البرامج والقائمين عليها هو الربح المالي الآن، أما الغد والإنسان وما يواجهه من تحديات ذاتية ومجتمعية وعالمية، فتلك أشياء يبدو أن الزمن قد عفا عليها مع قدوم العولمة، كما عفت التغيرات الليبرالية الحديثة على دور الدولة الثقافي والاجتماعي وتنمية الإنسان وقصر دورها على صنع الثروة وتنظيم العلاقة بين أصحاب روؤس الأموال، أما المستهلك فعليه أن ينتظر طويلا حتى تتشكل منظمات المجتمع المدني لتتولى الدفاع عنه اقتصاديا وثقافيا وفنيا وتحافظ على ذوقه الجمالي·
والأهم من كل هذا يشكل هذا الكتاب معجما ودليلا متخصصا وكاشفا لفنون المنوعات على تراميها واتساعها وتنوع أشكالها، جامعاً لأسرارها وخصائصها وكيفية الوصول إلى أهدافها الحقيقية والتي تزيد الإنسان ثراء ثقافياً·
ودويدار الطاهر المحاضر بجامعة مصر الدولية ومعهد التدريب التليفزيوني، شغل من قبل منصب رئيس الإنتاج المتميز بقنوات النيل المتخصصة، وحصل على عدة جوائز أهمها جوائز الإخراج الفكرة ـ السيناريو ـ أحسن فيلم من المهرجان القومي للسينما التسجيلية والأفلام القصيرة، وحاصل على 31 جائزة كمنتج فني لأعمال الإنتاج المتميز من مهرجانات قومية ودولية، كما شارك في عدة مهرجانات أهمها الإسماعيلية للسينما التسجيلية مهرجان البحر المتوسط ـ إسكندرية، المهرجان القومي للسينما التسجيلية، مهرجان القاهرة للإذاعة والتليفزيون·

مواهب المقدم

ينقسم الكتاب إلى تمهيد وخمسة فصول يبدأ الأول برؤية عامة للإعلام الآن ودوره ووضع الثقافة الإنسانية داخل منظومته، معرفا المنوعات بأنها ''فن يجمع بين فنون الشكل وفنون الكلمة، وهي فن له أشكاله وقوالبه ويستهدف التسلية الراقية والإثارة والإمتاع الحسي والوجداني والعقلي ومن ثم تصبح إحدى أدوات التشكيل الاجتماعي والثقافي والفني السليم''·
ويؤكد على أن تقديم تلك البرامج يتطلب نوعا من المقدمين يطلق عليهم ـ قواد الاحتفالية ـ ممن يملكون الحضور وخفة الظل ويفضل من تتوفر لديه موهبة فنية في التمثيل أو الكوميديا أو الغناء أو الرقص أو الموسيقى بجانب الثقافة الفنية وباقي شروط مقدم التليفزيون الأخرى، فمقدم برامج المنوعات ليس مذيعا بقدر ما هو جزء من البرنامج، أو جزء من النسيج الفني للبرنامج بشكل عام، سواء عن طريق أسلوب المقدم أو أزيائه أو حركته أو أدائه التعبيري، فالتقديم في حد ذاته فقرة استعراضية·
ويقول المؤلف إنه إضافة إلى ضرورة التعامل مع الديكور والأزياء والألوان والإضاءة والتصوير والمونتاج والمؤثرات البصرية كعوامل متعة، لذا من المفضل أن يكون هناك مخرج فني لبرنامج المنوعات يساعد المخرج الأساسي فيما يختص بالجانب المتعلق بتناسق الألوان بين الخلفيات والديكور وملابس المؤدين ومضمون الفقرة· وما لم يتم هذا التناسق والتناغم فإن المشاهد سوف يحس وكأنه في سيرك شعبي أو احتفالية شعبية بدائية وليس برنامج منوعات تكلف كثيرا·
ثم يتطرق الفصل الثاني إلى مفهوم الترفيه وتاريخ الترفيه ووظائفه حيث يخلص إلى تعريف الترفيه بأنه ''كل نشاط نمارسه فرديا أو جماعيا، في وقت الفراغ من أجل الاستمتاع وبحيث لا تكون ممارسة هذا النشاط نوعا من العمل أو أداء واجب أو وظيفة بل عملية ترفيهية تدخل في اطارالترويح خلال فترات الراحة· فيما يتناول الكاتب في الفصول التالية مفاهيم ومصطلحات وأشكال فنون المنوعات وتحليلها وإلقاء الضوء على الأزمة الناجمة عن التطبيق الخاطئ لما هو جميل نظريا من خلال التشويه المتعمد·
في ضوء رؤيته للترفيه كنشاط استمتاعي لا يهدف إلى أن يكون عملا أو واجبا أو وظيفة يرى دويدار الطاهر أن أغلب ما يتم رصده على الشاشات العربية من برامج ترفيهية لا تمت إلى الترفيه الإعلامي بصلة، فهي برامج تهدف إلى إضاعة وقت المشاهد، أو يتم استخدام تلك البرامج على أحسن الفروض لتحقيق أهداف سياسية في المقام الأول، فهي إما برامج تعبوية سياسية أو برامج دعائية أو برامج تفريغية لشحنات الغضب من الحالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أو برامج ترفيهية يغلب عليها البعد الربحي والتجاري، كما نرى الآن في محطات الغناء والسينما والكليب والإعلانات التجارية، ومن ثم تغيب وبالضرورة عن أكثر من 90 % من تلك المحطات الأهداف الإعلامية الأخرى مثل التنمية والتعليم والجانب الثقافي والفني الرفيع، وهو ما يمثل خطورة مستقبلية بالغة على الكيان الثقافي والقيمي واللغوي العربي·

الخيال والإبداع

ويؤكد دويدار الطاهر أنه إذا كان الترفيه وبرامجه التليفزيونية والإذاعية يحتل أكبر دوائر اهتمام المتلقي العربي الآن فإن الحقيقة العلمية تدل على أن التسرية هي أهم أهداف عملية الاتصال الجماهيري بجانب الإعلام والتثقيف وغيره كالتنوير والتنشئة الاجتماعية والأخبار والتسويق، فالترفيه الاتصالي هو أحد الأبنية الإعلامية والتي تتخذ التذوق وإذكاء الخيال والإبداع عند المشاهد والمتلقي لرسائلها، والفنون الجميلة هي أقصر الطرق إلى التحضر الإنساني وتهيئة المتلقي للتعامل مع تحديات الواقع المعاصر بشكل إبداعي خلاق، لكن المتابع لمعظم محطات الترفيه العربي سرعان ما يكتشف أنها تمتلئ بفنون الإبهار الشكلي ومخاطبة الغرائز والشهوانية والنوازع البهيمية، والتي تتنافى وأدوار الترفيه الإعلامي، إلى جانب كونها لا تتناسب وطبيعة المجتمع العربي وقيمه وعاداته وموروثه وتقاليده، والتي يعتبر المحافظة عليها الآن أحد تحديات عصر العولمة والتنميط الثقافي وأحد أخطر وأهم أدوار الرسالة الإعلامية مرئية ومسموعة في الدول النامية·
ويضيف: إن برنامج المنوعات التليفزيوني كقالب متنوع الفقرات شكلا ومضمونا ولكي يحقق أهدافه الإعلامية ويحقق العائد من وراء تكلفته الإنتاجية المرتفعة، لابد أن يتميز بالإبهار والمتعة الشاملة في كل ما هو مرئي أو مسموع، ساكنا أو متحركا أو مسموعا أو مدركا أو محسوسا، ومن أجل أن يتحقق كل ذلك لا بد أن يتوفر للمنوعات عناصر منها: أولاً ضرورة توفر الأنواع الجيدة من المعدين ذوي المواهب الإبداعية والابتكارية في مجال الأفكار ومن المؤهلين تأهيلا أكاديميا فنيا، والحريصين على تجديد ثقافتهم الفنية بشكل مستمر، ويفضل أن يكون لكل برنامج هيئة إعداده الفني تحت رئاسة معد موهوب كرئيس تحرير في الصحافة، وبحيث يختص معد بفقرات الغناء وآخر لفنون الموسيقى وثالث لفنون الرقص والعروض والأندية ورابع للكوميديا والضحك وخامس لفنون الألغاز والأحاجي والمسابقات·
وفي ختامه للكتاب يؤكد دويدار الطاهر أنه في عصر العولمة وسيادة آليات السوق والتي انتهت بها الديمقراطية القديمة، والاشتراكية بصيغها الأيديولوجية، ليبدأ بعدهما عصر الليبرالية الحديثة ومن تجلياته بالضرورة تراجع أدوار الدولة في مجالات الصحة والتعليم والتوظيف وتراجع المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري، فلن يبقى في الحقيقة غير الفنان وضميره سواء أكان معدا أو مقدما أو مخرجا أو قائما على إدارة محطة راديو أو قناة تليفزيونية أو قيادة شركة إنتاج فني أو غيرهم ممن يمتلكون ملكا لم يعطه الله لحاكم عربي، فهم يمتلكون قلوب ومشاعر مئات الملايين من البسطاء والفقراء والأطفال وباقي أبناء الأسر المطحونة بالواقع، وغيرهم ممن يعتبرون المذياع والشاشات جنات حاضرهم هربا وتسلية وتعلما، وحقيقة فإنه لا ملجأ لهم من جحيم المعاناة إلا إنتاجكم الفني والذي وإن لم يخفف عنهم وينسيهم فهو أيضا يرسم لهم ودون أن يشعروا معالم مستقبلهم وطرق تفكيرهم·

الوعي المقاصدي للدكتور مسفر بن علي القحطاني:
قراءة في خوض غمار النوازل والوقائع

علي العزير

في كتابه ''الوعي المقاصدي'' الصادر عن ''الشبكة العربية للأبحاث والنشر''، يسعى الباحث الدكتور مسفر بن علي القحطاني إلى إنجاز قراءة معاصرة للعمل بمقاصد الشريعة في مختلف مناحي الحياة، وقد يكتسب البحث أهمية استثنائية في ظل الآراء المتباينة التي هيمنت على المقاربات الفقهية راهنا، جراء التعقيدات المعاصرة للمباحث المتناولة من جهة، وتفاقم حجم التحديات التي تطرح نفسها أمام أعلام الدين الإسلامي المعاصرين من جهة أخرى·
يوضح المؤلف أنّ المقصود بمقاصد الشريعة هو الهيكل العام لعموم الأحكام، سواء الواقعة منها أو المتوقّعة، وهي المرجعية التي يجب العودة لها أمام أي حالة اختلاط في الرؤى والمفاهيم، لا بدّ لها من أن تؤدي إلى الضلال، خاصة في ظل غلبة العصبيات والتقليد، والإغراق في الفروعيات الخلافية·

استدعاء المفاهيم الراسخة

يبدأ الكاتب عمله بتعريف مقاصد الشريعة على المستويين اللغوي والاصطلاحي، ويذهب في هذا الإطار نحو استدعاء المفاهيم المرتبطة بسياق البحث التي صاغها العديد من العلماء الرواد من أمثال الإمام الغزالي وأبو إسحاق الشاطبي والطاهر بن عاشور وعلال الفاسي، وأحمد الريسوني ويوسف حامد العالم ووهبة الزحيلي، ليستخلص من الآراء المتنوعة تعريفا جامعا للمقاصد، يمكن اختزاله بكونها ''المعاني والحكم التي راعاها الشارع عموما وخصوصا من أجل تحقيق مصالح العباد في الدارين''·

بين العقل والنقل

بعد ذلك ينتقل القحطاني إلى البحث في أدلة اعتبار المقاصد فيرصد مجموعتين منها هي النقلية والعقلية· تحتوي الأولى على مجمل المفاهيم والقرائن المستمدة من القرآن والسنة، في حين تندرج ضمن الثانية المحاكمات الذهنية التي تقاطعت عند ضرورة إثبات الحاجة إلى منظومة شرعية تحدد مسار الناس في إطار جلب المصالح ودرء المفاسد· في تقسيمه لأنواع المقاصد الشرعية، وفقا للمصلحة المتوخاة منها، يستخلص المؤلف المقاصد الضرورية وهي الأمور التي لابدّ منها في تحقيق المصالح الدينية والدنيوية، بحيث إذا فقدت لم تجر شؤون العيش على استقامة· والمقاصد الحاجية التي لم تبلغ الحاجة فيها مبلغ الضرورة، حتى أنّ فقدانها لا يؤدي إلى اختلال نظام الحياة وتعطيل المنافع، إضافة إلى المقاصد التحسينية التي تقع موقع التزيين والتيسير للمزايا والمزائد· يتناول الكاتب في الفصل الأول من كتابه أثر الوعي المقاصدي في منهجية الإفتاء المعاصر، فيشير إلى دور رئيسي للإفتاء في عملية توضيح الدين وبيانه للناس، مما يحتم ضرورة توافر أهلية النظر والاجتهاد لمن أراد أن يخوض غمار النوازل والوقائع، ذلك ''أنّ المفتي مخبر من الله كالنبي، ومثله موقّع للشريعة على أفعال المكلفين''، كما يرى الإمام الشاطبي، ومن شأن هذا الرأي أن يوّصف أهمية مقام الفتوى والاجتهاد، وضرورة حمايته من عابث بواجباته أو مقصّر بحقوقه، أو متساهل بشروطه· كما يشير إلى توجهين سائدين في الساحة، وكلاهما لا يخلو من حدية معيقة للهدف الحقيقي من الإفتاء يحرص الأول على المبالغة في التشدد، فيما ينحو الثاني باتجاه التساهل، حيث تتسم المدرسة الأولى بالتعصب للمذهب والآراء، وبالتمسك بظاهر النصوص دون جوهرها، إضافة إلى الغلو في سد الذرائع، في حين تنحاز المدرسة الثانية إلى المصلحة ولو على حساب النصوص، كما تتبع الرخص والتلفيق بين المذاهب، وصولا إلى حد التحايل الفقهي على أوامر الشرع·
يبني الكاتب على ما سبق ليستنتج الضوابط التي يتعين على الإفتاء الالتزام بها حتى يمكنه الحفاظ على جوهر رسالته، وفي مقدمها ضرورة ممارسة الاعتدال المبتعد عن التشدد والتساهل· إضافة إلى أهمية توافر عنصري العلم والعدالة، وهما شرطان رئيسيان من شروط الإفتاء، وصولا إلى عاملي الدقة والتثبت من المسألة قبل الإفتاء فيها بالتسيير، وذلك تحقيقا لمطابقة مقصد الشارع مع حال المكلف·

فقه العمران

يخصص المؤلف الجزء الثاني من كتابه للحديث عن الوعي المقاصدي بفقه العمران الحضاري، وذلك لتبيان رصد التأثر الذي تعيشه الأمة الاسلامية بفعل تقاربها مع الأمم والثقافات العالمية الأخرى، خاصة أنّ بعض هذه الثقافات تمارس هيمنة فكرية واقتصادية واضحة جراء امتلاكها الكثير من وسائل التأثير، مما يحيل إلى ضرورة منح الفقه العمراني أهميته المستحقة، خاصة أنه لم يحظ بالإصغاء المعرفي الملائم لتأصيل مفاهيمه وأدواته، سواء على صعيد التصنيف التاريخي أو لجهة الإسقاط على الواقع اليومي المعاش·
يتجه المؤلف بعد ذلك إلى مقاربة الوعي المقاصدي بالتوازي مع أزمة التطرف الديني، فيؤكد على البعد الشرعي في الأمن الاجتماعي، حيث يمكن الاستدلال من موارد الشرعية الإسلامية أنّ المقصد العام من التشريع هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه، وهو الإنسان·

الجهاد ولكن··

يتوسع الباحث في تشريح الواقع الجهادي الحالي وفقا لمنطق الرؤية الشرعية، مشددا على أهمية الالتزام بخلفيته الدينية واعتباره مفهوما محدد الأهداف، تتمثّل استهدافاته بحماية الدين ونشره والدفاع عن دعاته ومبلّغيه، ومواجهة المعتدي والمحتل لأراضي الأمة، لكنّ ذلك كله مشروط بعدم خروج الفعل الجهادي عن جوهر مهمته، وحمايته من النزوات النفسية والمطامع الدنيوية، حتى لا يصير تنفيسا للغرور بالقوة·
يختص الفصل الرابع من الكتاب بدراسة أثر الوعي المقاصدي على بنية العقل المسلم الذي ألمت به علات شتى بفعل تداخل الوعي الغيبي مع الاجتهاد البشري، وتقاطع الشرعي مع المعرفي، مما أدى به إلى حالة من المراوحة الميدانية كبلت هذا العقل عن الإنجاز الحقيقي، بعد أن كان قد تفتّق في الماضي عن دور نهضوي وتغييري واضح التأثير في بنية المجتمع العربي·
في هذا السياق يرى الباحث دورا فعالا للمنهج المقاصدي في إحياء العقل العربي، وتنقيته من المفاسد، خاصة أنّ للعقلانية الإسلامية صلة واضحة بالفلسفة المعاصرة، وبتداعيات ما بعد الحداثة·

ظواهر خلافية

في الفصل الخامس والأخير من كتابه يتناول الكاتب بعض المظاهر الواقعية في المجتمعات الإسلامية، فيرصد ما يسميه بفقه الترفيه، حيث يطفو العديد من القضايا والإشكالات الفكرية على السطح العلمي والفكري، ويتناول بصورة خاصة بعض المناسبات الدينية مثل شهر رمضان والأعياد، عندما تقترن كل مناسبة بعملية اجترار الجدل والخلاف حول الصحة الشرعية للطقوس الشرعية الممارسة خلالها، داعيا للاحتكام إلى منهجية التفكير العلمي لحسم هذه الخلافات أو التخفيف من حدتها على الأقل·
المؤكد أنّ عمق الأزمة التي تناولها الكاتب يجعل من العسير على كتاب واحد، مهما أوتي صاحبه من العلم والجهد، أن ينهض بالحلول الملائمة لها، لكن ما لا يقل تأكيداً عن ذلك أن كتاب الوعي المقاصدي يأتي في لحظة تاريخية دقيقة، ليسلّط إضاءات مؤثرة على الواقع النفسي والاجتماعي السائد حاليا في العالم الإسلامي، موازنا بعناية واضحة بين الجذور التاريخية للأزمة وبين احتمالاتها المستقبلية·

بصمة نسوية ·· روايات شفوية عن الحياة العامة
بروفايل غير شخصي لـ 14 امرأة فلسطينية

سما حسن

يطرح المحرر من سجون الاحتلال الإسرائيلي بسام الكعبي الأستاذ المحاضر في جامعة بيرزيت أكبر جامعات فلسطين وأعرقها والباحث والأكاديمي والكاتب، هذا التساؤل في إطار تقديمه لكتاب جديد يحمل عنوان ''بصمة نسوية'': ''هل الذاكرة النسوية انتقائية بكل معنى الكلمة؟ كيف تعمل الآليات الذهنية عند الجنس البشري لتناول أحداث وشطب أخرى دون تردد؟ كيف تسرد الذاكرة تفاصيل التاريخ الشفوي والوقائع الشخصية متداخلة مع الأحداث العامة؟ وهل هناك فرق بين السرد الذكوري والأنثوي من زاوية انتقاء الأحداث؟ ولماذا تغيب المؤرخات عن تدوين كتب التاريخ·· ربما لأن صياغة حروفه ذكورية بامتياز؟!''·
ويضيف الكعبي: ''قد تعثر الأسئلة المطروحة على أجوبة نسبية في المنشورات العديدة التي رصدت الوقائع العامة ووثقتها عبر الروايات الشفوية للنساء، أو عبر السرد التاريخي من خلال مجموعة السيرّ الذاتية المحدودة للنساء، قياساً بالتدوين الخاص بالسيّر الذاتية للرجال· وقد يكون المجال مفتوحاً للمختصين والباحثين في هذا المجال الحيوي لإجراء أبحاث تتناول زوايا سرد الأحداث بين المرأة والرجل عبر مقارنات وقائع معينة ورصد طريقة روايتها''·
الإصدار الثالث في سلسلة ''رائدات من بلدي'' بتوقيع طاقم شؤون المرأة، وتحرير بسام الكعبي، رصد خطفاً السيرة الذاتية لأربع عشرة رائدة فلسطينية أشعلن الضوء على شواهد هامة في يومياتهن: زهيرة كمال، ربيحة ذياب، نهلة قورة، إصلاح جاد، آمال خريشة، سهام البرغوثي، مها مستكلم نصار، نادية أبو نحلة، ريناد زعرب، عطاف يوسف، أمل جمعة، عفاف زبدة، ايمان نزال ومريم إسماعيل·

نماذج

أشارت الكاتبة روز شوملي المدير العام لطاقم شؤون المرأة في سياق تمهيدها للكتاب: ''تم اختيارهن كنماذج مختلفة تجسد تطور المرأة الفلسطينية السياسي والاجتماعي والفكري خلال فترة حفلت بتغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية مختلفة، وبرزت فيها آليات لأشكال مختلفة للنضال ابتداء من المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ثم الانتفاضة والعمل التطوعي والوحدوي والجماهيري إلى العمل النسوي'' مؤكدة أن اختيار هذا العدد المحدود للناشطات: ''لا يعني أنهن الوحيدات اللواتي أحدثن فرقاً في الحياة العامة أو في التعبئة للفكر النسوي، ولكن لضيق المساحة آثرنا اقتصار العدد على نماذج قليلة تعطي فكرة كافية عن هذا التطور'' واختتمت تمهيدها بالتشديد على تجربة الطاقم باعتبارها: ''تشكل نموذجاً عملياً ممكناً لقبول الاختلاف، والعمل على القواسم المشتركة رغم الاختلافات·· وما أحوجنا في هذه المرحلة إلى مثل هذا النموذج من أجل التصدي للتهديد الرئيسي لوجود الشعب الفلسطيني بكافة فئاته''·
ويتساءل المحرر في تقديمه للكتاب: ''هل يتمكن ''بروفايل'' قصير القامة في عدد كلماته، التي تتجاوز قليلا الألفي كلمة، من سرد تجارب ثرية ومتنوعة وطويلة لأربع عشرة رائدة ؟ مؤكداً أن التجارب الغنية في مسيرتهن تحتاج لصفحات أكثر، لكن إطلالة خاطفة على وميض موثق خير من كثير مغمور في ثنايا الحياة الشخصية''·

رؤية

ومن خلال دراسة الكتاب نجد ميزة السرد الصحفي في إطار ''البروفايل'' باعتباره لوناً متميزاً في الصحافة المكتوبة، اسهامه الخلاق في توثيق سريع للتجربة الخاصة عبر السيرة الذاتية متداخلة مع الوقائع العامة، وربما يفيد ذلك بتوفير رؤية تاريخية تغني الحاضر وتضيء القادم·· الكثير من التجارب تستحق إنتاجها بصيغة أكثر إبداعاً في تناول التفاصيل، التي غابت قسراً في ''بصمة نسوية'' لضيق المساحة للتجربة المنفردة، لكن الفرصة لم تزل قائمة لمزيد من الحفر العميق في تاريخ هذه الشخصيات النسوية للعثور على كنز التجربة ومستوى غناها·

في القراءة الخاطفة لمسيرة الرائدات ضمن سياق الكتاب يتوقف المرء عند الكثير من المحطات التاريخية الهامة لكل شخصية منفردة، بدءاً من الطفولة ومرحلة الدراسة على تنوع مستوياتها والنشاط الطوعي والمجتمعي مرورا بالكفاح الوطني التحرري ومتابعة تعزيز الحركة النسوية الفلسطينية· جاءت الروايات الشفوية سرداً وفق رؤية الراوية وزاوية نظرتها للأحداث·· هل وصلت الروايات محطة الهامش الانتقائي؟ في القراءة الجادة المدققة ربما نعثر على جواب مقنع للسؤال، ولعلنا نعثر أيضاً بين صفحات الكتاب على القيمة الحقيقة للرواية الشفوية، عبر نقلها من يوميات التاريخ المطوي في المحفظة الشخصية إلى التوثيق ثم نشرها على الملأ، وحقيقة يشكل المجموع الهائل للروايات الشفوية الشخصية للأفراد الاعتباريين، في الصيغة النهائية للتوثيق، شاهداً حياً على أحداث باتت تركض سريعاً نحو دائرة الرماد ، لولا جمر الرواية الشفوية بالحفاظ على نبضها· هل يتمكن ''بروفايل'' قصير القامة في عدد كلماته من سرد تجارب ثرية ومتنوعة وطويلة لأربع عشرة رائدة فلسطينية؟ في القراءة الخاطفة لجانب من السيرة الذاتية التي تمر برقاً على ورق هذا الكتاب نعثر على نصف الإجابة للسؤال·

تجارب

أعتقد أن التجارب الغنية في مسيرة ''رائدات من بلدي'' بمستواه الثالث تحتاج لصفحات أكثر للتوقف عند دورهن المجتمعي الفاعل، لكن إطلالة خاطفة على وميض موثق خير من كثير مغمور في ثنايا الحياة الشخصية، وقد غابت كثير من النساء في تاريخنا الحديث دون توثيق لتجاربهن الخاصة، في حين أن التجارب الحقيقية لآلاف النساء التي يمكن انتزاعها الآن قبل فوات الأوان تنتظر التوثيق·

ميزة هذا السرد الصحفي، في إطار ''البروفايل'' باعتباره لوناً متميزاً للكتابة الصحفية، الإسهام في توثيق سريع للتجربة خدمة للأجيال المقبلة لعلها تفيدها أثناء قيادتها للحركة المجتمعية على اختلاف تنوعها بتوفير رؤية تاريخية تضيء الحاضر وتغني القائم· أعترف أن الكثير من التجارب تستحق إنتاجها بصيغة أكثر إبداعاً في تناول التفاصيل التي غابت قسراً لضيق المساحة للتجربة المنفردة، لكن الفرصة لم تزل قائمة لمزيد من الحفر العميق في تاريخ هذه الشخصيات النسوية للعثور على كنز التجربة ومستوى غناها·