الاتحاد

دنيا

طقس غائم

لا أستغرب من ذاك الاحتفاء بالبطة المشوية وشوربتها وكأنها وليمة ''حوار'' عند بعض الشعوب الشرق آسيوية، ولا أتلذذ وأقتنع بشرب الشاي المغربي إلاّ من يد شمال أفريقية ماهرة تدخلك في أجواء وطقس شربه الجميلة، وإن كنت أمتلك كل أدوات تقديمه وإجادة صنعه حينما أشتهيه، ولكن تبقى خصوصية ومذاق الأطعمة والمشروبات عند شعوبها الأصليّة لها جوّ آخر ونكهة مختلفة تضمن لهم حق الامتياز فيها وبها بالتأكيد، إلى جانب الخصوصية في صنع الطعام هنالك طقوس تتراوح ما بين الغريب والمبالغ فيه قد يرجعها البعض إلى تقاليد مُغرقة في القِدم وما إن يُفكر أصحابها بالتخليّ عنها لربما سيفقدها رونقها وتميزها اللذين أشتهرت بهما تلك الشعوب، لذا لا أستطيع أن أ خفي إعجابي وانبهاري وتقديري للشعب الياباني وبطريقة تقديمه للشاي الأخضر، فتجدهم أكثر الشعوب احتراماً وتقديراً للنِعم وأولها الطعام وليس آخرها الذي بدوره يشعرنا بالحرج أمام ما نصنع ونجترح من مخالفات يومية يصعب حصرها وضبطها اتجاه معظم الأشياء! هذا إلى جانب الكثير والكثير مما لا يتسع الوقت لذكره ووصفه والتغزّل به مما يشتهر به ذلك الشعب الدقيق في هذه ''الشخبوطة'' الصباحية·
ذات يوم وفي أحد المطاعم الراقية التي تُقدم أصنافاً معيّنة والتي لن تستطيع أن تأكلها إلاّ في ذلك المطعم فقط، جلسنا مجموعة على طاولة، وبجوارنا كان يجلس أخ لطيف ولكن ليس من الوزن الخفيف بل من الوزن الثقيل، طلب كل شيء ''ضربة'' واحدة، المقبلات والطبق الرئيسي والحلوى ''وارتاح''! كانت هيئته تدل على ولعه وعشقه للأكل، فجسمه وحجمه بديَا كمصارعي السومو ولكن بوجه سمح طلق، المهم وصلت طلباته ونحن نهم بأول طقوس الــ''نقنقة''، الأخ وبكل أمانة ليس ممن يدّعي، كان واضحاً وصريحاً ومنظماً، فبدأ البداية المنطقية بصحن الشوربة، وبعد هذا الاستهلال الهادر الذي كان أشبه بصوت إقلاع لطائرة بوينج 777 ومن ثم انطلقت سيمفونية الهدم والبناء في ذلك المطعم، على الرغم من الأجواء الرومانطيقية والعزف المنفرد الجميل الذي كان يلف أروقة المكان، فلم نعد نسمع سوى خلاط ''الإسمنت والبحص'' القادم من جهته، فخُيِّل لنا أننا في موقع لمشروع بناء حضرنا صب الأساسات والخرسانة له·
حقيقةً، لو لم يكن هو ربما لتركنا المكان على الفور وإن كنا جائعين، ولكن خصوصية هذا الأخ الشره جعلتنا كمن يشاهد فيلماً كوميدياً قديماً بالأبيض والأسود، كان المشهد احتفالياً بوجبة تتضمن أصنافاً غالية على قلبه، لذا كانت طريقة تناوله للطعام مختلفة تسترعي انتباه الآخرين من حوله دون قصد أو فضول منهم، خروج البعض عن الذوق العام وفي مكان عام قد لا يعيرها البعض أي اهتمام، ولكنها قد تكون سبباً كافياً للانفصال ما بين أي ''عباس وشقية''، فلم أستغرب عندما أقدمت إحدى الصديقات على فسخ خطبتها بعد أن شاهدت خطيبها خلال شريط فيديو أطلعتها عليه أخته دون أن يدري، فكان الخطيب مع أصحابه في عزيمة أحد الأصحاب بمناسبة زواجه، فعلى الرغم من وسامته وحضوره الآسر إلا أنها لم تتقبل منظره وطريقة أكله في تلك العزيمة، لم أذكر من كلامها وتذمرها شيئاً غير تلك التعابير التي توحي بالقرف والاشمئزاز: ''إخْ ··إع·· وع·· كخ·· بخ·· إلخ··لااا·· ماااا، ''يا إلهي أريد معجزة من السماء ما هذا يا أليخاندرو''؟!··إلخ، هذه المنظومة المعطوبة! لم أستطع لومها ولا أحد يستطيع أن يلومها، فالبشر تراكيب كيميائية مختلفة وفسيولوجية وسايكولوجية متباينة وإن توحدت وتماثلت في الظاهر! ولهذا السبب طلبت تصوير ''عباس'' في فترة ما قبل الزواج أثناء تناوله الطعام، فتفاجأت بتلك المهارة التي يتمتع بها في كسر رأس الخروف الصغير ''البيبي'' بالشوكة والسكين واستخراج المخ بمنتهى الحرفنة وتقديمه لضيوفه، وعلى إثر ذلك أعلنت موافقتي على الارتباط به وبلا شروط!
؟ همسة: ''تغيير بعض من طباعنا وسلوكياتنا السيئة أمر يستحق التفكير وإن يكن لكسب ''ود'' الآخرين''·
فاطمه اللامي

اقرأ أيضا