الاتحاد

دنيا

التعوّد يجعلنا مثل الخرفان

بعض المهن مظلومة، يوصف شاغلها ببلادة الإحساس وتحجّر القلب، فالطبيب الحكومي لا يرفع عينيه عن الساعة بانتظار وقت الانصراف، وأثناء ذلك ''يشخبط'' على الوصفة بما يخطر على باله من أدوية، والطبيب الخاص يعبث بالمريض بينما عيناه تشع منها أيقونة الدولار وهو ينظر إلى جيب ملابس المريض·
أما الممرضة، فهي تحقن مواضع العلة مثلما تشبك قطع اللحم في سيخ الكباب، وتضغط على أماكن الألم بقوة كأنها تعمل ''مساجاً '' تايلانديا· والمحامي أيضاً عضو في هذه العصابة، فهو يستمع باهتمام إلى الموكل المليء كأنه طبيبه النفسي، لكنه يعامل الموكل البائس كما يعامل صديقاً قديماً ثرثار، لا يعرف ما يقول لكنه بين الحين والآخر يجامله بالهمهمة·
ولأنني امتهنت أكثر من مهنة، فأعرف أن المهن لا ذنب لها، وإنما التعوّد عليها هو الذي يعطي الانطباع بأن شاغلها يعاني من أنيميا حادة في الإحساس وأن ''انترلوكاً'' يرقد في شمال صدره وليس قلبه·
عملت في البداية في النيابة العامة، وكان قلبي يرفرف كالطير المذبوح لأن إنساناً يُقاد أمام الآخرين مقيّداً بالسلاسل، ثم يعترف أمام وكيل النيابة بصوت مبحوح مبتل بالدموع، أو ينكر التهمة بنظرات الغضب المكتوم· وكنت أتحاشى النظر إليه حتى لا يزيد وزنه بالذل والمهانة، وإذا رأيت مجموعة منهم مصفّدين ينتظرون دورهم في الممرات، مشيت أمامهم مطأطئ الرأس خجلاً منهم· وذهبت كل تلك الأحاسيس الراقية مع الأيام والتعوّد، فلم أعد أنتبه لصوت قلقلة ''الكلبشات'' أو أهتم بانفعالات المتهمين، فلستُ الذي وضعهم في هذا الموقف·
ثم انتقلت إلى نيابة المرور، حيث بعض الحوادث المرورية التي تخرج عن مسارها الطبيعي ولا تنتهي بمجرد ورقة مخالفة وإنما بملف قضية· كان منظر المصابين مؤلماً، هذا يدخل علينا بفردة حذاء من الأحذية، فلم يعد بحاجة إلى زوج ، والآخر كأنه مومياء، فالشاش الأبيض يغطي كل بقعة في جسده، وكان الزملاء يحرصون على متابعة آخر وأحدث صور ضحايا الحوادث المروّعة، وكنت أتعجب منهم وهم يتبادلون الصور ويحوقلون، فلا تنظروا ولا تحوقلوا· ثم مع شاحنة التعوّد الذي يجرّ خلفه قاطرة التبلّد، أصبحت أفعل مثلهم وأنظر كأنني أقلّب ألبوم صور الذكريات·
وبعد هذا ''القرف''، عملت في المحاكم، أحجز على ممتلكات المدينين وأبيعها في مزاد علني لصالح الدائنين، وأخلي مساكن الإيجار من قاطنيها الذين لم يسددوا ما عليهم لمُلاكها، وكالعادة، كانت بدايتي معهم رقيقة كأنني عذراء في سن الزواج، وكنت أعود إلى البيت وتكاد الدموع تفيض من سيارتي، فهم استحقوا قانوناً ما حلّ بهم، لكن أنا الذي أوقع هذا بهم· ومع الأيام، أخذتُ أعود إلى البيت وسيارتي تهتز من شدة صوت الأغاني·
أما مع الكتابة والصحافة، فكدت أن أتسبب في نفاد أعداد الجريدة التي نشرت مقالي الأول، فقد اشتريت منها أعداداً كثيرة ووزعتها على من يقرأ ومن لا يقرأ، وبالطبع، قرأت المقال قبل إرساله للنشر على كل من يسمع ومن لا يسمع· وبدأت أعداد هؤلاء تتناقص مع كل مقال، واليوم أرسل المقالات ولا أهتم حتى بقراءتها على الورق، فقد أصبح النشر من طبيعة الأشياء·
المهن لا ذنب لها وإنما التعوّد هو الذي يجعل شاغلها بليداً، كل همه أن يأكل ويرعى من مهنته مثل الأنعام·· وهل رأيتم خروفاً يترك أكل الحشائش ليرى المصيبة التي حلّت بإنسان يمرّ من أمامه؟

أحمد الأميري

اقرأ أيضا