الاتحاد

تقارير

بريطانيا تراجع امتيازات دولة الرفاه

بين كوين
لندن


دفعت الحكومة البريطانية يوم الثلاثاء الماضي بمشروع قانون إلى البرلمان يهدف إلى وضع سقف مؤقت على الامتيازات الاجتماعية التي تضمنها دولة الرفاه، فاتحة بذلك المجال أمام سجال يُنتظر أن يلعب دوراً كبيراً في تحديد من سيفوز في الانتخابات العامة المقبلة، ولكن الخطوة أيضاً تنسجم مع المحاولات التي تجري حالياً في عموم أوروبا لمواجهة أسئلة حقيقية تطال طبيعة دولة الرفاه في القرن الحادي والعشرين، وكيف يمكن الاستمرار في تمويلها في وقت يعترف فيه اليمين وجزء من اليسار بأن الموارد المتضائلة تجعل من الصعب مواصلة النموذج الحالي لدولة الرفاه التي لم يعد بالإمكان دفع تكلفتها الثقيلة.
وفي تفاصيل مشروع القانون الذي طرحته الحكومة الائتلافية البريطانية المشكلة من المحافظين والليبراليين الأحرار على البرلمان البريطاني سيتم وضع سقف 1 في المئة كزيادة سنوية قصوى على الامتيازات الاجتماعية العديدة التي يستفيد منها البريطانيون، وهو ما يعني في الحقيقة خفضاً لتلك الامتيازات ما دام معدل التضخم السنوي يفوق النسبة المحددة.
وعلى رغم معارضة حزب العمال للمشروع ومعه بعض أعضاء حزب الليبراليين الأحرار فقد نجح مجلس العموم في تمريره؛ هذا وتطرح الحكومة المشروع باعتباره ضرورياً لحل معضلة الزيادة المطردة في نسبة الامتيازات التي يستفيد منها من يُنظر إليهم باعتبارهم ظلوا يتجنبون العمل خلال السنوات الخمس الماضية وذلك على حساب شريحة أخرى من الذين يكدون في العمل ويتحملون على نحو غير منصف عبء الضرائب.
وهذا التوصيف هو ما عبر عنه وزير المالية البريطاني، جورج أوزبرون، حينما قال: «أين العدل عندما نطلب من العامل الذي ينطلق في الصباح الباكر إلى عمله والجو ما زال معتماً دفع الضرائب حتى يستفيد جاره الذي يظل نائماً ليحصل على تعويضات البطالة».
ولكن معارضي هذه الخطوة الحكومية انتقدوا الصورة التي ساقها «أوزبرون» باعتبارها مثالا تقليدياً يستند إليه حزب المحافظين للتضحية بالفقراء ودغدغة عواطف شريحة من الناخبين يسعى لاجتذابها المحافظون كما حزب العمال، وهذا الأخير يشير إلى التقديرات التي تؤكد خسارة سبعة ملايين عائلة ما يقارب 165 جنيهاً أسترلينياً كل سنة بسبب الخطة الحكومية لتقليص نظام الامتيازات، ولا تقتصر المعارضة على حزب العمال وحده، بل تتجاوزه إلى بعض أعضاء الائتلاف الحكومي من الليبراليين الأحرار مثل «سارة تيثر»، عضو البرلمان والوزيرة السابقة للأطفال والأسر التي فقدت منصبها في التعديل الحكومي الذي جرى في شهر سبتمبر الماضي، حيث قالت: «كممثلة لأحد الأحياء الفقيرة في لندن أشعر بالقلق من السياسة الحكومية وسأصوت ضد المشروع في البرلمان».
ومن خلال تصعيد الخطاب قبل التصويت على المشروع يسعى حزب المحافظين إلى استغلال الفكرة السائدة التي تربط حزب العمال بدولة الرفاه المتقادمة، التي ما عادت تناسب العصر الحالي.
وفي هذا السياق أيضاً يعتمد المحافظون على مجموعة من استطلاعات الرأي التي تشير إلى تحفظ البريطانيين عموماً على مسألة دفع تعويضات لمن يتفادى العمل، حيث كشف استطلاع أجري في الأسبوع الماضي أن شخصين من أصل كل خمسة في بريطانيا يعتقدون أن الامتيازات مفرطة في سخائها، وثلاثة من بين كل خمسة مقتنعون بأن ثقافة من الاتكالية ترسخت بسبب المساعدات الاجتماعية، وهو ما دفع أحد الاتحادات العمالية التي كانت وراء استطلاعات الرأي إلى القول إن تأييد الرأي العام للإجراءات الحكومية المرتبطة بالحد من الامتيازات ينم عن جهله بمن سيتضرر من تلك السياسة.
ولكن في جميع الأحوال يعكس النقاش البريطاني حول كيفية التعامل مع دولة الرفاه في خضم الأزمة الاقتصادية نقاشاً مماثلاً يسود في عموم أوروبا، بل إنه نقاش، حسب الحكومة البريطانية، تتوفق فيه المملكة المتحدة على سواها داخل القارة، ففي البرتغال وإيرلندا واليونان التي تعتبر البلدان الأكثر تضرراً من الأزمة المالية في منطقة «اليورو»، تم إقرار تخفيضات كبيرة في الامتيازات الاجتماعية كجزء من الصفقة المبرمة مع صندوق النقد الدولي للحصول على المساعدات.
هذا في الوقت الذي انصرف فيه الرئيس الاشتراكي المنتخب مؤخراً في فرنسا، أولاند، إلى تحضير الفرنسيين لإدخال تغييرات جوهرية في واحد من أكبر أنظمة الرفاه في أوروبا، متعهـداً بخفـض عجـز الموازنـة إلـى 3 في المئة خلال السنة الجارية، قائلا: «علينا التعود على الأداء الجيد بتكلفة أقل».
وعن هذا الموضوع أيضاً أكدت «تروت مير»، أستاذة الاقتصاد بجامعة ساوثهامتون البريطانية والمتخصصة في أنظمة الرفاه الأوروبية، أنه على مدى السنوات العشر الأخيرة اتجهت الحكومات الأوروبية بمستويات مختلفة لتغيير أنظمة المساعدات الاجتماعية بما يتلاءم وثقافتها الخاصة وتجربتها التاريخية، حيث «ظلت دول شمال أوروبا الأكثر محافظة على معدلات العمل المرتفعة وإجراءات المساواة الصارمة، فيما تميل دول جنوب أوروبا إلى الهشاشة، أما ألمانيا ودول أخرى في أوروبا فقد تمسكت بنظام التأمين الاجتماعي المقتطع من الدخل».
وتضيف الباحثة أنه على رغم الاختلاف في الأنظمة الاجتماعية بين الدول الأوروبية تبقى التحديات متشابهة «ولذا تلجأ الحكومات إلى توسيع قاعدة العمل لدفع التكلفة الاجتماعية، وفي أغلب البلدان يتم إلغاء الامتيازات التي تقلص قاعدة العمل مثل التقاعد المبكر، فيما يتم التركيز على الإجراءات التي توسع تلك القاعدة مثل العناية بالأطفال لإفساح المجال أمام النساء للعمل».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا