دينا محمود (لندن)

في ظل تصاعد الأزمة القائمة بين الولايات المتحدة وتركيا، على خلفية إصرار النظام الحاكم في أنقرة على المضي قدماً على طريق شراء صواريخ «إس 400» المتطورة للدفاع الجوي من روسيا، أرجعت شبكة «دويتشه فيله» الألمانية تشبث نظام رجب طيب أردوغان بتلك الصفقة المثيرة للجدل، إلى طبيعة شخصية الرئيس التركي نفسه، إلى حدٍ يجعله يجازف بتحالفٍ استمر عقوداً طويلة بين بلاده والغرب، من أجل إتمام هذه الصفقة.
ووصفت الشبكة توجه أردوغان في هذا الشأن بـ«الخطير للغاية»، خاصة أنه «لا ينطوي على أي احترامٍ لحلف شمال الأطلسي» أو لمصالحه الأمنية، التي سيشكل نشر صواريخ روسيةٍ على الأراضي التركية، تهديداً غير محسوب العواقب لها.
وفي مقالٍ تحليليٍ نشرته على موقعها الإلكتروني للمحلل السياسي المخضرم بيتر شتورم، اعتبرت الشبكة أن الموقف التركي الراهن حيال صفقة الـ«إس 400»، يمثل استهانةً بالقواعد الأساسية لأي تحالفٍ دوليٍ، «في ضوء أن التحالف في جوهره يعني تضافر جهود عدة دول من أجل تحقيق مصلحةٍ مشتركة، أو صد خطرٍ حقيقي يهددها، أو على الأقل بهدف الاستعداد للدفاع عن نفسها في مواجهة أي مخاطر محتملة»، وهو ما لا يكترث به أردوغان ونظامه في الوقت الحاضر على الإطلاق.
وشدد شتورم على أن النهج الذي يمضي عليه النظام التركي فيما يتعلق بتشبثه بنشر صواريخ روسية في أراضي بلاده «يشكك على نحوٍ متزايد في دور (وأهمية) تحالفاتٍ» مثل ذاك القائم بين الدول الأعضاء في «الناتو»، منذ تأسيس الحلف عام 1949. وأرجع الرجل الأزمة الراهنة إلى ما وصفه بـ«غرورٍ» يهيمن على أردوغان، منذ فشل محاولة الانقلاب التي استهدفت إطاحة نظامه منتصف عام 2016، والتي أعقبتها حملة قمعٍ وعصفٍ هائلة وواسعة النطاق شملت كل خصوم هذا الرجل ومعارضيه، حتى السلميين منهم، ما أدى في نهاية المطاف إلى اعتقال وفصل عشرات الآلاف من الأشخاص، وإسكات أصوات وسائل الإعلام التركية المعارضة لسياسات النظام الحالي.
وقال شتورم في مقاله: إنه منذ وقوع المحاولة الانقلابية الفاشلة حذف أردوغان «الذي يرى نفسه دائماً الرجل القوي في تركيا، مصطلح حلول وسط من قاموسه»، وعكف على اعتبار أن «مصالحه الشخصية هي ذاتها مصالح الدولة التركية».
وأضاف أن من بين العوامل الأخرى التي تقف وراء التصعيد الراهن بين واشنطن وأنقرة، استعداد أردوغان لمناطحة الولايات المتحدة بأي شكلٍ من الأشكال لحملها على تسليمه رجل الدين المنفي فتح الله جولن، الذي يتهمه بالوقوف وراء انقلاب 2016 الفاشل، حتى لو كان ثمن ذلك «أن يطعن نفسه في رقبته»، كما يحدث حالياً بمجازفته بخسارة التحالف التركي طويل الأمد مع أميركا.
واعتبر الكاتب أن الرئيس التركي - ولأسبابٍ شخصيةٍ مثل هذه - لم يعد مهتماً «سوى بجر بلاده وراءه في طريقه الخاص، دون اكتراث بأن عضوية تركيا في الناتو تصب في الأساس في مصلحتها هي»، قائلاً إن أردوغان وجد - لمبرراتٍ مفهومةٍ - دعماً في هذا الشأن من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، «الذي لا يعبأ بدوره بالمصالح التركية، وإنما يسعى لاغتنام أي فرصةٍ سانحةٍ لإضعاف حلف شمال الأطلسي».
وأشار شتورم، في هذا السياق، إلى أن بيع بوتين منظومته الصاروخية الدفاعية المتطورة إلى تركيا «لن يؤدي فقط إلى تأجيج التوتر في أوساط التحالف الغربي، بل سيُمَكِن روسيا كذلك من الحصول على معلوماتٍ شديدة الأهمية بخصوص الناتو»، نظراً لأن الصواريخ الروسية سُتنشر في هذه الحالة غير بعيدة عن قاعدة «إنجرليك» التركية، التي تضطلع بدورٍ رئيسيٍ للغاية، في عمليات الحلف في منطقة الشرق الأوسط ووسط أوروبا كذلك.
وسخر شتورم من مزاعم أردوغان وكبار مسؤولي نظامه بأن شراء الـ«إس 400»، لا ينطوي على أي مساس بأمن «الناتو»، قائلاً إن ذلك يعبر «إما عن سذاجةٍ لا تُغتفر، أو يمثل كذباً صريحاً لا مواربة فيه».
وقال المحلل المرموق: إن المشكلة تكمن في أن محاولات حلف الأطلسي إثناء الرئيس التركي عن موقفه الراهن، عبر إجراء محادثاتٍ معه لبحث بدائل شرائه الصواريخ الروسية، قد يؤدي في الوقت نفسه إلى «إذكاء إحساسه بالغرور»، مُشدداً على أن الوقت الآن لم يعد سانحاً لمزيد من النقاشات المنطقية والمفاوضات، فـ «إذا قال (أردوغان) لا للأميركيين، ومن ثم تم إتمام الصفقة بينه وبين بوتين، ستفرض واشنطن حتماً عقوباتٍ جديدةٍ على أنقرة، وهو أمرٌ سيشعر به الأتراك جميعاً».
ويشير شتورم في هذا الصدد إلى التَبِعات الكارثية المتوقعة لأي عقوبات أميركيةٍ جديدةٍ على تركيا، في ضوء تردي الوضع الاقتصادي فيها، بفعل انهيار قيمة العملة المحلية وتفاقم معدلات البطالة والتضخم، علاوة على تصاعد حالة عدم اليقين السياسي، سواء على الساحة الداخلية جراء أزمة الانتخابات البلدية، أو خارجياً بسبب التوترات الشديدة المتصاعدة حالياً مع القوى الرئيسية في الغرب، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.