الاتحاد

تقارير

الهند بعيداً عن باكستان··· الاقتصاد همها الأول

زيارة مانهومان سينج  إلى بكين حظيت بتغطية إعلامية فاقت أي موضع آخر

زيارة مانهومان سينج إلى بكين حظيت بتغطية إعلامية فاقت أي موضع آخر

الهند وباكستان، البلدان المتجاوران اللذان غالباً ما يبرز اسماهما في الوقت نفسه ونادراً ما يذكر أحدهما دون الآخر، بدأت علاقاتهما تشهد بعض التحول؛ فلعقود عديدة ارتبط البلدان ببعضهما بعضا في كل ما يتعلق بشؤون السياسة والحرب وجمع بينهما التنافس والتسابق، لكن المحللين السياسيين يرون اليوم أن الأزمة الحالية التي تكاد تعصف بباكستان تكشف عن انتقال استراتيجي في محور الاهتمام بالمنطقة من العلاقات الهندية الباكستانية التي طغت في السابق، إلى العلاقات الهندية الصينية المتصاعدة في الآونة الأخيرة·
وباعتبارها جارة باكستان النووية تحرص الهند على متابعة الاضطرابات السياسية على حدودها الشمالية وتراقب عن كثب تطور الأوضاع الأمنية في باكستان· ويدرك البلدان، كما المراقبون الأجانب، أن المستجدات الأخيرة التي تشهدها إسلام أباد وتململ الأوضاع السياسية المحتقنة في البلاد، تؤثر بشكل كبير على مباحثات السلام الجارية بين البلدين حول المناطق المتنازع عليها في كشمير، وتؤجج مخاوف السلطات الهندية من اتساع دائرة العنف واجتيازها للحدود·
ومع ذلك يشير المراقبون إلى أن الهند لم تعد متوجسة من الأزمة الحالية في باكستان كما كانت عليه في السنوات الماضية، فالهند التي ينمو اقتصادها بسرعة فائقة وتعتبر أكبر ديمقراطية في العالم، تنظر إلى نفسها كقوة عظمى ناشئة ينتظرها مستقبل واعد، ليتحول اهتمامها من باكستان إلى الصين التي تربطها بالهند علاقات تجارية ضخمة؛ وفي هذا السياق يقول ''سانشنـــام'' -خبير في شؤون الدفاع بنيودلهي-: ''إن الهند منشغلة بما يجري في باكستان، لكنها ليست قلقة بعدما ابتعد البلدان عن بعضهما بعضا، وأصبحا غير مرتبطين كما كانا في السابق''· ويضيف الخبير قائلا: ''هناك العديد من الأمور الأخرى التي تجري اليوم في الهند، إذ بعد تراجع العنف في كشمير أصبح التركيز الأهم للهند منصبا على الاقتصاد، لذا يمكن الحديث عن تغير حقيقي في ديناميكية العلاقات في المنطقة''·
ولا أدل على ذلك من الاهتمام الكبير الذي حظيت به زيارة رئيس الحكومة الهندية ''مانهومان سينج'' إلى بكين، مقابل التغطية الإعلامية الهزيلة للانتخابات الباكستانية، وبرغم أن سوق الأسهم الهندية تراجع قليلا بعد اغتيال رئيسة الوزراء ''بينظير بوتو'' في الشهر الماضي، كما توقفت خدمات القطار بين البلدين، إلا أنه سرعان ما عاود مؤشر سوق الأسهم صعوده، واستأنفت القطارات رحلاتها عبر الحدود؛ ويذكر أن العلاقات الهندية الباكستانية كانت شديدة التوتر في السنوات الماضية، حيث خاض البلدان ثلاث حروب مع بعضهما بعضا، كما أثار سباق التسلح بينهما مخاوف المجتمع الدولي في نهاية التسعينيات·
وفي العام 2001 وصلا مجدداً إلى حافة الحرب بعد هجوم استهدف مقر البرلمان الهندي، واتهم مقاتلون تابعين لباكستان بتنفيذه· ويرصد هذا التحول في الاهتمام الهندي الصحفي ''فير سانجفي'' في ''هندوستان تايمز'' قائلا: ''اليوم أصبح الأمر كله يتعلق بالصين، فبعد اغتيال ''بوتو'' لم تلجأ الهند إلى تعبئة قواتها، أو اتخاذ أية خطوات دراماتيكية، بل جاء رد الفعل هادئاً ومتزناً· ويبدو أن الهند تهتم بباكستان فقط في حالة حدوث هجوم إرهابي، أو إجراء مباراة في الكريكت، وهذه هي الحقيقة الجديدة في العلاقات بين البلدين''·
يبقى الاستثناء الوحيد الذي مازال يستأثر باهتمام البلدين والمراقبين الأجانب، هو الوضع في إقليم كشمير المتنازع عليه ذي الغالبية المسلمة، حيث مازالت مئات العائلات موزعة على جانبي خط وقف إطلاق النار، فضلا عن انتشار نصف مليون جندي هندي حول المدارس والأراضي الزراعية· وتوقع المراقبون أن يتوصل البلدان مطلع السنة الماضية إلى اتفاق لسحب قواتهما من الإقليم، لكن الأوضاع السياسية المضطربة في باكستان يقول ''غلام نابي أزاد''-الوزير الهندي المنتدب في إقليم كشمير-: لقد أثرت هذه الأوضاع على المباحثات الجارية بين البلدين وأدت إلى توقفها، لا سيما بعدما أعلنت باكستان حالة الطوارئ في الخريف الماضي''· ومع أن كشمير مازالت تحتل حيزاً كبيراً في اهتمامات الهند كما أكد ذلك رئيس الوزراء الهندي، إلا أنه دعا في الوقت نفسه إلى التركيز على الاقتصاد ومساعدة الفقراء الذين يشكلون 70 بالمائة من مجموع سكان الهند البالغ عددهم حوالي 1,2 مليار نسمة·
ومنذ انفصال باكستان عن الهند في العام 1947 سادت مشاعر عدم الثقة بين البلدين وترسخت في النسيج الاجتماعي للشعبين، حيث يفتخر المواطنون العاديون بتفوق بلديهما على بعضهما بعضا سواء في شبكة الطرقات، أو في مباريات رياضة الكريكيت· وفي غضون ذلك تراجع سباق التسلح بين البلدين، حيث ساهمت العلاقات الأميركية الجيدة مع الطرفين وانشغالها بمستقبل الترسانة النووية الباكستانية إلى تطويق أي خطر محتمل، لكن وبرغم التغير الحاصل في العلاقات الاستراتيجية بالمنطقة وبروز الصين كلاعب أساسي ضمن الاهتمامات الهندية، إلا أن المحللين الهنود يقرون بالدور الذي ستستمر باكستان في ممارسته وتأثيرها على الأوضاع في المنطقة·
وفي هذا الإطار يقول ''رامشندرا جوها'' -مؤرخ وخبير في العلاقات الهندية الباكستانية-: ''ربما قد تتظاهر الهند بأنها غير مهتمة بالوضع، لكن إذا ما غرقت باكستان في الفوضى وخرج العنف عن السيطرة، فإن ذلك سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار وتقويض النمو الاقتصادي في جنوب آسيا''·


كاتبة ومحللة سياسية أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا