أرشيف دنيا

الاتحاد

سخروا منه وقالوا روح اتعلم الحكي وبعدين تعال انصحنا

لا يمكن أن يصدق أحد أن الخطيب قد فقد سلاحه وهو صوته ولسانه، ورغم ذلك يلتف الناس حوله ويحبونه، ويطلبون منه النصح والارشاد!! هل ضاق الحال بأهل غزة ليلجأوا إلى هذا الخطيب وكأنهم يقولون: مللنا من الخطب الرنانة· التقينا به في حوار شبه صامت حيث تولى ابنه ترجمة الإشارات لنا·· الرجل الخطيب يدعى محمد أحمد إبراهيم أبوموسى، يعيش في رفح جنوب غزة، حيث مخيم اللاجئين والفقر يطل من حولنا بلا استئذان·· يبلغ من العمر ثلاثة وخمسين عاماً·· أب لتسعة أولاد أكبرهم في الثالثة والعشرين من عمره·· وكان قد أصيب وهو في الرابعة من عمره بحمى شديدة لم يتلق لها العلاج المناسب بسبب الجهل والفقر الذي كانت تعيشه عائلته، مما أدى إلى فقدانه النطق منذ ذلك الوقت وإلى الأبد·· هنا بدأنا معه الحوار·
؟أين تعلم أبوهاني لغة الإشارات؟
؟؟ عندما كبرت تعلمتها في مدرسة خاصة بالصم والبكم في غزة، ولكني لم أستمر بها طويلاً، لأن الحياة أكبر مدرسة·
؟ ما هي مهنتك الأصلية؟
؟؟ كنت أعمل وأنا لازلت شاباً عاملاً بسيطاً داخل اسرائيل، ولكن بعد تقدمي في العمر أصبحت غير قادر على تحمل مشاق العمل، خاصة أنني كنت أواجه صعوبات على الحواجز الاسرائيلية بسبب مرضي، فاستغنى العمل عني أو استغنيت أنا عنه·
؟ ما هو عملك الحالي؟
؟؟ بعد أن أصبحت بلا عمل أصبحت أعيش وعائلتي على المعونات التي تصرف لنا من الجمعيات والمؤسسات الخيرية، خاصة معونات وكالة الغوث الدولية ''الأونروا'' التي تقدم المعونات للاجئين الفلسطينيين، وبعد ذلك أصبحت ملازماً لأهل الدين والدعوة الذين رحبوا بي وبدأت أتلقى تعاليم الاسلام على أيديهم·
؟كيف كان الانخراط في الدعوة؟
؟؟انخرطت بها عن طريق اتباع الاعتكاف لفترات طويلة في المسجد والتفرغ لعبادة الله، وقد كنت ولازلت أعتكف لفترات في المساجد المختلفة، وفي المناطق النائية بعيداً عن البشر، فأتأمل في الكون وخلق الله وأشكره على نعمه، فقد حرمني نعمة الكلام، ولكن أنعم علي بنعمة البصر وأعضائي الأخرى سليمة، وهذا ما يوجب عليّ شكر الله عليه·
؟ما هو موقف الناس من إلقائك أول درس ديني أو أول خطبة في المسجد؟
؟؟ بالطبع تجمهر الناس، لأن المنظر غير مألوف، ولكن بعد ذلك أنصتوا لما أقول أو بالأصح لما يترجمه ابني البكر عن طريق الإشارات، وأصبح لي جمهوري من الناس البسطاء الذين ينتظرون دروسي ويتجمعون حولي في المسجد، أو في أحد أزقة المخيم ويستمعون إلى آرائي في الحياة خاصة في هذا الوقت العصيب، والذي يتطلب منا اللجوء إلى الله ليفك عنا الحصار ويزيل الغمة·
؟ ما هي أهم المواقف الحزينة والمضحكة والطريفة التي مرت بك؟
؟؟ من المواقف التي أحزنتني هي سخرية البعض مني وقولهم: ''روح اتعلم الحكي وبعدين تعال انصحنا''، وقد قابلت هذه العبارة بصدر رحب وإن تألمت بداخلي، وهذه العبارة كانت في بداية عملي ولكن بعد ذلك اعتذر لي من تفوه بها·
الموقف الآخر أنني كنت أقوم بجولة في مدن غزة للدعوة إلى الله، فقابلت مجموعة من الشباب يتسكعون في الشارع ويلبسون في صدورهم السلاسل الذهبية، فتوقفت أنصحهم وأعظهم وتأثروا كثيراً بما قلت لهم، وتعجبوا كيف أنا الأبكم أدعوهم للطريق الصحيح وهم الأصحاء يستغلون ألسنتهم للنيل من أعراض الناس ومغازلة النساء، وتأثروا كثيراً لدرجة البكاء وخلعوا السلاسل الذهبية وأعطوني إياها لأتبرع بها للفقراء في المخيم·
أما أطرف موقف مر بي فكان عندما سافرت إلى مصر في أيام شبابي ورأيت ''اثنين ملتصقين ببعض''، أقصد توأماً سيامياً، فأخذت أضحك في سري على المنظر، ولكني حمدت الله أنني فقط أبكم ولم أولد ملتصقاً بأحد إخوتي مثلاً·
؟ماذا يحب وماذا يكره؟
؟؟ أنا من متابعي قناة الجزيرة وكل يوم أتابع نشرة المساء الخاصة بالصم والبكم، لأعرف أخبار الدنيا وأتعلم إشارات جديدة أستفيد منها لأتواصل مع الناس، وأتألم حين ينقطع التيار الكهربي عن المخيم ولا أستطيع متابعتها·· كما أحب الأطفال والطيور والطبيعة وكل شيء جميل خلقه الله·
؟ كيف تقضي أوقاتك؟
؟؟ بين المسجد وتربية أطفالي والاجتماع بأهل مخيمي، حيث يحبون الجلوس معي للتسامر والحديث في أمور الحياة، ومشاهدة التلفاز وخاصة الأخبار وبرامج الأطفال·
؟ ماذا تتمنى؟
؟؟ أتمنى لي ولأولادي الستر، لأننا نعيش تحت خط الفقر في بيتنا المتواضع جداً، ولا أستطيع أن أقدم لأطفالي شيئاً سوى ما يجود به أهل الخير علينا، ولذلك أنا أدمن مشاهدة المناظر الجميلة في التلفاز حيث يلهو الأطفال في الحدائق والملاهي، في حين أن أطفال غزة يموتون ويحاصرون ولا يجدون سوى اللعب بالنار والموت·· أما على صعيد الوطن فأتمنى أن يعم السلام ويزول الحصار عن غزة ونصبح بشراً لنا حقوق مثل دول العالم، لأني حين أشاهد في التلفاز كيف يعيش الناس أتألم وأشعر أننا ليس لنا وجود·

اقرأ أيضا