الاتحاد

دنيا

الهرمودي: غربتي بدأت بحادث المطار وانتهت بتحقيق الذات

الهرمودي خلال جولة استطلاعية في مدريد

الهرمودي خلال جولة استطلاعية في مدريد

الاغتراب ظاهرة بشرية قديمة، عرفها الإنسان منذ مئات السنين سعياً وراء الرزق، أو هرباً من مشاكل وقلاقل اجتماعية معينة، وقد يكون ذلك بغرض تغيير نمط عيش الإنسان، بمعنى انتقاله من بيئته الأصلية إلى بيئة أخرى مغايرة، ولكنه يشعر أنها أكثر ملاءمة له ولتفكيره من البيئة التي نشأ فيها، شأن الكثير من المفكرين الذين هاجروا من بلدانهم الأصلية إلى بلدن أكثر رحابة وقدرة على قبول التعددية الفكرية، وتساعدهم على طرح ما لديهم من رؤى واتجاهات، دونما وجود أي معوقات اجتماعية أو سلطوية، لما يبدونه من آراء وأفكار·
ومع ذلك هناك غربة من نوع آخر، وهي الغربة غير الدائمة، والتي يكون فيها الفرد على اتصال جسدي وروحي بوطنه، وذلك بالزيارات المتكررة للوطن والاهتمام بكل ما يدور فيه، والإسهام في خدمة الوطن·
ومن المغتربين الذين يعملون لخدمة وطنهم بشكل مباشر التقينا بالسيد فهد الهرمودي، الذي حدثنا عن تجربته في الاغتراب بالعديد من البلدان الأوروبية، قائلاً إن علاقته بالغربة بدأت منذ حوالي عشر سنوات، بعد حصوله على الثانوية العامة، حيث توجه إلى الولايات المتحدة الأميركية لاستكمال دراسته هناك، فالتحق بجامعة '' لويس آند كلارك'' في مدينة سياتل الموجودة على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، وكان ذلك في سبتمبر ،1980 وهنا يقول الهرمودي: أتذكر أن بداية رحلتي كانت مع الدموع حيث شهد اليوم الأول لوصولي حادثة غريبة، تمثلت في فقداني لجواز سفري عند اتمام اجراءات السفر في مطار واشنطن، الذي هبطت إليه أولاً كي أنتقل إلى طائرة أخرى متجهة إلى سياتل، و التي تبعد عن واشنطن قرابة 6 ساعات بالطائرة·
عند اكتشافي لضياع جواز السفر، توجهت إلى مكتب الأمن وأنا في حالة خوف، وأبلغتهم بذلك، وبدأوا في البحث عنه، ولم يجدوه، فبدأت أزرف الدموع خوفاً مما قد يحدث، وطلب مسؤلو المطار من زملائي الذين ابتعثوا معي على ذات الطائرة أن يرحلوا هم، وأظل أنا موجوداً حتى يتم العثور على الجواز، ولكنهم رفضوا جميعاً وأصروا على وقوفهم بجواري إلى أن يتم إيجاد جواز سفري، وبالفعل لم تمض ساعات قلائل حتى اكتشفت نسياني له في منطقة وزن المتاع بالمطار، وعندما عدت إلى ذات المنطقة هناك وجدت رجل الأمن ممسكاً به وأعطاني أياه، هنا شعرت أني قد ولدت من جديد، وبدأت في استكمال إجراءات السفر إلى سياتل، وحمدت الله كثيراً على مرور هذا الموقف بسلام·
أيضاً في أول يوم للذهاب إلى الجامعة كنت سأبكي، حيث ضللت الطريق إليها، ولم تكن لغتي الإنجليزية قوية بالقدر الذي يساعدني على فهم أو سؤال الآخرين عن مكان الجامعة، وحاولت سؤال الكثيرين، إلى أن أكرمني الله بسيدة أميركية، قالت لي إن الجامعة بالقرب منك، وأشارت إليها·
ومن ثم بدأت رحلتي الحقيقية مع الاغتراب، حيث بقيت في سياتل نحو أربعة أعوام، بدأت خلالها دراسة اللغة الانجليزية نحو عام وثمانية أشهر، ثم درست إدارة الأعمال، والاقتصاد الدولي، إلى أن حصلت على دبلومة عامة عام ·2003
ويحدثنا الهرمودي عن تباين مشاعره تجاه المجتمع الأميركي، قبل تجربة الغربة وبعدها، فيقول: قبل سفري لم يكن لدي فكرة جيدة وواقعية عن المجتمع الأميركي، لأن رؤيتي له كانت مثل الكثيرين غيري من خلال المسلسلات والأفلام الأميركية المليئة بالعنف والإثارة، ولكن ما وجدته هناك العكس من ذلك تماما، حيث رأيت مجتمعا مسالما لأقصى درجة، وهناك عشت مع عائلة أميركية حوالي سنة وسبعة أشهر، وكنت بمثابة الابن لهم، ووجودي معهم ساعدني كثيراً على التأقلم مع الغربة بسرعة، فوجودي مع عائلة أزاح عن كاهلي كثيرا من الأعباء الحياتية التقليدية، ومع ذلك كان هناك من المسؤوليات والأعمال ما يتحتم عليّ القيام به بنفسي، ولا أنكر أنني قد واجهت بعض الصعوبات في بداية الأمر، إلا أنه بمرور الوقت سارت الحياة بشكل طبيعي، وأصبحت أمارس شؤون حياتي بسهولة ويسر·
وفي سياق الحديث عن المجتمع الأميركي· أود أن أوضح، أن به الكثير من المزايا التي قد لا تظهرها وسائل الإعلام، مثل البشاشة وحسن معاملة الضيف، وهناك سيدة أميركية مسنة كانت تبيع الجرائد على دراجة، ولم تكن تكف عن الابتسام برغم تقدمها في العمر، مع أنه لم تكن بيني وبينها أي علاقة جوار أو عمل، ولا أنكر أنني قد تعلمت منها، أن أبادر بالابتسام كلما رأيت أحدا، وهذا السلوك من صميم ديننا الإسلامي، ولكننا كثيراً ما نغفل عنه، وكفى بنا حديث الرسول الكريم ''صلى الله عليه وسلم'' ''تبسمك في وجه أخيك صدقة''·
وعن انتقالي من مجتمع محافظ جداً إلى مجتمع منفتح مثل المجتمع الأميركي، أعتقد أن الأنشطة التي كنا نقوم بها كطلبة إماراتيين في بيت طلبة الإمارات هناك وتجمعنا الدائم به، كانت تمثل الصخرة التي نتكئ عليها وتجعلنا نرتبط بوطننا وما به من قيم وعادات وأخلاقيات لابد وأن نلتزم بها، لأننا عندما اغتربنا بغرض الدراسة والعلم، أخذنا الوطن في قلوبنا، ولم ننسلخ عنه يوما ما، فضلاً عن وجود العديد من أفراد أسرتي الذين يعيشون في الولايات المتحدة، ووجود الرفقة الجيدة· وهذه العوامل مجتمعة ساعدتني أنا وكثيرا من زملائي على أن لا ننجرف وراء المغريات الكثيرة الموجودة هناك·
وبالنسبة لوجودي بعيداً عن أهلي في المناسبات والأعياد الإسلامية، فلا أنكر أنها كانت أيام مؤلمة وقاسية، وتجعل الفرد يستشعر مرارة الغربة، حيث كنت أذكر الأيام الجميلة التي كنا نجتمع فيها في بيت العائلة في أبوظبي، ولكن في النهاية كنت أدرك أنني في مهمة، ولابد من أن أنتهي منها على أكمل وجه وهو ما يتطلب بعض التضحيات·
المحطة الثانية في غربتي كانت في إنجلترا حيث ذهبت لاستكمال دراستي، وكان ذلك عام ،2003 وهناك شعرت بتشابه كبير مع مجتمع أبوظبي، نظراً لوجود خليط من جنسيات عدة، وإن كان أغلبها من العرب، وهناك كثير من المطاعم والمحلات العربية، وبصفة عامة نمط العيش هناك يكاد يوازي تماماً نمط العيش في أبوظبي·
وفي بريطانيا كانت المرة الأولى التي أعيش فيها بمفري في سكن مستقل، وهي تجربة مختلفة عن تجربة الحياة مع آخرين من غير أفراد أسرتك في نفس السكن، وبالنسبة لدراستي، كانت أكثر صعوبة مما كانت في أميركا، وكنت أنتظر نهاية الأسبوع بفارغ الصبر، حتى ألتقى وأصدقائي الإماراتيين كي أنسى المجهود والتعب الذي قمت به طوال الأسبوع·

وأنهيت دراستي في لندن عام 2005 بحصولي على شهادة بكالوريوس الاقتصاد الدولي، بعدها التحقت بالعمل في مكتب تابع لإحدى كبريات شركات البترول العاملة في الامارات، في وظيفة مهندس إدارة عقود ومشتريات، وكانت بيئة العمل هناك أكثر من رائعة، حيث هناك احترام تام بين الجميع ومساواة كاملة في الحقوق والواجبات بين جميع العاملين، وكان المعيار الحقيقي للتمايز هو الكفاءة وبذل الجهد·
ومكثت في بريطانيا عامين، ذهبت بعدها إلى كل من بلجيكا وهولندا لشهور قلائل في مهام خاصة بالعمل·
ثم كانت محطتي الأخيرة والاستقرار في مدريد بإسبانيا عام ،2007 ''وهنا علت البسمة وجه فهد وهو يتذكر'' واستطرد قائلاً: مدريد هي عشقي الأول وفي رأيي الشخصي تعتبر من أجمل مدن العالم، وبرغم صعوبة التواصل مع الإسبان لأنهم لا يعرفون الانجليزية، وانا لا أعرف الاسبانية، ولكن شيئاً فشيئاً بدأت أتعلم أساسيات اللغة التي احتاجها في حياتي اليومية، وبالنسبة لمدريد فأنا أعرف كل شوارعها ودروبها، وأشهر أماكنها السياحية، وهناك روح عربية تطغى على إسبانيا، لأن وجود المسلمين لا يزال حاضراً وبقوة من خلال الآثار الإسلامية المنتشرة في عديد من المدن الإسبانية، مثل طليطلة وإشبيلية، حيث تنتشر المساجد بزخارفها الجميلة الشاهدة على عصور الأجداد هناك أيام الحكم الإسلامي في بلاد الأندلسوبالنسبة للتجارب والإغراءات العاطفية التي قد يتعرض لها الشباب في بلاد منفتحة بشكل كبير مثل إسبانيا، أو انجلترا، أو أميركا، قال الهرمودي: قد يتعرض كثير من الشباب إلى هذه المواقف، بسبب الانبهار الذي يحدث نتيجة مشاهدة الأفلام السينمائية والصورة التي أخذناها عن الغرب، ولكن تبقى كلمة الفصل دائماً للموروث القيمي الموجود لدى الفرد ومدى تمسكه بالأخلاق التي تربى عليها، وفي النهاية يجب على الشاب أن يدرك أن مثل هذه القصص العاطفية التي قد تنشأ في تلك البيئات، مصيرها الفشل

اقرأ أيضا