الاتحاد

ثقافة

في وداع سيدة المنافي

وأنا عائد من بيروت بعد وداع سيدة الوداع والصمت، كنت أحاول أن اشغل روحي المسكونة بها بفكرة أخرى غير فكرة الموت، حدثت عيناي كل المسافرين المغادرين والقادمين، وقفت أمام بوابات للمغادرة ليست لرحلتي، أحضرت حواسي أمام محلات الحلوى لأتناسى مرارة الغياب، دسست جسدي بين رفوف مكتبة الموسيقى لأسمع موسيقى أخرى غير النشيج، كانت الصرامة تتسيد ملامح غالبية الوجوه، ربما من البرد، ربما من المجهول الذي ستخترقه الطائرات بعد قليل، ربما من المحطات التي تنتظر من لفظتهم بلادهم !! كانت العيون حائرة قلقة، باستثناء شابة تقف أمام مكتبة صغيرة للمجلات، التقطت مجلة العربي التي انقطعت عنها منذ زمن، اخترت مكاناً قصياً، قلبتها صفحة صفحة، انشغلت روحي قليلا وغابت قليلا سيدة الأحزان والتعب، لكنها أطلت كلحظة سماع نبأ رحيل من وضع الله الجنة تحت أقدامها، أطلت من خلال حوار منشور في المجلة مع دوريس لسنغ، وهي تشكو الشيخوخة وانتظار لحظة الموت·
- هل تفكرين بشأن الموت طوال الوقت؟
-نعم، الموت، لحظة أن تموت، أتساءل كم بقي لي من العمر؟ أتساءل قبل أن أبدأ كتابا جديدا، هل يستحق؟ هل سيكون لدي عمر لإنهائه؟
-هل هناك أي متع للشيخوخة؟
- غالبا ما يكون بلوغ الشيخوخة مملا، أكره تصلب العظام، كنت متغطرسة جسديا لسنوات، لا أحب الآن أن أتجول بصعوبة، لكن هناك رصانة مؤكدة تحل، تجرد مؤكد، تبدو الأشياء أقل أهمية للغاية عما كانت عليه من قبل، وتلك متعة· لم أكمل الحوار، كان الحديث الداخلي الذي تفجر أكبر من حوار دوريس لسنغ الفائزة بنوبل للآداب للعام ،2007 ففي لحظة ما، شعرت أنني حفار قبور، وفي لحظة أخرى شعرت بأنني أسير في جنازة لا تنتهي مع اختلاف الأشخاص الراحلين، وفي لحظة ما، ( استمرت هذه اللحظة حتى الآن)، بدت الأمور أقل أهمية عما تبدو عليه، تتوقف عن الجدل الحماسي، تتوقف عن الركض وراء الكسب، ترثي لحال أصحاب الأعصاب النارية، تتذكر الجشع الذي استشرى بين خلق الله، وتتأمل في لحظة الفقد الحاسمة، لحظة الحقيقة المطلقة، الناس كلهم ظلال تكتسي لحما وعظما، الناس ذكريات مؤلمة· استراحت سيدة المنافي واللجوء والألم، تخلصت من وجعها الدامي الذي تعجز عن حمله أجيال، لكن الحقيقة تقول بأننا استرحنا أيضا من رؤيتها تتألم، لندخل في نفق ألم آخر، يختلف عن آلام الجسد الذي سيعود إلى أصله حين تنعتق منه الروح وتنطلق حرة إلى خالقها·
نتغنى بحرية الروح بسعادة، ولا ندرك ماهيتها، لكننا نتذكر هذه الأسئلة: لماذا يثقل الجسد بعد تحرر الروح منه، كأنه ينزل في قعر محيط ؟، ولماذا تخف النعوش الحاملة للراحلين الأنقياء الأتقياء؟ ولماذا تعود وجوههم نضرة كأنهم في العشرينيات من العمر؟ قد نعرف الإجابة، لكننا نتناساها في غمرة ادعاء وهم الخلود !!

اقرأ أيضا

«الجبل الثقافي» بالفجيرة يحتفي بالإنسان والطبيعة