الاتحاد

الملحق الثقافي

التباسات ما بعد الحداثة

محمد سبيلا

محمد سبيلا

بدأت الحداثة بطيئة الخطوات، ثم تضاعفت سرعتها بالتدريج. دينامو سرعة الحداثة هي التكنولوجيا التي أخذت تتسارع بمتوالية هندسية تتضاعف سنوياً، على أقل تقدير.
وقد انعكست سرعة التكنولوجيا على سرعة التاريخ، أي على سرعة تطور المجتمعات، وعلى درجة استيعابها وتمثلها واستعمالها للمبتكرات التقنية.
طالت سرعة التحولات كافة مناحي الحياة الإنسانية: الاقتصاد، السياسة، نمط العيش، الذهنيات والاستجابات الحسية، الأفكار والقيم...
تحكّم التكنولوجيا تحكم كلّي، فهي تمسك بكل أوصال المجتمع، وفق ما يسميه هيدجر (القشتال)، الذي يطبق على كل أنفاس الحياة الإنسانية. إنها حدث مؤسسٌ وجابٌّ.
وهذه التكنولوجيا تتسارع وتتقاذف لتشمل كافة مناحي الوجود الإنساني. ومن أهم عناصرها:
- تكنولوجيا الكون، المتمثلة في اكتشاف أبعاد الكون و»حدوده» اللانهائية، والسياحة الفضائية، ابتداء من النزول على سطح القمر، واكتشاف وجود مليارات المجرات المأهولة بمليارات الكواكب.
- تكنولوجيات الحياة، التخصيب في قارورات، الاستنساخ، تخزين السبرماتوزويد، صناعة كائنات حية من عدة خلايا، ومشروع مقاومة الشيخوخة وقتل الموت...
- تكنولوجيات الصورة والأقمار الصناعية، وإحاطة العالم بشبكات لا نهاية لها لنقل الأخبار والمعلومات والصور الحركية.
- تكنولوجيات النانو اللاّمتناهي الصغر.
- تكنولوجيات الاتصال والتواصل.
- التكنولوجيات الحربية.
- تكنولوجيات اللّعب واللّهو والتسلية والاستجمام.
- تكنولوجيات الإنسان الآلياو الروبوت ذي الملامح الإنسانية (humaoide)

إن اكتساح هذه التكنولوجيات لكافة نواحي الحياة لم يكن مقتصراً على المجتمعات الصناعية المتقدمة، بل إن من طبيعة التكنولوجيا الانتقال والانتشار، وهو ما طال المجتمعات التابعة، حيث اختلطت وتلاطمت عليها موجات الحداثة التكنولوجية. بل إن هذا الاختلاط تضاعف مفعوله بسبب ارتطامه بمجتمعات يحكمها ويؤثثها التقليد المتمسك بالحياة.
ومن الانعكاسات السياسية لتطور الحداثة في كل المجتمعات، توسع الرأسمالية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، بتصدير الديمقراطية والليبرالية، وتوزيعهما على كافة أنحاء العالم، وخاصة بعد سقوط المثال الاشتراكي.
كما أن اختلاط الموجات التقنية بالموجات الاقتصادية والسياسية يحدث تحولات اجتماعية عينية يُهيمن عليها الاستهلاك، الذي يتحول إلى آلية موازية للإنتاج، ويتجه إلى أن يصبح بمثابة المعنى الأساسي للحياة، ومصدر البهجة والابتهاج بالعالم.
ولعل أخطر ما ينتج عن الزواج الكاثوليكي بين التقنية والرأسمالية ليس فقط هو إكساب كل شيء معنى نفعياً وأداتياً، بل أيضاً وربما أساساً، من حيث الانعكاسات الثقافية، تباهت وتفتت المقدس، وفقدانه لوهجه وبريقه وجاذبيته، إذ تتم عملية توزيع وتقسيم عمل جديدة يتوزع فيها المقدس بين السياسة والرياضة والفنون، حيث يتكاثر الأبطال والنجوم والقادة، ويتقاسمون أقساطاً من المرموقية والتبجيل. لكن هذه السيرورة تقابلها سيرورات مضادة تتولد في المجتمعات التابعة.
ويتعرض الزمن نفسه لعملية تكييف وتحيين، حيث يصبح الحاضر واليومي هو الأفق القوي الجذاب. يقول بعض السوسيولوجيين أنه إذا كان زمن القدامة هو الماضي، وزمن الحداثة هو المستقبل، فإن زمن «ما بعد» الحداثة هو الحاضر الأبدي، بما يعنيه من انغماس كلي في الآن والمعيش اليومي، والمشاعر الجماعية المشتركة.

هذه التحولات المتسارعة، على كل هذه المستويات، يسرت القول بأن الأمر يتعلق بعصر جديد هو عصر «ما بعد» الحداثة، خاصة مع تراكم أشكال وأصناف انتقاد الحداثة.
بدا إذن وكأن البشرية المتقدمة دخلت في عصر جديد (بعضهم يتحدث عن قوس تاريخي، وآخرون عن حساسية ومزاج، وآخرون عن أخلاقيات...) نتيجة هذه التحولات العميقة والمتسارعة.
السمات الاجتماعية للعصر الجديد هي مركزية الحياة اليومية، ولذة العيش المشترك، والانفعالات المشتركة، والمتخيل الجماعي، وظهور نزعة قبلية (تحيُّزية) جديدة صغيرة، والفردانية الجموعية المنفتحة، والمزاجية الاستهلاكية المولدة للمتعة الفردية.
لكن عصر «ما بعد» الحداثة اكتسب سياسياً معالم متميزة، أهمها أفول، إن لم نقل إفلاس، قيمة ورمزية وفعالية الإيديولوجيات الكبرى (وخلفها السرديات الفكرية الكلاّنيَّة الكبرى)، وتضاؤل الرمزية الأخلاقية للسياسية تبعاً لذلك، وعلى المستوى الدولي تزايد أدوار وفعالية المؤسسات الدولية، وتضاؤل الحدود الجغرافية، وتفتت الحروب الكبرى إلى حروب صغرى، بالمباشرة أو بالوكالة، وازدهار الليبرالية الاقتصادية والسياسية... وتنامي مشروعية التعدد والتنوع، بدل استراتيجية التوحيد والتنميط والنمذجة.

اقرأ أيضا