الاتحاد

الملحق الثقافي

القطيعة.. جرح لا ينفكُّ يندمل

«القطيعة» للفنان الإماراتي إبراهيم محمد إبراهيم (أرشيفية)

«القطيعة» للفنان الإماراتي إبراهيم محمد إبراهيم (أرشيفية)

من يبتعد عن التراث ينعت بأنه حالة شاذة، ومن يمكث في أحضان التراث يكون عبدا له. في الحالتين كلتيهما نتجه نحو الضياع.
ف. نيتشه
***
أحدهم، إذ انفصم الحبل الذي يشده إلى التراث، اكتشف الماضي من جديد...فاستعاد الفكر حيويته، وتمكن من استنطاق الذخائر الثقافية للماضي، تلك الذخائر التي كنا نعتقد أنها ماتت، وها هي الآن تقدم لنا أشياء تخالف أشد المخالفة ما كنا نعتقده.
حنة آرندت
***
علينا ألا ننشدَّ انشدادا إلى انفصالنا، أي إلى ذلك الحنين إلى البعيد الذي هو حنين الطائر الذي لا ينفك يحلق عاليا كي يرى الفضاء يتسع تحت جناحيه - ذاك هو الخطر الذي يتهدد الطائر.
ف.نيتشه
***
دأب التقليد على وصل الأصول بالفروع، والبحث عن التأثيرات والامتلاءات، وتقصّي التناغمات والتشابهات، والتنقيب عن أسباب السكون والرتابة، والدوام والثبات: ثبات الحقائق ورسوخ المعارف وركود المؤسسات.
***
الشغل الشاغل للتقليد هو صون الاتصال والحرص على الدوام: دوام الخصائص التي تميّز، والسّمات التي تطبع، والحقائق التي تُعتَنق، دوام اللغة التي نتكلمها، والعادات التي نألفها، والحقائق التي نعتنقها، والعبارات التي نلوكها، والآراء التي نتداولها.
***
الاتصال يعني سيكولوجياً الاجترار والتكرار، واجتماعيا الرتابة والروتين، وإيديولوجياً الدوكسا وباديَ الرأي، وزمانيا التقليد والماضي الجاثم، وأنطولوجيا التطابق والوحدة.
***
لطالما أبدى التقليد نفوره من كل المفهومات التي تعيّن شروخا في الكائن، مفهومات العتبة والقطيعة والفراغ والتحوّل، كي ينشغل بتكريس الفعالية التركيبية للذات، والحفاظ على مفهوم مبسّط متناغم عن الهوية، والإبقاء على الأنا كدوام ووحدة، وعلى التراث كتقليد واسترسال، وعلى التاريخ كامتداد وذاكرة.
***
بيّن فوكو أن التاريخ المتصل هو الحليف الذي لا محيد عنه للدور التأسيسي للذات الفاعلة، إنه ما يضمن لها استعادة كل ما ضاع منها، وما يؤكد أن الزمان لا يفرّق بين الأشياء إلا لكي يعيد إليها وحدتها، وما يعِد بأن كل الأمور التي أقصاها الاختلاف، في مقدور الذات الفاعلة - في صورة الوعي التاريخي- أن تتملكها ذات يوم، فتسود عليها وتجد فيها مأواها.
***
أن نجعل من التحليل التاريخي خطابا للمتصل، ومن الوعي البشري ذاتا فاعلة هي مصدر كل صيرورة ممارسة: هذان وجهان للمنظومة الفكرية نفسها. في هذه المنظومة يُنظر إلى الزمان كتوليد لكليات مُوَحّدة، وإلى الثورات كوعي بالذات.
فوكو
***
قامت الحداثة لتفكيك الاتصال، وإبراز ما بـ «داخله» من انفصال. قامت لإظهار الانشطار داخل هذه المواقع التي اعتبرت مواقع التماسك والوحدة بلا منازع.
***
ليست الحداثة مجرد إثبات للتحولات الكبرى في مختلف المجالات، وإنما هي وعي بأن الكائن في تحوُّل. إنها ليست، في نهاية الأمر، إلا الوعي بالحركة المتقطعة للزمن، بالجرح الذي لا يندمل للكائن. الحداثة هي اللحظة التي يفقد فيها الانفصال عَرَضيته ليصبح من صميم الوجود، ويغدو نسيج الكائن ولحمة الزمن.
***
التحديث حركة دؤوبة تطرح منطق الاتصال موضع تساؤل، فتفسح للتفرّدات فرصة الظهور، وتجعل من الخصوصية حركة لا متناهية للضمّ والتباعد، ومن الآخر مجالا مفتوحا للانفصال والالتقاء.
***
هناك مفهومان عن القطيعة: مفهوم وضعي يفصل فصلا نهائيا بين مرحلة وأخرى، بين عامل وآخر، ومفهوم يريد أن يكون مضادا يجعل القطيعة انفصالا لامتناهيا لا يفتأ يتمّ، وما ذلك إلا لأنه ينطلق من نفي الـ «حضور» والتحقق النهائي. بهذا المعنى فإن «جوهر» الانفصال لا يكمن في الفصل والقطيعة، وإنما في لا تناهي الفصل، ولا محدودية القطيعة.
***
ليست القطيعة هي حلول حاضر يجُبُّ ما قبله. القطيعة هي انفصال لامتناه، أي أنها حركة دائبة دائمة لا تنفك تتم. ليست القطيعة انفصالا بين حاضرين، بين حضورين، وإنما هي خلخلة للحضور ذاته. إنها إقحام للاّتناهي «داخل» الكائن.
***
لا يكون الحاضر كذلك إلا إذا تخلله الزمان، ولن يتخلله الزمان إلا إذا غدا حركة، ولن يكون حركة إلا إذا كان انفصالا وفراغات وقطيعة.
***
ليست الغاية من إثبات الانفصال تفتيت الهوية وإنما جعلها حركة وليس سكونا، خطّاً وليس نقطة، هجرة وليس عمارة، نسيانا وليس ذاكرة، تعدّدا وليس وحدة، اختلافا وليس تطابقا.
***
تكريس الانفصال يرمي إلى أن يغدو التفرد ضعيفا أمام قوة التعدّد، والتوحّد ضيقا أمام شساعة التنوّع، والاقتصار على الأنا فقراً أمام غنى الآخر، والانطواء على الذات سدّاً أمام انفتاح الآفاق، والانغلاق على النفس حدّا أمام لانهائية الأبعاد الممكنة، والاستقرار عند مقام بعينه ضياعا أمام رحابة التنقل، والاقتصار على الحاضر هزالا أمام كثافة الزمن.
***
ليس الاختلاف مجرد مفهوم أنثروبولوجي، وبالأولى جغرافي أو استراتيجي. إنه مفهوم أنطولوجي بفضله يتحدد الكائن كزمان وحركة، ويصبح بفضله التعدد خاصية الهوية، والانتقال والترحال سمة الذات، والانفتاح والتصدع صفة الوجود، والانفصال سمة الكائن.
***
ليس الترحال خروجا وتيهانا وتنقلا سهلا يجر صاحبه إلى أن يسبح في فراغ لانهائي، وهو ليس رفضا لكل تجذر، ودفعا لكل وحدة، وإنكارا لكل هوية. إنه خروج داخلي، وحركة مشدودة، وانفصال مرتبط، وتأصيل متجدد، وتشتت موحد، واختلاف متطابق. انه «سكون بخطى كبيرة».
***
ما كلّ تعلق بالماضي حوار مع التراث، وما كل ماض تراث. ذلك أن الماضي لا يغدو تراثا إلا عندما يورث، وهو لا يورث إلا عندما يُتملّك، ولا يُتملك، إلا عندما يغدو ذاتا، ولا يغدو ذاتا إلا عندما يصبح آخر.
***
ليس التأصيل تكرارَ تقليد محنَّط. التأصيل هو أن نجعل من لحظة الانفصال مركزا ننطلق منه لنجعل تاريخنا ينتظم حوله. إنه ارتباط بالأصول عن طريق الانفصال. وهو بداية متجددة ونشأة مستأنفة تجعل من الهوية حركة لامتناهية للضم والتباعد، ومن الآخر مجالا مفتوحا للاختلاف والالتقاء، ومن الذاكرة حاضرا يمتد بعيدا «حتى يبلغ المستقبل الذي يستجيب للماضي».

اقرأ أيضا