الاتحاد

الملحق الثقافي

عُلُوُّ الأزمنة

المشدود إلى الماضي سيعاني سَرَاب الإحساس بالزمن الحاضر كانحطاط شامل (أرشيفية)

المشدود إلى الماضي سيعاني سَرَاب الإحساس بالزمن الحاضر كانحطاط شامل (أرشيفية)

كتابة - خوسيه أورتيغا إي غاسيت
ترجمة المهدي اخريف

يكتسي هذا النص الفلسفي لخوسي أورتيغا إي غاسيت (مدريد 1883-1955) أهمية خاصة في فلسفة التاريخ الحديثة لأنه يعيد قراءة التاريخ الأوربي من منظور المنهج الحيوي الوجودي الذي ميز أعماله الفلسفية الأخيرة. ينتمي «علّو الأزمنة» إلى كتابه «تمرد الحشود» الذي يقدم قراءة فلسفية في وضع سياسي واجتماعي طارئ على أوروبا في بداية القرن العشرين إلا أنه النص الوحيد الذي يقدم قراءة فلسفية تجاوز «تمرد الحشود» لتصل الحاضر بالماضي وتفتح أفقا جديدا لأسئلة جديرة بالتأمل ليس فحسب على مستوى الحقل الفلسفي بل على المستوى الحضارة الأوربية والإنسانية عامة في العصر الحديث.

إنَّ هيمنة الحشود تمثِّل انحداراً «طبيعياً» حالما تعني صعوداً لِكلِّ المستوى التاريخي، وتظهر أن «الطبقة الوسطى» تتحرَّك اليوم على ارتفاع أعلى مِنْ ذاك الذي كانت تقف عليه أمس مِمَّا يجعلنا نَدْرك أنَّ الحياة يُمْكِنُ أن تملك ارتفاعات متباينة، وأنها عبارةٌ مفعمة بالمعنى تلك التي يتكرَّر استعمالها بلا معنى كُلَّما جَرَى الكلام عن علو الأزمنة. يَجدُر بنا أن نتوقّف عند هذه النقطة لأنَّها تُتيح لنا طريقةً لإمعان النظر في إحدى السِّمات الأكثر إِدْهاشا لحقبتنا.
يُقال، مثلاً، إن هذا الشيء أَوْ ذاك لَيْس مِن صُلْب علو الأزمنة. وبالفعل: لا نقصد الزمن المجرَّد الكرونولوجي المسطَّح وإنَّما الزمن الحيوي، ذلك الذي يُسمِّيه كُلُّ جيل من الأجيال المتعاقبة «زَمننا نحن» هو الذي يمتلك دائماً نوعاً من العُلوِّ. فاليوم قد يعلو على الأمس أو يبقى مساوياً له أو يتدَّنى دونه. إن فكْرة التدنّي أو الهبوط، مَلْفُوفةً في لفظة انحطاط، مشتقّةٌ مِنْ هَذَا الحَدْس. وعلى النحو ذاته يحسُّ كل واحد، بكثير أوْ قليل من الوضوح بالعلاقة التي يجد حياته نفسها فيها مرتبطة بالعلو الزمني في انصرامه وجريانه.

نحن والماضي
ثمة من قَدْ يشعر إزاء أشكال الوجود الراهنة كأنه غريق يكافح ليطفو فوق الماء بلا جدوى. إنَّ السُّرعة الزمنية التي تَمُّرُّ بها الأشياء والاندفاع والطاقة التي يُصنع بهما كل شيء، كُلُّ ذلك يُقلق الإنسان المشبَّع بِعَادات القديم وهذا القلق هو المقياس الدالُّ على الاختلال بين ارتفاع نبضه وارتفاع إيقاع عصره. إنَّ مَنْ يعيش بامتلاء وارتياح أَشْكالَ الحاضر يملك الوعي بالعلاقة بين علو زمننا وعلو حِقَب الماضي المتعدّدة. فما هي تلك العلاقة؟
كان خطا شائعاً ذلك الذي افترض دائماً أنَّ إنسان حقبة معينة يشعر بأَنَّ الحقب الماضية هي أدنى مستوى من حِقْبته لمجرَّد أنَّها ماضية. حسبنا أن نتذكَّر هنا جملة خورخي مانريكي التي تقول:
كُلُّ زَمن مضى
كان الأحسن على الدوام
لكن هَذَا أيضاً لَيْسَ صَحِيحاً فَلَا الحِقَب كُلُّها اعتُبرت أدنى مِنْ بَعْض ما سَبَقَها ولا هي كُلُّها عُدَّت أعلى من حقب ماضية متذكَّرة. كُلُّ حقبة تاريخية تمنح انطباعاً مختلفاً إزاء تلك الظاهرة الفريدة، ظاهرة الارتقاء الحيوي. وَإِنَّني لَأندَهش مِنْ عدم توقُّف المفكرين ومؤرِّخي الحقب بتاتاً عند هذه المَسْألة الجوهرية الماثلة بجلاء.
إنَّ الانطباع الذي أعرب عنه خورخي مانريكي كان الأكثر عموميَّة. بالنسبة إلى القسم الأكبر من الحقب لم يَبْدُ لهم أنَّ زمنهم أَعْلَى مِنْ أَزمنة أخرى أقْدَم بالعكس. المعهود غالباً كان هو مَيْلُ الناس إلى التعلُّق دائماً بِماضٍ غامض حَوَى أزمنة سعيدة احتضنت وُجُوداً أَكْمَل وأجمل: هو «العصر الذهبي» بالنسبة إِلَى المتشبعِّين بالثقافة الهيلينية والرومانية، وهو الألْشِرِينْغَا عِنْد البدائيين الأستراليين.
هذا يُظهر أنَّ أولئك النَّاس كانوا يشعرون بأنَّ نَبْض حياتهم يَنْقُصه الامْتلاء، أنّه منخفضٌ عَاجِزٌ عن مَلْءِ مجرى الأوردة بالكامل. لذلك تعلّقوا بالماضي، بالأزمنة «الكلاسيكية» التي مَثَّلت بالنسبة إليهم وُجُوداً أوسع وأغنى وأكمل وأصعب مِنْ زمنهم إذ بنظرتهم إلى الوَرَاءِ وتخَيُّلهم تِلك القُرُون المجيدة بَدَا لهم أنَّهم دُونَها مَنْزلة وقيمة. مُنْذَ مائة وخمسين عاماً بَعد ميلاد المسيح عَرَف هذا الشعور بالانكماش والدونية مزيداً من الترسُّخ والاتساع وليس العكس في الإمبراطورية الرومانية. كان أُوراسيو قد تغنَّى بالقول: «إِنَّ آباءنا كانوا أسوأ من أَجدادنا فَجعلونا نحن أكثر انحطاطاً منهم». (أناشيد الكتاب الثالث) بَعْد قرنين مِنْ بَعْدُ، لم يَبْق في كُلِّ الإمبراطورية ما يكفي من الإيطاليين المتوسِّطي الشجاعة مِمَّن يستطيعون مَلْءَ الساحات، مِمَّا اقْتَضَى لِأَجْل هَذِه المهمة كِراء دَلْمَاسيين (نسبة إلى منطقة في النمسا) وبعدئذٍ، بَرَابر من الدَّانوب والرَّاين، وفي غضون ذَلِكَ أصيبت النساء بالعُقْم فَخلَتْ إيطاليا من سُكَّانِها.

أزمنة الامتلاء
لِنَرَ الآن إلى مستوى آخر من الحقب تميّزت بطابع حيويِّ معارض تماماً لتلك الحقبة الرومانية. يتعلَّق الأمر بظاهرة جديدة شَديدة الغرابة يهمنا جدّاً أن نعرّف بها: فَقَبْلَ ثلاثين عاماً لا أكثر كان السياسيون يَخْطبون أمام الحشود الغفيرة مُنَدِّدين بهذا الإجراء الحكومي أوْ ذاك باعتباره دُون مستوى الأزمنة. مِن المثير التذكير بأنَّ هذه العبارة نفسها وَرَدَتْ في رسالة تراخانو الشهيرة إلى بيلينيو لَمَّا نَصَحه بِأَلَّا يُلَاحِقَ المسيحيين بمقتضى الإبلاغات المجهولة. ثمة، إذن، العديد مِن العصور في التاريخ توافر لديها الإحساس بكونها على وشك الوصول إلى عُلوٍّ مكتمل نهائي. إنَّها الأزمنة التي يَسُود فِيهَا الاعْتقاد بالوصول إِلَى نهاية رحلة اكتملَتْ فيها مهمة قديمة وَأُمْنية كل العصور. ذلك هو «اكتمال الأزمنة»، النضج التَّامّ للحياة التاريخيّة. منذ ثلاثين عاماً، بالفعل، اعتقد الأوروبي أن الحياة الإنسانية وَصَلَتْ إلى ما كان يجب أن تَصِلَ إليه، إِلَى ما ظَلَّتْ أجيالٌ كثيرة متعاقبة تتوق إلى تحقّقه، إلى ما يجب أن يستمر على الأبد. إنَّ أزمنة الامتلاء يأتي الشعور بها بصفتها نتيجة لِأزمنة تحضيرية كثيرة سبقتها ولأزمنة أخرى مِن الامْتلاء، متراكمةً فوقها رُكِّبَتْ هذه اللحظةُ المكتملة النّموِّ.
إن تِلْك الحقب التحضيرية التمهيدية إذا نظرنا إليها مِن عُلُوِّها بَدَتْ كَما لو فيها عيشَ ذلك الحماسُ وتلك الرغبة التي لم تتحقَّق؛ ومِنْ ثَمَّ تميَّزت بكونها فحَسْبُ أزمنةَ الرغبات غير الملبّاة، أزمنة التباشير المضطرمة، أزمِنة «لم يَحِن الأوان بعد»: التَّعارض المؤْلم بَيْن تطلُّع وَاضح وَوَاقع مُمانع تلك كانت نظرة القرن 19 والعَصْر الوسيط. أخيراً يأتي اليومُ الذي تبدو فيه تلك الرغبة القديمة الألفيّة أحياناً واقعاً مكتمل التحقُّق؛ وصلنا إلى العُلوِّ المقابل، إلى الهدف المسبق، إلى قِيمّة الزّمن «لم يحن الأوان بعد» حَلَّ محله «وأخيراً».
ذلك كان الانطباع الذي تكوَّن لدى آبائنا وَكُلِّ المنتمين إلى قرنهم. لا ينبغي أن ننسى؛ زمننا نحن يأتي بَعْد زَمن امتلاء. مِن هنا فإنَّ من يَبْقى منشَدّاً بلا انفصام إلى الضفة الأخرى، إلى ذلك الكمال «المطلق» الذي مضى منغرساً فيه كُليَّةً بِبَصرهِ، سيعاني من سَرَابِ الإحساس بالزمن الحاضر كسُقُوطِ مِن عَلْيَاءِ ذلك الامتلاء، كانحطاط شامل.
لَكِنْ بالنِّسبة إلى شَغُوفٍ محنَّك بالتاريخ عَارِفٍ بالقِوَى المحرّكة للأزمنة لا يمكن أَنْ ينخدع بِصُورة تلك «الامتلاءات» الافتراضية.
إن العنصر الجوهري اللازم لظهور «امتلاء الأزمنة» يقتضي وجودَ رغبة قديمة قادمة بانجراف توّاق عُصَابيٍّ طوال كَيْما تَسْعَد أخيراً بتحقُّقها ذات يوم. إن تلك الأزمنة الممتلئة بالفعل هي أزمنة مغتبطة بذاتها؛ أحياناً يبلغ اغتباطُها الذُّروة كما في القرن الواحد والعشرين. لكنَّنا الآن ندرك أنَّ تلك الأزمنة الرَضيَّة الموفَّقة هي ميِّتة مِن الداخل. فالامتلاء الحيوي الصحيح لا يتمثَّل في الرِّضا، في النجاح، في الوصول. سبق لـثربانتيس أَنْ قال: «الطريق دائماً أفضل مِنَ الإقامة». ذلك أَنَّ زمناً أَشبع رغباته وَمُثُله لم يَعُد راغباً في شيء. لقد جفَّ ينبوع الرغائب لديه، بمعنى أَنَّ الامْتلاء الشهير هو في الواقع نِهاية. ثمة قرونٌ لعدم معرفتها بتجديد رغباتها تَمُوت مِنَ فَرْط غبطتها، كما يموت اليَعْسوبُ المحظوظ بَعْد التّحليق الزّفافي.
مِنْ هنا المُعْطى المُذْهل في كون هذه المراحل الموسومة بالامتلاء جرى الإحساس في أعماقها بكآبة شديدة الخصوصية.

تلفيق
إنَّ الرغبة التي ظَلَّت تكبر شيئاً فشيئاً في رَحِم القرن الوحد والعشرين والتي بَدَا أنَّها اكتملَتْ أخيراً هي تلك التي أسماها القرن نفسه: «الثقافة الحديثة»، ما يعني أنَّ الاسم مُقْلق في حَدِّ ذاته: فتسمية عَصْرٍ ما لنفسه «حديثاً» مُثير للتساؤل، لأن «حديث» تَعْني: أخير، نهائيّ، بِما يجعل كُلّ العُصور الأخرى التي سَبَقته تَبْدو كمُجرَّد تمهيداتٍ وتحضيرات مُتَواضِعَة مهيِّئة لمجيئه...
ألا تُتلَمَّسُ هنا العلاقة الجوهرية بين زمننا وذاك الَّذي غاب؟ بالفعل نحن لا نحسُّ بأنَّ زمننا نهائيٌّ، بالعكس في جذوره نفسها يُوجَد، على نحو غامضٍ، الحَدْسُ بعدم وجود أزمنة نهائية أكيدة متبلِّرة، بل بالعكس، بأنَّ نموذجاً من الحياة اِسْمه «ثقافة حديثة» يُعَدُّ نهائياً يَبْدو لنا غير قابلَ للتصديق. وبإحساسنا بالمسألة على هذا الشكل يتكوَّن لدينا انطباع لَذيذ بِكَوْننا أَفْلتْنَا مِن نطاق ضَيِّق مسدود تماماً واسْتَعَدْنا وجودنا الحرَّ تَحْتَ أَنْجُم العالم الفعلي العميق الرهيب اللا متوقع اللا منتهي حيث الكُلُّ ممكنٌ: الأحسنُ والأسوأ.
إنَّ الإيمانُ بالثقافة الحديثة كَان مَدعاةً للكآبة: كان يَعْني المعرفة بأن الغَد سيكون في كلّ ما هو جوهريّ مماثلاً لليوم وأنَّ التقدُّم هو السّيْر عَبْر الديمومات كلِّها في طَريق مطابق لذاك مَشَتْ عليه أقدامنا. إنَّ طريقاً كهذا هو بالأحرى سِجْنٌ مُمَّطط، يتمدّد بِدُون أَنْ يُحرِّرنا.
لَمَّا كان أَحَد القَروِّيين الأذكياء في بدايات الإمبراطورية الرومانية يَصِلُ إلى روما لنفترض أنه لوكانو، أَوْ سينيكا ويَرَى البنايات الإِمْبراطورية العظيمة كَرَمْز لسلطة مطلقة نهائية، كان يشعر بتقبُّض في القلب. إذ لا جَديد يُمكن أنْ يحدث بَعْدُ في العالم. رُومَا كانت خالدة.
وَلَوْ كان ثمة في الخرائب حُزْنٌ قدِّر له أن يَصْعد منها كما يَصْعَد البخارُ مِنَ المياه الميِّتة، لشَعر القرويُّ الحسَّاس بِحُزنٍ لا يَقلُّ شدّة، وَإِنْ بدلالة معكوسة، حُزنِ الأبنية الخالدة.
أَمَامَ هذا الموقف المؤثِّر ألا يبدو انطباع عصرنا مشابهاً بوضوح لفرح الصّغار وضوضائهم بَعْد هروبهم مِنَ المدرسة؟ اليوم نحن نَعْرف ما سيحدث في العالم غداً وذلك يُفْرِحنا بدون أن نفصح عن ذلك؛ لأنه ولكونه أفقاً مفتوحاً دائماً على كل الاحتمالات، فهو الحياة الأصلية. هو الامتلاء الحقيقي للحياة.

الانحطاط
هذا التشخيص – ينقصه حَقّاً نصفُه الثاني – يُخالف التَّباكيات مِن الانحطاطات مِمَّا يملأ الكثير مِن صفحات الكتَّاب المعاصرين. يتعلَّق الأَمْرَ بخطأٍ بَصَريٍّ ناشئ مِن أسباب متعدِّدة. سَنَرى بعَضاً منها؛ لكنني أريد أَنْ أستبقها بِذكْر أَوْضَحها، إنها آتية حسب رأيي مِن أَنَّهُم، بتشبثهم بإديولوجية معينة لا يَرَوْن مِن التاريخ إلَّا السياسة أو الثقافة بدون أن ينتبهوا إِلى أنَّ ذلكَ كُلَّه ليس إلَّا سطح التاريخ، أنَّ الواقع التاريخي هو قبل ذلك وأعمق من ذلك، تعطُّشٌ حماسٌ خالص للعيش، قوَّةٌ مشابهة لتلك الطاقة الكونية؛ ليست هي ذاتها طبعاً لكنها تماثل تلك التي تهيِّج البحر، تُخْصِب الوَحْش، تُنْبِتُ الزهرة في الشجر وتهزُّ النجم في عليائه. إزاء تَشْخيصات الانحطاط الراهنة أقدِّم الاستدلال الآتي:
مِن الواضح أنَّ الانحطاط هو مفهوم مُقَارِن يهبط مِن وضع أَعْلى إلى وَضْع أَدنى. حسنا: يمكن القيام بتلك المقارنة عَبْر زوايا النظر الأكثر اختلافاً وتنوّعاً مِمَّا يمكن تخيُّله. بالنسبة إلى صَانع بَزَّازات العَنْبر يبدو العالم في انحطاطٍ متفاقم مَا دَام الناس قد أقلعوا، إلَّا القلَّة، عن التدخين بواسطة بَزَّازات العنبر. ثمة زوايا نظر أخرى عديدة أَدْعى للاحترام من هذه لكنَّها في الواقع تَبْقى جزئية تعسفيّة وخارجية بالنسبة إلى الحياة نَفْسها التي يُرَاد تقييمها. ليس ثمة سوى وجهة نظر واحدة مبرّرة وطبيعيّة: الإقامة في تلك الحياة بتأمُّلها من الدَّاخل ورؤية ما إذا كانت هي تُحسُّ بذاتها منحطّة أَي ضعيفة غَثَّة وخرقاء.
لكن حتى بالنظر إليها من داخلها كيف لنا أن نعرف بأنَّ حياةً ما تشعر بنفسها منحطَّة أو غير منحطّة؟ بالنسبة إليّ لا شك عندي في الأمارة الحسنة: إِنَّ حياة لا تُفضِّل أيَّ حياة أخرى قبلها، بل لا تُفضِّل أيَّ قَبْلٍ، لكونها بالطبع تفَضِّل نفسها هي، لا يمكن أن نُسَمِّيها مُنحطَّة بأيِّ معنى من المعاني. وَهُنا «بيت القصيد» من جولتي هذه حول مشكلة عُلّوِّ الأزمنة. ذلك أنَّ بهجتنا تتوقف بالضبط عند هَذه النقطة من هذا الانطباع العَجيب جداً، وهو أنني عرفت العصر الوحيد الفريد حتى الآن في التاريخ المعروف الذي يَملك مزايا الزَّمنَ الممتلئ. في صالونات نهاية القرن الماضي اعتادت النساءُ صحبة شُعَرائهن المدرَّبين في لحظات معينة وعلى نحو دائم تبادل إلقاء هذا السؤال: في أيّ عصر لو خُيِّرتَ، تودُّ أن تعيش؟ وهُنا كان على كلِّ واحد أَنْ يَمْضي مُتسكِّعاً، خيالياً بالطبع، عَبْر مسارات التاريخ بحثاً عن زمنٍ يضع فيه صُورة وُجُوده حَسَب ما يُوافق هواه. ومع ذلك، مع توافر الإحساس بالإشباع، فإنَّ ذلك القرن يبقى، بالفعل مشدوداً إلى الماضي. معتقداً أنه على أكتافه محمول، وهو ما يُظهر، فعلاً، الأوْجَ السيَّادي للماضي. مِنْ هنا نفهم لماذا لا يزال الاعتقاد قائماً بالإيمان بتفوُّق حقب كلاسيكية نسبيّاً _ قرن بيركليس، عصر النهضة – حيث تأسَّست القِيَمُ العقلانية الكبرى السارية المفعول إلى اليوم. هذا وحده كافٍ لجعلنا نرتاب في أزمنة الامتلاء؛ أزمنة ذاتَ وجه متجِّه إلى الوراء، ناظرة إلى الماضي الذي يكتمل بها...
والآن حسناً، ماذا سيقول بصراحة أيُّ رَجُل يمثِّل الحاضر إذا طرِح عليه سؤال مشابه؟ لا شك عندي في أن أيّ ماض، بدون استثناء أيّ حقبة، سيمنحه الانطباع بدخوله نطاقاً ضيّقاً لا يستطيع فيه التنفس، بمعنى أنَّ إنسانَ العصر الحاضر يشعر بأنَّ حياته هي الحياة الحقَّة بما لا يُقاس بكلِّ الحيوات القديمة، أو بعبارة معكوسة، بأن الماضي بتمامه يبقى عنده صغيراً بالنسبة إلى الإنسانية المعاصرة. هذا الحدس بحياتنا اليوم يُلغي بوضوحه الجوهري كل تلك الدراسات حول الانحطاط ما لم تكن شديدة الاحتراس.
لقد بتنا نشعر اليوم بكيفية طارئة بأن حياتنا أكبر من كل الحيوات السابقة، كَيْف يمكن الإحساس إذن بالانحطاط؟ بالعكس تماماً: مَا طرأ هو أن إحساسنا الخالص بحياة أكبر أفْقَدَنا كُلَّ احترام وكُلَّ اهتمام بالماضي. من هنا نجد أنفسنا للمرة الأولى في عَصْر يَضْرِبُ صفحاً عن كُل كلاسيكية ولا يعترف تباتاً بأيّ ماض يمكن اتّخاذه نموذجاً أو قاعدة. ويبدو بَعد قرون عديدة مِن انقطاع التطور أننا قد وصلنا، مع ذلك، إلى بداية ما، إلى فجرْ جديد، إلى طفولة. وإذا ما نظرنا اليوم إلى الوراء يبدو عصر النهضة زَمناً مَحْدوداً جدّاً، قرويّاً، ومصطنعاً.
منذ زمن كنت لخصَّتْ الوضع على النحو التالي:
«إن هذا الانفصال الخطير للماضي والحاضر هو من صُنْع عَصْرنا الذي فيه يقيم الارتياب الغامض قليلا أو كثيراً والذي يغذّي الاضطرابَ المميّز لِحَيَاتِنا في هذه السنوات. نشعر بأننا بغتةً بقينا، نحن رجالَ الراهن، وحيدين على هذه الأرض وأن الأموات لَمْ يموتوا على سبيل المزاح، بل مَاتوا تماما ونهائياً وأنهم لم يَعُودوا قادرين على مساعدتنا.
ما تبقَّى من الرُّوح التقليديّة تبخَّرَ؛ النماذج، القواعد، المُثُل، لا تفيدنا في شيء، علينا أَنْ نجد حلولاً لمشاكلنا في راهننا الحيِّ، بِدُون أَيِّ مشاركة مِن الماضي – سواءٌ في الفن أو العلم أو السياسة. – الأوروبيُّ أصْبح وحيداً بدون أموات أحياء بجانبه...
فأي معنى إذاً لِعُلوِّ زمننا؟
إنه ليس هو امتلاء الأزمنة، ومع ذلك، يُحَسُّ بأنه فوق كل الأزمنة وأعْلى مِنْ جميع الامْتلاءات المعروفة. ليس مِنَ السَّهل صياغة الانطباع الذي يملكه عَصرنا عن نفسه: إنه يرى بأنه أكبر مِن سواه من العصور، وفي الآن نفسه، يشعر بذاته كبداية بدون أن يكون على يقين بأنه ليس مجرَّد احتضار. أي تعبير نختار له؟
رَبَما هذا التعبير: أَعْلَى مِنْ بقية الأزمنة وَأدْنَى مِن ذاته. قويٌّ جداً وفي الوقت نفسه غَيْرُ متأكِّد مِنْ مصيره. مُزْهُوٌّ بِقُدراته ومتخوِّف منها في آن واحد.

مساءلة الحضارة
ينتمي «علّو الأزمنة» إلى كتابه «تمرد الحشود» الذي يقدم قراءة فلسفية في وضع سياسي واجتماعي طارئ على أوروبا في بداية القرن العشرين إلا أنه النص الوحيد الذي يقدم قراءة فلسفية تجاوز «تمرد الحشود» لتصل الحاضر بالماضي وتفتح أفقاً جديداً لأسئلة جديرة بالتأمل، ليس فحسب على مستوى الحقل الفلسفي، بل على المستوى الحضارة الأوروبية والإنسانية عامة في العصر الحديث.

نحو الاكتمال
منذ ثلاثين عاماً، بالفعل، اعتقد الأوروبي أن الحياة الإنسانية وَصَلَتْ إلى ما كان يجب أن تَصِلَ إليه، إِلَى ما ظَلَّتْ أجيالٌ كثيرة متعاقبة تتوق إلى تحقّقه، إلى ما يجب أن يستمر على الأبد. إنَّ أزمنة الامتلاء يأتي الشعور بها بصفتها نتيجة لِأزمنة تحضيرية كثيرة سبقتها ولأزمنة أخرى مِن الامْتلاء، متراكمةً فوقها رُكِّبَتْ هذه اللحظةُ المكتملة النّموِّ.

اقرأ أيضا