الجمعة 9 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

«غرابيب سود».. صدمة نقل الواقع إلى الشاشة

«غرابيب سود».. صدمة نقل الواقع إلى الشاشة
13 يونيو 2017 22:45
تامر عبد الحميد ورنا سرحان (أبوظبي، بيروت) قصص مرعبة أصبحت مألوفةً في ظل الحياة تحت سطوة «داعش»، تُشكّل عناصر الحبكة الدرامية لمسلسلٍ «غرابيب سود»، الذي يقع في 30 حلقة تلفزيونية تم إدراجها على الخريطة البرامجية الرمضانية لقنوات فضائية تحظى بمتابعة واسعة على رأسها أبوظبي، و«mbc». ورغم جرأة الطرح وحداثته فإن العمل تعرض لانتقادات واسعة على ساحات «التواصل الاجتماعي»، نالت من أسلوبه العنيف، وتعرضه للمرأة المسلمة، وصولاً لاتهامه بتشويه الإسلام عبر ربط ممارسات التنظيم بالدين الحنيف. في المقابل، يوضح منتجو العمل أنه يدور حول كيفية تجنيد المقاتلين بمنْ فيهم الأطفال، ويلقي الضوء على بطولة نساء تحدين إرهابيي التنظيم الإجرامي، كما يبرِز أفعال «داعش» الوحشية، من خلال محتوى درامي ثري، أداه ممثلون من 7 دول عربية. الجهة المنتجة يقول مدير مجموعة «إم بي سي»، المنتجة للعمل، علي جابر: «يهدف المسلسل إلى تقويض الممارسات التي يتّبعها «داعش» في تجنيد عناصره، من خلال تكريس التأثير الكبير الذي يحظى به التلفزيون على الجمهور»، مضيفاً: «نحن أمام آفة، وعلينا استجماع شجاعتنا لمواجهتها ومحاربتها». ويعترف جابر أنه ثمة أخطار تحملها خطوة إنتاج مسلسل عن تنظيم إرهابي كـ«داعش»، في منطقة ذاقت الويلات من بطشه، مشيراً إلى أنه رغم أن العمل لفت الأنظار عالمياً، ويمكن أن يترجم إلى لغات عدة بسبب نسب مشاهدته العالية، فإنه لن يدرّ الأموال لخوف الرعاة من الإعلان عن منتجاتهم خلال مسلسلٍ يتطرّق إلى عنف الجماعات الإرهابية. ويدافع مازن حايك، المتحدث الرسمي باسم مجموعة «MBC»، عن العمل، قائلا: «عمل بضخامة وجرأة «غرابيب سود» وفرادته، خصوصاً أنه أول مسلسل عربي يسلط الضوء على الفكر الداعشي من منظور المرأة، لا بد أن ينال ردات فعل متنوعة منها الإيجابية والسلبية». ويقول إن «التعليقات السلبية، التي أثيرت عبر مواقع التواصل، أخذت منحى عنيفاً وتجريحياً، فطاقم العمل لم يحضر لتنفيذ العمل بسرية تامة لنحو عام ونصف، لكي يشوهه الإسلام وصورة المسلمات كما ذكر في بعض التعليقات السلبية». ويتابع: «هدف «غرابيب سود» فضح الفكر المتطرف، وإظهار حقيقة داعش ببعده الإجرامي، سواء مع النساء أو الأطفال، وكيفية التفرقة بين الأشرار والأبطال الذين قاوموا الإرهاب». ويتساءل: «كيف يتم تنفيذ عمل عن «داعش» من دون مشاهد عنيفة ومؤذية للعين؟» ويقول: «غرابيب سود» تجربة رائدة في تسليط الضوء على آفة الإرهاب، من اغتصاب وتعذيب وإجرام وقتل، ولكي يعكس العمل أبشع ما يهدد الوجود، كان يجب تقديم هذه المشاهد المزعجة كما تتطلب الحبكة الدرامية، فلا يمكن تحويل قضية «بشعة» إلى حالة درامية «جميلة»، لافتاً إلى أن «كل ما قدم تم عرضه بعد أبحاث استغرقت فترة طويلة، لكي يقدم كل مشهد بصدقية عالية». ويشير إلى أن القائمين على العمل كانوا يعرفون جيداً أنهم يقدمون عملاً جريئاً من الممكن أن يقابل بهجوم شديد نظراً لمحتواه، لذلك تم التنويه في بداية كل حلقة بعدم السماح بمشاهدة العمل من قبل الأطفال والمراهقين، إلى جانب أنهم اتخذوا قراراً مع إدارة القناة بعرض المسلسل الساعة الواحدة بعد منتصف الليل بتوقيت الإمارات، لكي يتحكموا في الفئة التي ستشاهده. «أمير» العمل من جانبه، يقول الممثل السوري محمد الأحمد، الذي قام بدور «أبو طلحة»، أحد أمراء «داعش»، لـ«الاتحاد»: «يقوم دوري على تفسير ما الذي يحول رجلاً عادياً إلى إرهابي قاتل»، موضحاً أن «العمل ليس وثائقياً، وهذه نقطة مهمة لأنها تترجم كل الأفعال التي تدور في فلك المسلسل، ولا تقترب من الدين بقدر ما هي طرح درامي لحكايات تنبع أهميتها من الرسالة التي تحملها». ويمضي إلى أن «مشاهدة «غرابيب سود» قرار لا فرض، وفي كل عمل درامي هناك من يتفق معه ومن يعترض عليه، فكيف إن كان عملاً يتناول أزمة نعيشها جميعاً وتثير التساؤلات»، معتبراً أن العمل يوعي الناس، ويظهر لهم أن الإسلام ليس على هذا النحو. ويتابع أن: «غرابيب سود» عمل درامي وقته ضيق، يقدم في 20 ساعة درامية أفكاراً ومواقف عدة، ولا يمكنه مناقشة كل القضايا وإلا دخلنا في لعبة الأجزاء»، لافتاً إلى أن من يتهم العمل بالسطحية أو عدم ملامسة كل الوقائع، يجزم وكأنه فيلم سينما مدته ساعتان، يعد قشوراً من دون الغوص في عمق الموضوع. ويقول: إن العمل هدف إلى توصيل الأفكار بسلاسة من دون فرضها على المتلقي، فالطرح بسيط لكن الفكرة عميقة وتثير الأسئلة، مشدداً«العمل لا يعالج تطرفاً دينياً، بل تطرفاً فكرياً مؤدلجا، ونزاعا عسكريا بسياسة غريبة، فـ«داعش» يقتل كل من يقف أمامه، وبالتالي لا يمكن أن يكون تابعاً لأي فكر أو مذهب سوى الإرهاب». ويضيف:«برأيي المسلسل لا يفيدنا في الوقت الحالي أو في هذه البقعة الجغرافية تحديداً. فهو عمل موجه للخارج والمناطق غير الساخنة ولمن لا يريدون سماع الحقيقة». وعن عدم التطرق بعمق إلى الفكر الداعشي وأيديولوجيته في دور الأمير، يقول: «في الحلقات المقبلة سيعرض الشق الدرامي لشخصية «أبو طلحة»، وكيف وصل إلى هذه المرحلة من العنف وكيفية توليه حكم الإمارة، ما يكشف تفاصيل نفسية واجتماعية لمنتسبي التنظيم الإرهابي»، موضحا أن العمل ليس فقط للحديث عن الدم والحروب، بل يناقش فيه شخصية الداعشي الذي تحول من رومانسي إلى وحش بشري. ويشير إلى أن «رجال «داعش» وكلاء تنظيم قوي ذكي يخضع لضوابط ويتكون من خلايا تراتبية»، مضيفاً:«لم نتعرض قط عن مفاهيم الإسلام لأن الإسلام من التنظيم براء. ارتفعت في البداية أصوات تتهمنا بمحاربة الإسلام. والواقع نحن نحارب من يحارب الإسلام». نقد درامي من وجهة نظر نقدية، يوضح المخرج والناقد ناصر التميمي أن الأعمال الدرامية، التي تناقش قضايا مهمة على الساحة العربية معرضة إلى أن تطالها حصة كبيرة من الانتقادات والهجوم، لكن العمل الفني يفرض نفسه في النهاية من خلال الفكرة والمضمون والمحتوى والرسالة التي يحاول أن يبعثها للمجتمع. ويقول: «في مسلسل «غرابيب سود» كان الواقع يتحرك عبر الأحداث، وصحيح أن بعض المشاهد قد تكون صادمة، لكن المهم هل هي موظفة لخدمة السياق الدرامي؟» معتبرا أن «غرابيب سود» يضم عديداً من المشاهد غير المقبولة، خصوصاً بالنسبة لفئة المراهقين والأطفال. ويتابع: «الهدف من المسلسل فضح الفكر الداعشي، لكن السؤال من منا لا يعلم من هم أعضاء «داعش» وبماذا يفكرون؟ وبرأيي أن العمل قدم صور سيئة ومشاهد عنيفة، لا تخدم المشاهد في شيء»، لافتاً إلى أنه تابع أولى حلقات العمل بسبب الضجة الكبيرة التي رافقته، لكنه توقف عن مشاهدته، نظراً لما أثاره من جدل في بعض حلقاته التي تطرقت إلى الدين وصورة المسلمات. وعن تجسيد مشاهد العنف الحقيقية على الشاشة الفضية، يقول الدكتور الصادق رابح، عميد الإعلام في كلية الإمارات للتكنولوجيا، إن الدراما لست مطالبة بنقل الواقع، لكنها في كثير من الأحيان تمارس دورها في التوعية، لافتاً إلى أنه في مسلسل «غرابيب سود» حدث نوع من التقارب مع الواقع رغم مشاهد العنف الكثيرة التي تأثر في المتابعين. ويرى أن محاكاة الواقع أمر طبيعي، لكنه يجب أن يوظف بشكل ما، حتى يكون أثره إيجابياً من دون اللجوء إلى القسوة بشكل مفرط، خصوصاً أن الدراما التي تناقش قضايا سياسية واجتماعية وإنسانية ودينية كلها حلقة مرتبطة ويجب معالجتها بشكل كامل. ويرى الصادق أن دراما العنف تعبر عن الواقع أيضاً، وأن الدور المجتمعي يجب أن يكون له رأي في قبول هذا النوع من الدراما أو رفضها. في السياق ذاته، يقول الفنان حبيب غلوم: «يجب أن يكون لدى القائمين على أي عمل درامي يتناول التطرف معلومات كافية عن أسلوب عمل الجماعات الإرهابية، وهذا الأمر يحتاج إلى بحث في تاريخ هذه الجماعات، من أجل أن يخرج العمل بشيء قريب من الواقع». ويوضح غلوم، الذي عرض له العام الماضي مسلسل «خيانة وطن»، الذي يعد أول مسلسل إماراتي يناقش فكر جماعة «الإخوان» المتطرفة، أنه من المستحيل أن يتم تصوير بعض الأعمال الدرامية بهذه القسوة والسوداوية مثل «غرابيب سود»، بحيث يظهر في كل مشهد شخص يصوب مسدساً إلى رأس شخص آخر، هذه الصورة فيها مبالغة شديدة، وقد ترسخ للعنف لدى الشباب والأطفال. ويندهش غلوم من حالات القتل الكثيرة في المسلسل، بما يظهر التركيز الشديد على أسلوب القتال في مثل هذه الأعمال، متسائلاً:«كيف لمثل هذه الجماعات أن تقتل بعضها بعضاً بهذا الشكل ولا تزال مستمرة حتى الآن؟» ويرى أن المسلسل لم يقدم للمشاهد جديداً عن الفكر الداعشي، بل كان كل اعتماد صناعه على القتل و»المشاهد الخادشة للحياء». تصحيح المفاهيم يقول الممثل والمخرج عمر الجاسر، مدير جمعية الثقافة والفنون بجدة وعضو مجلس إدارة جمعية المنتجين السعوديين، إن الدراما أهم وسيلة لتصحيح المفاهيم بأسلوب درامي شائق وبتوليفة جيدة تجمع الكاتب والمخرج وفريق العمل بأكمله. وعن «غرابيب سود»، الذي يعمل على إبراز ما يتم تناقله في التغطيات الإخبارية عن تنظيم «داعش» من مَشاهد، بما فيها التفجيرات التي تخلّف وراءها جثثاً وأشلاء، والمسلحين الذين يرفعون رايات سود، يشدد الجاسر على أهمية مرور النص، وخاصة الذي يعرض قضايا اجتماعية ودينية على متخصصين لمراجعته والتأكد من مصادره وما يتضمنه، قبل أن يصبح جاهزاً للعرض. ويضيف أن الأعمال الدرامية رسائل ويجب أن يحرص القيمون على إيصالها بالطرق الصحيحة، موضحاً أن الدراما العربية كانت تنتظر أن ينتهي الحدث ليتم تأريخه ومن ثم تحويله لعمل، لكنها اليوم تعمل على إيصال الحدث في حينه، وذلك لإعلام المشاهدين بحقيقة الأحداث الحاصلة وبهدف إلقاء الضوء على آلام الناس وأوجاعهم وإثارة عاطفة المتلقين وتوعيتهم. ويقول الجاسر:«على الدراما إدراك أهمية توعية جيل الشباب لأنهم ينجرون وراء مواقع التواصل الاجتماعي التي تسهم بنشر أفكار مشجعة على الإرهاب، كما أن جرعة الثقافة التي يتلقاها الجيل الحاضر أقل بكثير من الجرعات التي كانت تصل للجيل القادم، وذلك بسبب إبعادهم عن الكتاب، ما يثقل العبء على النصوص الدرامية لتوسيع حلقة ملعبها إن أرادت ملامسة الواقع».
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©