الخميس 8 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

«إيواء» ضحايا الاتجار بالبشر.. نموذج عالمي في الإمارات

«إيواء» ضحايا الاتجار بالبشر.. نموذج عالمي في الإمارات
15 يونيو 2017 05:27
لكبيرة التونسي (أبوظبي) أجواء روحانية تسدل على القلب الطمأنينة والأمان، ذكر وتجلٍ وصلاة، هكذا يعيش هذه الأيام المباركة فتيات يانعات بطشت بهن يد تجار الغدر والدم بمراكز إيواء ضحايا الاتجار بالبشر في أبوظبي، حيث يجدن الأيادي الحانية والقلوب الرحيمة لتصل بهن إلى الأمان، من خلال تنظيم إفطار جماعي، ومسابقات في حفظ القرآن، وتخصيص وقت وفير للذكر وقراءة القرآن والصلاة، ما يساعدهن على نسيان مشاكلهن، ويدمجهن في أجواء يشملها الحب والرحمة. وبما أن أجواء رمضان تثير شجون الغربة والحنين إلى الأهل، وبعض الأطعمة التقليدية المشهورة في بلدانهن خلال الشهر الكريم، فإنه يتم توفير جميع المستلزمات لتحقيق جانب كبير من الأطعمة التي يتشارك في إعدادها الفتيات، وهذا ما تأكد من خلال زيارة البيت الكبير الذي يحتضن هؤلاء بكل حب وود، حيث ينعمن بالأمن والأمان إلى حين تسوية أوضاعهن وترحيلهن إلى بلدانهن في سلام، وسيظلن لا محالة يحتفظن بذكرى رمضانية استثنائية عايشنها في الإمارات. الصغيرة اليتيمة فتاة صغيرة بملامح بريئة، تجمع حولها الدمى، تحدث هذه وتحمل الأخرى مربتة على ظهرها في حنان واضح، بهدوء بالغ وابتسامة تحدث من حولها، ظاهرها طفلة لم تمسسها يد ملوثة، لكن داخلها يعتصر ألماً، فهي الصغيرة اليتيمة التي وقعت في شباك مجرمي الاتجار بالبشر، وهي إحدى نزيلات مراكز «إيواء» ضحايا الاتجار بالبشر في أبوظبي الذي فتح أبوابه لـ «الاتحاد»، لتقضي وقتاً رمضانياً مع نزيلاته اللواتي يحاولن التعافي من جروح نفسية غائرة بمساعدة متخصصين، والوقوف على العديد من الإنجازات التي حققتها مراكز إيواء محلياً ودولياً، حيث أصبحت نموذجاً متفرداً يحتذى به في هذا المجال على الصعيد الدولي. قصص الضحايا طفلة يتيمة تروي قصتها المؤلمة مع اليتم والفقر، حيث تظهر قبح جرائم المتاجرين بالبشر الذين يغلفون بشاعة مشاعرهم بالحب والحنان، للتلاعب بضحاياهم بوعود كاذبة قبل النيل منهن والمتاجرة بهن في مهن غير أخلاقية، إنها «خ - ب»، 14 سنة، التي كانت سعيدة بتعليمها الصلاة وحفظ أجزاء من القرآن، مؤكدة أنها تشعر بالطمأنينة كلما قامت بذلك، تكفلت جدتها برعايتها بعد وفاة والديها، تظاهرت سيدة، وهي أم لطفلين من جنسيتها نفسها بالرأفة لحالها، واقترحت على الجدة أن تتبنى الطفلة وتأتي بها إلى الإمارات، إلا أنها بدأت باستغلالها منذ وصولها إلى الدولة، حيث كانت تأخذها للمتاجرة بها، وبعد مرور مدة طويلة من ممارسة هذه الأفعال المشينة عليها، قررت الطفلة الهرب بمساعدة طفلة أخرى استقدمتها الجانية لرعاية أولادها، هربت واستنجدت بأسرة وأبلغت الشرطة لتصل إلى بر الأمان بمراكز «إيواء» ضحايا الاتجار بالبشر في أبوظبي التي تقضي فيه إلى اليوم 8 شهور. وتقول «خ - ب»، منحنية الرأس، إنها أصبحت تشعر بالأمان، وتمارس ما تحبه من رسم ولعب، مؤكدة أنها تحب هذا البيت الكبير وجميع من فيه لأنهم يعاملونها بحب وحنان ولا يذكرونها بقصتها المؤلمة. استغلال وقهر ولا تختلف حكاية «ك - أ»، ذات الـ 20 ربيعاً عن غيرها من نزيلات مراكز إيواء، فكلهن يتقاسمن الألم ذاته، كما يتشاركن في انتصارهن على تجار هذه الجريمة بمساعدة مراكز إيواء ضحايا الاتجار بالبشر التي وفرت الأمان والحب والسكينة والبرامج النفسية والاجتماعية، حيث تقول «ك - أ»، إنها تشعر بالأمان حالياً داخل المراكز، وإن أجواء رمضان تساعدها على نسيان مشكلتها. وعن قصتها قالت: إن حاجتها للعمل جعلت أحدهم يقوم بجميع الإجراءات الإدارية، واستخراج وثيقة السفر ودفع تذكرة الطائرة، بحجة أنها ستعمل في الإمارات، استقبلتها سيدة من جنسيتها، لتجد نفسها في براثن أنياب بشرية، فكرهت نفسها وشعرت بالعار والمهانة، مؤكدة أنها كانت تضربها ضرباً مبرحاً في حال رفضها لهذا العمل، وتوضح أنها لم تكن راضية عمّا يجري لها، وتتحين الفرصة للهروب، حتى استغلت خروجها، وهربت متوجهة إلى أحد دور العبادة، فأشفقت سيدة على بكائها، فأخبرتها بقصتها واتصلت بالشرطة، لافتة إلى أنها وجدت السكينة والراحة بمراكز إيواء التي استرجعت لها ثقتها بنفسها وعاملتها معاملة جيدة وجعلتها تنخرط في العديد من البرامج والورش، وعلمتها الكثير من الحرف، وهي الآن تشعر أنها في بيتها، لكن تريد الرجوع لأهلها، وتستكمل دراستها لتصبح محامية تدافع عن المظلومين وترفع القهر عن المقهورين. تغرير صديقة «ن - ز»، سيدة متزوجة تعيش مع زوجها، فكرت في شراء صالون تجميل، فعرفتها صديقتها على سيدة من جنسية آسيوية، لتتفاجأ بهذه الأخيرة تستدرجها إلى أعمال غير أخلاقية، وكانت الضحية تبكي وتستنجد معلنة رفضها القاطع لهذا الفعل المشين، ولأنها احتفظت بالموبيل من دون أن تنتبه التاجرة، اتصلت بزوجها وأخبرته بالأمر وطلبت منه إبلاغ الشرطة وتمت مداهمة المكان، وإلحاقهن بعد ذلك بمراكز إيواء ضحايا الاتجار بالبشر، حيث بدأت حياة جديدة بعد أن تخلصت من القلق والغضب الشديد، وخضعت للعديد من الجلسات العلاجية لتخليصها من الخوف والحزن، وتعلمت الكثير من المهارات، واستفادت من ورش فنية وتعليمية، وهي الآن في انتظار الإجراءات الإدارية والتحاقها بزوجها. رواق فني الداخل إلى مراكز «إيواء» لضحايا الاتجار بالبشر، يشعر أنه يلج رواقاً فنياً، فاللوحات التشكيلية تزين جدران المبنى الجميل، تطريزات رصت لتشكل جدارية كبيرة، ماكينات خياطة، آلات موسيقية، ومطبخ فسيح مجهز بكل الاحتياجات والأغراض، تدخل إليه النزيلات وهن يتبارين في طهي أفضل مأكولات بلدانهن، كل الظروف مناسبة للعيش في بيئة سليمة، وقضاء يوم رمضاني تحت إشراف خبيرات متمرسات على التعامل مع هذه الفئة، حيث تقول عزة الظاهري، اختصاصية نفسية إنه تتم استضافة هؤلاء النزيلات في فلل توحي بالحميمية، وتشعرهن بالأمان، بحيث تحرص المراكز على توفير جميع عناصر الراحة، ومن الطرق العلاجية التي ننتهجها تمارين الاسترخاء، والموسيقى، والتفريغ الانفعالي، والرحلات، والعمل بطرق مختلفة عبر خطة مدروسة لاستعادة الثقة بأنفسهن، ونحاول التقرب منهن. وأشارت إلى أن دورها كاختصاصية أن تخلصها من الشعور بالذنب، حيث إنها ضحية وليست مشاركة في الفعل نفسه، وتتم المحاولة تدريجياً لإخراجها من الحالة النفسية التي تعيشها. وأضافت: «كما نحاول أن نخلق جواً منسجماً داخل المركز، ونحافظ على البيئة سليمة، ونحسن وضعهن النفسي ونساعدهن على النسيان، بحيث لا نتحدث معهن عند استقبالهن عن الماضي وعما جرى، ونشعرهن بالأمان والاحتضان». الجانب الاجتماعي ويتعامل الاختصاصيون بطريقة احترافية مع ضحايا الاتجار بالبشر منذ القدوم إلى المركز حتى المغادرة، حيث يتم التعامل معهن بأمومة، في محاولة تمكينهن من مهارات ومعالجتهن لمسح ذكرياتهم الأليمة. وفي هذا الصدد، تقول شيماء الزعابي اختصاصية اجتماعية: «تمت دراسة حالتهن الاجتماعية، وكذلك تسهيل تواصلهن مع الأهل، وتوفير مبالغ مالية في حال الحاجة لذلك لإرسالها إلى الأهل مراعاة لظروفهن خلال وجودهن بالمركز، بالإضافة إلى ما الأموال التي تأتي من مبيعات اللوحات الفنية أو الأشغال اليدوية، حيث نوفر لهن مبالغ يأخذنها معهن عند مغادرتهن للمركز متجهات إلى أوطانهن»، مشيرة إلى أن الرحلات الخارجية تركز على الأماكن الهادئة الخارجية، مثل الشواطئ، والحدائق العامة الهادئة، والأنشطة الداخلية المتمثلة في الرياضة وتعليم اللغة العربية والإنجليزية والقرآن الكريم، والرسم والخياطة والتطريز، وتنسيق الزهور، بالإضافة لمرافقتهن إلى مركز خارجي لتعليم الأعمال الفنية، بجانب الإفطار الجماعي وجوائز حفظ القرآن، والدروس الدينية والمسابقات الترفيهية، والتدبير المنزلي. تجربة نموذجية وتعتبر التجربة الإماراتية في مجال محاربة الاتجار بالبشر تجربة رائدة ونموذجية على مستوى العالم من حيث التنظيم والبرامج المستفاد منها ومحاولة إيجاد بلدان بديلة للضحايا، اللاتي تعاني أوطانهن الحروب والقلاقل والاضطرابات، إذ تصنف مؤسسات دولية دولة الإمارات في طليعة الدول الفاعلة التي تعمل بحزم على محاربة جرائم الاتجار بالبشر في العالم، وأكدت هذه المؤسسات العالمية أن ما تحقق من مبادرات إماراتية على صعيد مكافحة الاتجار بالبشر، وضع جهود الإمارات في موقع ريادي ضمن الجهود العالمية، وهو مؤشر قوي على مدى حرص وتصميم قيادة البلاد الرشيدة على مكافحة هذه الآفة، وتوفير عوامل ومقومات النجاح اللازمة للقضاء على هذه الجرائم التي ترفضها القيم الإنسانية والأخلاقية. وقالت سارة شهيل، المدير العام لمراكز إيواء ضحايا الاتجار بالبشر، إن المراكز استقبلت 263 ضحية منذ افتتاحها، لافتة إلى أن المراكز لها الدور الكبير في التوعية بهذه المشكلة، مؤكدة أنه بعد مرور هذه السنوات، أصبحت هذه التجربة أكثر نضجاً، مؤكدة أن أجواء رمضان تضفي الراحة والسكينة على مشاعر الضحايا، وأن قراءة القرآن والصلاة والذكر تقوي عزيمتهن، وتساعدهن على التخلص من بعض الضغوط النفسية. وتضيف: «أصبح لدينا متطوعون بشكل فردي ومؤسسات بادرت للتعاون معنا، لديها صالات رياضية لتقديم تمارين للضحايا، سواء داخل المركز أو خارجه، وفي إطار برامجنا المبتكرة وفي إطار البحث عن فرص جديدة للضحايا، تستفيد كثيرات من برامج الطبخ والضيافة، وذلك بالتعاون مع بعض الفنادق، وكذلك ورش عمل فنية وتنسيق الزهور، وذلك سعياً منا لاكتساب المهارات المهنية والحصول على شهادات، كما أصبح لدينا شريحة كبيرة من الاختصاصيين النفسيين وطلاب من جامعة زايد تطوعوا وأجروا بحوثاً عن الحالات الإنسانية، ومنهم طالبة كانت متطوعة، ثم باحثة وستوظف قريباً بالمراكز». وأكدت أن الرسم يبقى من ضمن الأعمال والبرامج الأكثر تفريغاً للطاقة السلبية، حيث تأتي لوحاتهن مفعمة بالأحاسيس والمشاعر، وتصب فيها الشحنات السلبية، وتشكل لهن عالماً من الأمل والراحة، وتأتي اللوحات ناطقة وصارخة وتلامس تعابيرهن القلوب والأرواح، كما تستفيد أيضاً الضحايا من برامج الطبخ وتنسيق الزهور، ومهارات منها تغليف الهدايا، وغزل الصوف والكروشيه، بحيث تقدم لهن المراكز العديد من الورش الفنية، والكثيرات خولت لهن هذه الشهادات العمل في أماكن مختلفة عند عودتهن لبلدانهن، بحيث تحرص المراكز على إكساب نزيلاتها الحرف اليدوية والفنية. وحول فلسفة التعاطي مع النزيلات، أشارت سارة شهيل، إلى أنها تسعى إلى إعادة البسمة إلى شفاه ضحايا هذه الجرائم التي تستهدف الإنسان في عمقه، بإعادة بناء مقومات الحياة قبل انطلاقهن في المجتمع من جديد، كما تهتم بأن يصبحن قادرات على الاندماج وتطوير ذواتهن، بحيث يصلن إلى الأمان النفسي، كما تمكنهن المراكز من حرفة يقدرن من خلالها على تجاوز محنتهن، موضحة أن الهدف من تأسيس المراكز توفير الدعم العاجل وطويل المدى للضحايا، والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، وزيادة الوعي في المجتمع، وبناء كادر بشري فعال، موضحة أن هناك ضحايا أصبح لديهن وعي كبير بهذه القضية، وأصبحن ناشطات يقدن حملات مناهضة للاتجار بالبشر. وطن بديل أفرزت الظروف المضطربة، التي تعيشها مناطق من العالم، تعاملات جديدة مع ضحايا الاتجار بالبشر، اللاتي يعدن إلى بلدانهن بعد عملية التأهيل، واستخراج الأوراق، لكن نظراً لعدم الاستقرار الذي يشهده كثير من بلدان الضحايا، فإن إيجاد بلد بديل أصبح أمراً ملحاً بالنسبة لبعضهن. عن هذه الخطوة الجديدة، تقول سارة شهيل «هناك ضحايا لا يستطيعون العودة لبلدانهن، بسبب الحروب أو ما تعرضن له، أو الثورات والكوارث، لذا أصبحن يطلبن عودتهن لبلد بديل، وفي هذا الإطار تم التعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لإيجاد بلدان مستعدة لاستقبال، مثل هذه الحالات، وبعد استكمال الكثير من الإجراءات استفاد العديد من الضحايا من هذا الإجراء، حيث استفدن من الجنسية، والسكن والدراسة والعمل». وإيماناً بالعمل الإنساني الذي تقدمه المراكز اتجاه الضحايا، تظل المراكز مستمرة في تقديم الرعاية على أعلى مستوى من المعايير العالمية لهذه الفئة التي عانت أشد أنواع القهر والاستبداد على أيدي البشر، فعانوا قهراً وظلماً وإذلالاً.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©