الاتحاد

تقارير

الفضاء مكان آخر·· للصين

الفضاء مكان آخر·· للصين

الفضاء مكان آخر·· للصين

إنها لقفزة كبيرة أخرى للجنس البشري أن تصبح الصين ثالث دولة تمتلك القدرة على إرسال رواد إلى الفضاء؛ كان برنامج الفضاء الصيني، قد أرسل رحلتين مأهولتين إلى الفضاء من قبل، كما يخطط القائمون عليه في الوقت الراهن، لإرسال طاقم آخر من الرواد إلى الفضاء في أواخر العام الحالى، وعلاوة على ذلك يدور قمر اصطناعي صيني منذ نوفمبر الماضي، في مدار حول القمر من أجل جمع البيانات عن سطح وبيئة الكوكب·
تحقق الصين كل ذلك في الوقت الذي مازالت فيه إدارة ''بوش'' مترددة في بذل الجهود اللازمة لتعزيز التعاون مع الصين في المجال الفضائي، وهو ما أشار إليه ضمنا مسؤول كبير في وكالة ناسا الفضائية أثناء مناقشة حول البرنامج الفضائي الصيني عندما قال: ''ما تزال هناك العديد من الآراء المتصارعة في واشنطن حول ما إذا كنا نمضي بشكل أسرع مما ينبغي، أم أبطأ مما ينبغي في علاقتنا بالصين''؛ والواقع أن القلق الأميركي المشروع بشأن المشروعات العسكرية الفضائية للصين، قد قاد إدارة ''بوش'' إلى اتخاذ بعض الإجراءات ضد البرنامج المدني الصيني، وهي إجراءات كان من المحتم أن تؤدي إلى تراجع الولايات المتحدة في برامج الفضاء الأخرى·
فعلى سبيل المثال، رفضت الولايات المتحدة تقديم المساعدة في مهمة'' تشينج''، وذلك عندما أوعزت لـ''شبكات اتصالات الفضاء'' التابعة لها، والتي تتكون من مواقع في كاليفورنيا، واستراليا، وإسبانيا بعدم تقديم المساعدة للمهمة الفضائية الصينية، وهو ما أتاح لوكالة الفضاء الأوروبية الفرصة لعرض خدمات شبكة الفضاء العميق التابعة لها على الصين حتى تتمكن من الاتصال بالقمر الاصطناعي، وهو ما جعل المسؤولين الصينيين الذين شعروا بالامتنان لهذه المبادرة، فعرضوا على مسؤولي الوكالة، تقاسم البيانات والمعلومات التي سيتمكنون من جمعها من خلال مهمة ''تشينج'' مع الوكالة· فضلا عن ذلك تتبع الولايات المتحدة كما هو ظاهر سياسة تقوم على عدم السماح لرواد الفضاء الصينيين بالوصول إلى المشروعات الطموحة والمشتركة المهمة مثل ''محطة الفضاء الدولية''·
والولايات المتحدة لديها من الأسباب ما يدفعها للشك في النوايا الصينية في الفضاء الخارجي، فالعرض الناجح لقدرات أحد الصواريخ القادرة على إسقاط الأقمار الاصطناعية منذ عام تقريبا، تسبب في تناثر حطام أحد تلك الأقمار الصينية في الفضاء، يتوقع أن يظل يدور حول الأرض لسنوات قادمة؛ إن هذا الانتهاك الواضح لهذا المدار القريب من الأرض والذي تشتد إليه الحاجة في أغراض أخرى قد كشف بجلاء عن النزعة القتالية لكبار المخططين العسكريين لشؤون الفضاء في الصين· وعلى رغم ذلك، ما زال هناك مجال للتعاون بين البلدين في العديد من المشاريع، منها على سبيل المثال مشروع المحطة الفضائية الدولية، والولايات المتحدة باعتبارها دولة ما تزال ملتزمة بالاستمرار في المشاركة في هذه المحطة، والتي تسعى في نفس الوقت حثيثا من أجل الاستعداد لفترة ما بعد مكوكات الفضاء، يجب ألا تُضيّع الفرصة التي توفرها لها هذه المحطة للتعاون مع الصين·
إن التفريط في الفرص المتاحة سلوك خاطئ، كنا قد نجحنا - لحسن الحظ- في تجنبه في عقد التسعينيات أثناء السجال الذي دار في ذلك الوقت حول السماح -أو عدم السماح- لروسيا بالمشاركة فيما كان يطلق عليه في ذلك الوقت ''محطة فريدام الفضائية'' والذي كان الدافع إليه مخاوف تتعلق بانتقال التكنولوجيا إضافة إلى دوافع سياسية أخرى، وقلق بشأن التكاليف المتوقعة التي سيتطلبها إدماج روسيا في برنامج المحطة، ونفس هذه التحفظات والمخاوف تتم إثارتها في الوقت الراهن لكن بشأن الصين هذه المرة· في تلك الفترة من التسعينيات، قررت إدارة كلينتون -وحسنا فعلت- التعاون مع روسيا، وقد أثبت ذلك القرار جدواه فيما بعد، عندما وقعت كارثة المكوك ''كولومبيا'' التي أدت إلى عدم تمكن مكوكات الفضاء الأميركية من الدخول للمحطة الفضائية، ولم ينقذ الموقف في ذلك الوقت سوى المساعدة التي قدمتها روسيا -وهو ما لم يكن أحد يتوقعه- والتي تمثلت في مركباتها الفضائية التي أتاحت لبرنامج المحطة الفضائية القدرة على الاستمرار· وبدون تلك المساعدة الروسية، فإن القرار الذي اتخذته أميركا بإيقاف برنامج إرسال مكوكات للفضاء لم يكن يعني شيئا في ذلك الوقت سوى أن هناك معدات فضائية تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، ستضيع هدرا ويضيع معها بالتالي برنامج الولايات المتحدة لإرسال مهام مأهولة إلى الفضاء· والولايات المتحدة محظوظة من حيث أن الصين يمكن الآن أن تكون شريكا موازيا لما كانت عليه روسيا في السابق·

فالاعتماد على الصين الآن، يمكن على سبيل المثال أن ينهي اعتمادنا على روسيا فيما يتعلق بإطلاق الرواد إلى محطة الفضاء، وهو البرنامج المقرر أن يبدأ خلال عامين من الآن، على أساس أن المكوكات سيجري إحالتها على الاستيداع في موعد أقصاه ·2010
وبالإضافة إلى خلق المزيد من خيارات الرحلات المأهولة إلى المدارات القريبة من الأرض، فإن ذلك التعاون يمكن أن يساعدنا أيضا على تحقيق هدفنا الخاص بالعودة إلى القمر، كما سيساهم من دون شك، في توفير منتدى للمناقشة الحرة بشأن الموضوعات الفضائية الاستراتيجية، كإطلاق الصين لصاروخها المدمر للأقمار الاصطناعية العام الماضي على سبيل المثال· وربما يكون الشيء الأكثر أهمية من ذلك كله، هو أن الولايات المتحدة سوف تحصل على تحويل الصين إلى شريك في مجال الفضاء بدلا من أن تكون منافسة لها· بيد أن السؤال الذي قد يتبادر إلى الأذهان هنا هو: هل الصين على استعداد لذلك، أي هل هي على استعداد لأن تكون شريكا للولايات المتحدة؟·
للإجابة على هذا السؤال يمكن أن نقول إن الخطوات التي اتخذتها الصين حتى الآن في هذا المجال، مثل إقدامها على شراء نظام هبوط المركبــات الذي كانــت الولايــات المتحــدة، وروسيــا قد استخدمتاه من قبل تـدل على أنها ترغب في ذلــك· كما يمكننا في هذا الصدد أن نستشهد بما قالــه وزير العلــوم والتقنيــة الصيني مؤخرا بشــأن هــذا الموضــوع حين قال: ''إن الصين ترغب جديــا في التعــــاون مــع الولايــات المتحــدة والانضمــام إلى مشروع المحطة الدولية الذي يضم 16 دولة بالفعل''·
إن انضمام الصين لمثل هذه البرامج حقا يتجاوز كونه مجرد أداة سياسية حيث يمكن بالفعل أن يساهم في إيجاد الحلول للكثير من الموضوعات الجوهرية في عمليات الفضاء؛ فالسماح للصين بالانضمام إلى الدول الأخرى المشاركة في محطة الفضاء، سوف يمكن إدارة ''بوش'' من تحقيق إنجاز ذكي في مجال السياسة الخارجية في شهورها الأخيرة في الحكم، وهو إنجاز يمكن أن تفخر بتوريثه للإدارة القادمة·


خبير في الشؤون الفضائية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا