الاتحاد

تقارير

«الفجر الجديد»... ميثاق المعارضة السودانية

عبدالله عبيد حسن
كاتب سوداني مقيم في كندا


أُعلن من العاصمة اليوغندية كمبالا في الأسبوع الماضي «ميثاق الفجر الجديد» في ختام اجتماعات جمعت بين قوى المعارضة السودانية.
الميثاق طرح للعلن في أعقاب الحوارات والمناقشات والاجتماعات الطويلة التي جرت بين أطرافه واستغرقت أشهراً ودارت خلالها مفاوضات شاقة ومجهدة، لأن القوى التي وقعت الميثاق بينها خلافات فكرية وسياسية معروفة. لكن بالصبر والاجتهاد استطاع قادة القوى السياسية السودانية المعارضة أن يقربوا وجهات النظر ويتجاوزوا الخلافات، وأن يتوصلوا إلى النقطة التي توحد بين هذه القوى جميعاً، وهي هدف إسقاط نظام «الإخوان المسلمين».
ميثاق الفجر الجديد جاء ببرنامج تفصيلي ورؤية شاملة للأزمة السودانية الراسخة جذورها، والتي زادتها عمقاً وخطورة فترة حكم نظام «الإنقاذ» العسكري السياسي. ولأن ميثاق الفجر الجديد الذي أذيع يوم الأحد الماضي، جاء مطولاً وحاوياً أدق التفاصيل ووضع تصوراً لفترة انتقالية مداها أربع سنوات، فإنه ليس من الممكن مناقشته والتعليق على كل ما جاء فيه من أفكار وبرامج في مثل هذه القراءة الأولية والمساحة المحدودة للكتابة في هذا الحيز من الصحيفة. لذلك فإن هذا المقال سيسلط الضوء على بعض النقاط التي نرى أنها هي لب الميثاق وجوهره:
أولاً: من القراءة الأولى سيلاحظ القارئ المتابع للأجواء السياسية السودانية في العقدين الأخيرين، أن ميثاق الفجر الجديد في جوهره هو تطوير وتفعيل جيد لمقررات أسمرا التي كانت هي الوثيقة الأساسية التي أجمعت عليها قوى «التجمع الوطني الديمقراطي» المعارض آنذاك، مع مراعاة حكم التاريخ بانفصال الجنوب وقيام دولة جنوب السودان المستقلة.
ثانياً: من الإنجازات التي حققتها اجتماعات كمبالا التي انبثق عنها ميثاق الفجر الجديد، أنها وحدت قوى المعارضة وضمت إلى صفوفها أحزاباً وقوى سياسية وعسكرية لم تكن ضمن قوى «التجمع الوطني الديمقراطي».
وفي اعتقادي أن أول وأهم إنجاز وطني تحقق هو ضم القوى العسكرية والسياسية الدارفورية. فمن مطالعة أسماء القوى الموقعة على ميثاق الفجر الجديد، يلاحظ المرء أن كل القوى العسكرية والسياسية (القوى الرئيسية في دارفور من حركات تحرير مثل: عبدالواحد، أركو مناوي، الدكتور جبريل إبراهيم).
لقد كان من هموم المشتغلين بالقضية الوطنية توحيد القوى العسكرية والسياسية الدارفورية ودمجها في حركة المعارضة على أساس برنامج يحقق طموحات الآلاف من النساء والشباب في دارفور واستعادة الإقليم مكانته الطبيعية كجزء من مكونات الجسم الوطني السوداني.
ثالثاً: من إنجازات ميثاق الفجر الجديد أيضاً أنه تجاوز مقررات أسمرا فيما يخص مستقبل الحكم السوداني، فقد أعلن الموقعون على الميثاق، وبشجاعة سياسية محمودة، أنهم يهدفون إلى إقامة «دولة فيدرالية تعددية»، بكل ما تحمله كلمة فيدرالية في علوم السياسة وأنظمة الحكم من معنى. فنظام الحكم الفيدرالي الحقيقي كان فعلاً هو الدواء الناجع لأزمة السودان القديمة. لكن غفر الله لآبائنا القادة السياسيين ومن تبعهم من حكام السودان، إذ كانت كلمة «الفيدريشن» في نظرهم مؤامرة استعمارية عندما نادى بها السياسيون الجنوبيون في الجمعية التأسيسية الأولى.
وأهم من تسمية الدولة الفيدرالية التعددية (في ميثاق الفجر الجديد)، أن الميثاق يذهب في تصوير هذه الدولة الاتحادية (الفيدرالية) إلى أدق التفاصيل، مما يطمئن أهل الهامش ويزيل الخوف التاريخي من سيطرة المركز على بقية أقاليم السودان. وحسناً فعل موقعو الميثاق عندما قرروا والتزموا بإعادة التقسيم القديم إلى تسع مديريات.
رابعاً: اقتصرت المشاركة في كتابة الميثاق والتوقيع عليه على الأحزاب السياسية التاريخية. فقد اعترف الميثاق بتنظيمات المجتمع المدني وتنظيمات الشباب والنساء وأفرد لها جميعاً مساحة واسعة في دولة الفجر الجديد، والتزم بأن يكون للمرأة السودانية ثلث المقاعد في كل مستويات الحكم والوظائف الحكومية، وأفرد الدستور الانتقالي للمرأة والشباب ومنظمات المجتمع المدني حيزاً كبيراً وأسبغ الحماية الدستورية عليهم.
خامساً: لقد اعترف الميثاق بالأحزاب الصغيرة وأشركها في صياغة نصوصه والتوقيع عليها، كما رحّب بالوطنيين من الشجعان المختلفين مع قيادات أحزابهم التي طردتهم من مكاتبها السياسية لاعتراضهم على مناورات وألاعيب أولئك القادة».
سادساً: ثبّت الميثاق مبدأ النضال ضد حكم «الإخوان» على جبهتي النضال السلمي والنضال العسكري، وهو واقع تعرفه الحكومة والمجتمع، فالذين يحملون السلاح الآن في جنوب كردفان (جبال النوبة) وفي النيل الأزرق، لم يعتدوا على السلطة بل كانوا شركاء معها بنص اتفاق «نيفاشا» والبروتوكولات الخاصة بهذه المناطق الملحقة في الاتفاق، وعندما طالبوا بحقوقهم المشروعة كان رد السلطة عليهم معروفاً.
إن الحيز المتاح لا يسمح بالإطالة في الكتابة عن «ميثاق الفجر الجديد» ولابد من العودة مرة أخرى لقراءته ومناقشة الردود السلبية أو الإيجابية عليه.
وبقيت كلمة أخيرة، فقد سارع متحدث باسم حزب «المؤتمر الوطني» بعد ساعات من إذاعة الميثاق، بشن هجوم كاسح على الموقعين على الميثاق، وهدد بإعادة النظر في تسجيل الأحزاب التي وقع ممثلوها على الوثيقة الجديدة.
لكن التهديد والاتهامات، لم تعد تقنع أغلبية الشعب السوداني.

اقرأ أيضا