الاتحاد

ثقافة

باموق يدق ناقوس الخطر في تركيا

أورهان باموق

أورهان باموق

أحمد عثمان (باريس)

أب مختفٍ، فنانة ذات شعر أصهب ترتدي تنورة قصيرة، مراهق هارب بعد أن اقترف عملاً مشيناً. هي ذي رواية قوية حول البنوة والمناخ السياسي في تركيا، آخر ما كتبه الروائي نوبل أورهان باموق، وصدرت قبل أسابيع قليلة عن مطبوعات غاليمار بترجمة فاليري غي-آكسوي، تحت عنوان «المرأة ذات الشعر الأصهب».
تمنح الاعتبارات التقنية، الدقيقة والتفصيلية، وكذا التصور الوصفي الموازي، بصورة سرية طريقة قراءة الرواية، المعقدة، القوية. التركيز مطروح، الروح المنطقية أيضاً، ولكن الحدس غير العقلاني يصنع الخلاف، لكي تتبدى النيران المضطرمة تحت الجليد، والتي تمثل الشخصيات. وأيضاً من ناحية أخرى، تتبدى كلعبة مرايا ودمى في ثنايا السرد الذي ينساب عبر الزمن، منذ 1985 إلى 2016.
ما الذي يحرك جيم، المراهق العقلي والنحيل؟ قلق الشفافية. منذ رحل والده ـ من دون أن يترك عنواناً ولا تفسيراً ـ مع كل متاعه، مخلفاً رائحة صابونه وبسكويته. معتقل سياسي؟ أم هروب عشقي؟ لا محل لأي سؤال هنا. فالسؤال يظهر مكبوتاً، في الصمت الخانق لكل ما لم يقال، وهذا هو فن أورهان باموق، الحائز جائزة نوبل للآداب، المتمثل في ضغط التأجيلات في جمل إخبارية، مجردة من المؤثرات. لفهم الأحداث وما يجري، الصبي يقلّد. يغادر بدوره بيت العائلة ويذهب للعمل في ورشة حفر آبار. في هذا المكان، وجد أباً بديلاً في شخص رئيسه. وفي الوقت نفسه، يشعر بهوى جارف في دواخله إزاء فنانة ذات شعر أصهب من الممكن أن تحل محل والدته.
لكي ينهي اضطرابه، يرصد باموق علاقة مع حكاية أوديب، إلى حد استدعاء الأسطورة ذاتها في وجود بطله، وكذا يرفضها رمزياً عبر كل شخصية من شخصياته. عمل مشين مثير للخجل، تم اقترافه خلال عمل الصيف، يجبره على الهروب من جديد. وهكذا، جيم كما الآبار المتناثرة «الهائمة»، يسكنه الخوف والشعور بالذنب، وأيضاً عطش التغيير والحرية في دواخله. استمر الهروب ثلاثين عاماً، يعطله القلق وتحركه الغريزة، وكذا الحيرة بين الرغبة في نسيان المصائب وضرورة مواجهة الحقيقة.
كيف يمكننا كقراء عدم رؤية حالة الوعي لدى كل مثقف تركي؟ كتب أورهان باموق هذه الرواية قبل أشهر قليلة من المحاولة الانقلابية التي وقعت في يوليو 2016 ضد الرئيس أردوغان، الذي قام لاحقاً بموجة كبيرة من التطهير في البلاد.
فنانة مسرحية، ترتدي تنورة قصيرة: المرأة ذات شعر أصهب، تمثل بالضبط ما يريد هذا الرئيس استئصاله اليوم، في قمعه صور الفن المعاصر كافة، كما يقول أورهان باموق. رواية كبيرة وشديدة التدقيق في تفاصيلها، ومع ذلك تدق ناقوس الخطر لما آلت إليه الأوضاع في تركيا. وهنا يسبر باموق أغوار خفايا البنوة، وبطريقة غير مباشرة، خفايا التحول والهوية، لكي يتجه الى مصدر كل ما جرى ويجري في البلاد، ويرجع إلى نقطة انطلاقه، ويحفر مرة أخرى بئراً جديدة في حقل الممكنات، وهكذا دواليك.
.............................
(*) الرواية بالفرنسية:
La femme aux cheveux roux, par Orhan Pamuk, Gallimard, traduit du turc par Valérie Gay-Aksoy, 310 p., 21 euros.

اقرأ أيضا

«الناشرين الإماراتيين» تبحث آفاق تطوير صناعة النشر في الدولة