الاتحاد

تقارير

معارك أميركا اللاتينية الدستورية··· حان وقع الكوابح

ألحق الناخبون أول هزيمة بـ شافيز بعد رفضهم تعديلاته الدستورية المقترحة

ألحق الناخبون أول هزيمة بـ شافيز بعد رفضهم تعديلاته الدستورية المقترحة

في الوقت الراهن تُغير الحركات الداعية لإعادة كتابة الدساتير الوطنية، مسار السياسات لعدد من الدول في أميركا الجنوبية، كما تشعل شرارة جدل مرير، حول ما إذا كانت الدساتير الجديدة يجب أن تكون في خدمة مصلحة أجيال المستقبل، أم في خدمة الطموحات السياسية للرؤساء الحاليين في دول القارة·
في الآونة الأخيرة، سعى ثلاثة من رؤساء الدول المنتمية إلى مجموعة دول ''الإنديز'' وهي بوليفيا والإكوادور وفنزويلا، إلى إعادة كتابة الدساتير في بلدانهم، بشكل قد يجعل من الصعب على أي حكومة في المستقبل، أن تغير السياسات والإجراءات التي أقرتها الحكومات السابقة عليها· وفي الأسابيع الأخيرة أدت المحاولات الرامية إلى تغيير الدساتير، إلى إعادة تنشيط حركات المعارضة، التي تشتكي من أن حكوماتها تسير باتجاه السلطوية·
حول هذا الأمر يقول ''الان بروير- كارياس'' المعارض للرئيس الفنزويلي ''هوجو شافيز''، والذي كان عضوا في الجمعية التأسيسية في بلاده في التسعينيات من القرن الماضي، في معرض إشارته لتلك التعديلات: ''في هذه الدول كلها، سوف تظل الدساتير قائمة طالما ظل النظام الذي أقرها في الحكم، والتغيرات الرئيسية التي تسعى إليها تلك الأنظمة هي تركيز الحكم وأدوات السلطة في أيدي الحكومات المركزية، وإذا ما جاء أحد بعد ذلك كي يعزز الديمقراطية، فإنه سيجد نفسه مضطرا إلى تغيير الدساتير مرة ثانية، إذا ما أراد تغيير مركزية الحكم والسلطة''· وفي محاولتهم لإعادة كتابة الدساتير، يحاول ''شافيز'' وحلفاؤه في بوليفيا والإكوادور، صوغ هويات جديدة لبلادهم، وإحياء الشعور بالأمل وسط مواطنيهم الأكثر فقرا، وهم يتحدثون عن تغييراتهم الدستورية المقترحة بعبارات ثورية، ويدافعون عن تعزيز دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي، وتقليص الاعتماد على السوق العالمي الذين يقولون إنه ينحاز للدول الأكثر تقدما· وعلى رغم أن لا أحد في أميركا اللاتينية، يتحدث عن التخلي عن اللعبة السياسية الانتخابية، إلا أن كل دولة من الدول الثلاث التي تجري فيها معارك دستورية في الوقت الراهن، تحاول تجربة ما يطلق عليه الرئيس الفنزويلي ''اشتراكية القرن الحادي والعشرين''·
عملية التجريب لم تكن سهلة بالطبع، وهو ما يرجع- جزئيا- إلى أن تحديد الكيفية التي تبدو عليها اشتراكية القرن الحادي والعشرين على الورق، فقد أدخل كل بلد من تلك البلاد في عملية مؤلمة من عمليات تقييم الذات· يضاف إلى ذلك أن المقترحات المقدمة من الرؤساء لتغيير الدساتير، تبدو وكأنها وسيلة لتعزيز قبضتهم على الحكم، وإخراس أصوات المعارضة؛ وهذا ما لم يتحقق، فقد لوحظ أن أصوات المعارضة قد أصبحت أكثر ارتفاعا منذ أن تم اقتراح تلك التعديلات·
فبعد عامين من الجدل المرير بين مؤيدي التعديلات ومعارضيها، والذي لم يسفر في النهاية عن شيء، وافقت الجمعية الدستورية المنتخبة في بوليفيا الشهر الماضي، على مشروع قانون بدستور جديد، لتجد نفسها أمام معارضة شديدة بشكل غير متوقع من قطاعات كبيرة من المجتمع؛ وأدى الجدل الذي ثار نتيجة لذلك إلى إطلاق شرارة الاضطرابات، وأعمال الشغب، وأجبر الرئيس ''إيفو موراليس'' على الدعوة لإجراء استفتاء على رئاسته، وعلى أداء محافظي الأقاليم· وفي الأكوادور حدث شيء مماثل، حيث قامت لجنة مماثلة تتكون أساسا من حلفاء الرئيس ''رفائييل كوريا'' بحل فعلي للكونجرس الوطني، وينظر المنتقدون إلى التعديلات الدستورية المقترحة باعتبارها تمثل نهاية الديمقراطية، على الرغم من أن القضاء الموكل إليهم مهمة مراجعة التعديلات، يؤيدون هذه التعديلات· وفي فنزويلا ألحق الناخبون أول هزيمة انتخابية بـ''شافيز''، حيث رفضوا -بفارق ضئيل- طائفة من التعديلات الدستورية التي اقترحها الرئيس، والتي كان يُعتقد أنها ستمنحه المزيد من السلطات، وعلى الرغم من أن ''شافيز'' وأنصاره قالوا إنهم يستطيعون الضغط من أجل تمرير تلك التعديلات بوسائل أخرى مثل إصدار قوانين أو مراسيم جديدة، إلا أن الاستفتاء الدستوري أجبر ''شافيز'' على إعادة التفكير في طبيعة ''ثورته البوليفارية'' المدعاة، وهو ما يتبين من تصريح أدلى به هذا الشهر قال فيه: ''سنرتكب خطأً إذا ما تجاهلنا نتيجة هذا الاستفتاء، وحاولنا أن نزيد سرعتنا، وأنا في الحقيقة مضطر الآن للضغط على الكوابح''·
والدساتير الموجودة حاليا في تلك البلدان ليست عتيقة أو مكتوبة على ورق أصفر كما قد يعتقد البعض، حيث نجد أن بوليفيا قد أجرت تعديلات جوهرية على دستورها عام ،1994 وأن دستور الإكوادور قد روجع عام ،1998 وأن الجمعية الوطنية في فنزويلا التي كان يسيطر عليها حلفاء ''شافيز'' قد وضعت مسودة دستور البلاد عام ·1999
وتعديل الدساتير لم يقتصر بالطبع على الدول الثلاث، حيث قامت دول أخرى منها كولومبيا على سبيل المثال- وهي دولة حليفة للولايات المتحدة- بتغيير دستورها لإتاحة الفرصة لرؤسائها كي يعاد انتخابهم، وهو ما تحقق فعلا حيث تمكن رئيسها ''الفارو يورايب'' من الفوز بولاية جديدة مدتها عامان في الحكم· وكما فعل ''شافيز'' قبل أن يُعاد انتخابه عام 1998 فإن كل من ''موراليس'' و''كوريا'' خاضا الحملة الانتخابية على وعد بإنشاء جمعيات وطنية تضطلع بإجراء تغيير جذري، على ما كان ينظر إليه من قبل الكثيرين، على أنه فشل من جانب المؤسسات الحكومية وحكم القانون·
حول هذه النقطة يقول ''جوناثان هارتلين'' -أستاذ العلوم السياسية بجامعة نورث كارولينا، والذي أجرى دراسة على السياسات الدستورية في مختلف دول أميركا اللاتينية-: ''الإصلاحات الدستورية الواسعة النطاق، تحظى بشعبية جارفة لدى المواطنين في أميركا اللاتينية، وهي شعبية تتزايد إذا ما كان الغرض من تلك التعديلات إنهاء الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي لبعض الفئات، وكذلك في الأماكن التي تكون فيها كل من الأحزاب السياسية والسياسيون ضعفاء، أو يفتقدون إلى الشعبية بدرجة كبيرة، أو يتعرضون إلى اللوم بسبب أزمات قائمة''·

مونتي ريل- بيونس أيريس
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا