الاتحاد

تقارير

في 2013.. المكسيك أضاءت الطريق

من بين جميع الأحداث التي وقعت في أميركا اللاتينية عام 2013 فإن أكثرها تأثيراً إيجابياً على المدى الطويل - إذا طبقت بشكل ملائم- هو الاتفاق بين الأحزاب الثلاثة الأكبر في المكسيك على إصلاحات أساسية.
ومن المؤكد أن ما يطلق عليه «الميثاق من أجل المكسيك»- وهو اتفاق بين الأحزاب الأكبر في المكسيك أبرم في ديسمبر عام 2012- قد تم نقضه بالفعل. فقد تخلى الأعضاء اليساريون عن الاتفاق في الآونة الأخيرة بسبب الاختلاف على الإصلاح في مجال الطاقة الذي تم الاتفاق عليه حديثاً والذي سيفتح المجال في صناعة النفط المكسيكية أمام القطاع الخاص ليستثمر فيه لأول مرة منذ 70 عاما.
ومن المؤكد أيضاً أن الإصلاحات التي تم الموافقة عليها حديثاً في «الميثاق من أجل المكسيك» في مجالات التعليم والعمل والاتصالات والمال والطاقة قد تصبح أقل قوة تحت ضغط جماعات المصالح الخاصة المختلفة في المستقبل القريب عندما يصدر الكونجرس المكسيكي لوائح تنظيمية لتطبيق القوانين الجديدة.
ومن الصحيح أيضا أن حزب الرئيس انريك بينا نيتو، الحزب الثوري المؤسسي الحاكم الذي تصدر الموكب في الطريق إلى الإصلاحات الجديدة يستحق عن جدارة قلادة الخداع السياسي لعرقلته بشكل منهجي هذه الإصلاحات نفسها عندما كان في صفوف المعارضة. لكن الحقيقة تظل أنه في عام 2013، أصبحت المكسيك هي البلد الوحيد في قارتي أميركا اللاتينية وأميركا الشمالية بما في ذلك الولايات المتحدة، الذي خرجت فيه الحكومة وأحزاب المعارضة عن حالة الشلل السياسي ليوافقوا على إصلاحات عميقة قد تسرع بإيقاع التنمية في البلاد لعقود مقبلة.
وهذا ليس إنجازا قليل القيمة في إقليم ينظر فيه الرؤساء، رئيس فنزويلا على سبيل المثال، إلى زعماء المعارضة السياسية السلمية باعتبارهم «أعداء الوطن» وتعطل فيه بعض التكتلات البرلمانية حركة البلاد مثل ما فعله الأعضاء الجمهوريون في حزب الشاي في مجلس النواب الأميركي الذين كادوا أن يصلوا بالبلاد إلى حالة الشلل التام بدأبهم على عرقلة معظم مساعي الاتفاق.
ودعنا ننظر إلى ما حققه الاتفاق المكسيكي بين الحزب الثوري المؤسسي وحزب “العمل الوطني” من يمين الوسط وحزب الثورة الديمقراطية من يسار الوسط في 2013 قبل نقض الميثاق بحكم واقع الحال:
-الإصلاح التعليمي: أقرت الأحزاب السياسية المكسيكية قانوناً في سبتمبر أيلول الماضي سوف يقضي على تحكم نقابات المعلمين التي كانت صاحبة نفوذ كبير ذات يوم في النظام التعليمي. وسوف يسمح القانون لأول مرة بتوظيف وترقية بل وفصل المعلمين الجدد بناء على اختبارات قياسية وتقييمات دورية. وحتى الآن لدى المكسيك آلاف المعلمين الذين لا يمكن فصلهم حتى إذا تقاعسوا عن مجرد حضور الحصص الدراسية.
- الإصلاح السياسي: وافق الكونجرس المكسيكي على تغيير القوانين الانتخابية للسماح بأعضاء في الكونجرس في المستقبل بأن يعاد انتخابهم وتخصيص نصف مقاعد البرلمان للسيدات. فلطالما طالبت جماعات الناخبين بضرورة إعادة انتخاب المشرعين لأنهم يقولون إنه دون إعادة الانتخاب فإن النواب لا يشعرون بأنهم مسؤولون تجاه ناخبيهم بل أمام رؤساء أحزابهم.
- الإصلاح المالي: أقر الكونجرس المكسيكي بدعم كبير من حزب الثورة الديمقراطية من يسار الوسط قانوناً مالياً يزيد الضرائب على الأكثر ثراء ويفرض ضريبة جديدة على المشروبات الخفيفة ومكاسب البورصة.
- إصلاحات في قوانين العمل: في أكبر إصلاح لقوانين العمل في أربعة عقود، أقر الكونجرس المكسيكي قانونا استهدف أن ييسر على أصحاب العمل عملية توظيف وإقالة العمال. وقصد القانون أن يدفع ملايين الأشخاص إلى الخروج من سوق الاقتصاد غير المشروع.
- إصلاح الاتصالات: بموجب القانون الجديد ستحاول وكالتان تنظيميتان جديدتان تحقيق المزيد من المنافسة في مجال صناعة الاتصالات التي سيطرت عليها شركات يمتلكها المليادير كارلوس سليم.
- الإصلاح في الطاقة: إصلاح الطاقة الجديد في المكسيك - وهو الذي حظي بتغطية في وسائل الاعلام الأجنبية أكبر بكثير عما سواه من إصلاحات- سوف يعدل الدستور ليسمح للشركات الخاصة بأن تعمل مع شركة “بيمكس” النفطية العملاقة المملوكة للدولة في اكتشاف النفط والتنقيب عنه في حقول جديدة. ويتوقع أن يجلب التعديل الدستوري مليارات الدولارات في صورة استثمارات أجنبية على مدى العقد المقبل. وشكل إقرار إصلاح مجال الطاقة أهم التحديات التي واجهت الحكومة لأن بيمكس كانت تمثل أسطورة وطنية في المكسيك، لأنه منذ تأميم شركات النفط الأجنبية العاملة في البلاد سنة 1938، كان يجري تشجيع الملكية الوطنية وإدارة احتياطات الطاقة كركن مركزي لسيادة الدولة.
ويمكنني القول إنه قد يكون من السابق لأوانه أن يتحدث المرء بشأن إذا ما كانت الإصلاحات التي أجرتها المكسيك عام 2013 سوف تحول البلاد فعلاً إلى نجم جديد ساطع في سماء دول العالم الصاعدة لأن كثيرا من هذا سيتوقف على مدى قدرة بينا نيتو على التصدي لإضعاف القوانين الجديدة أمام ضغوط أصحاب المصالح الخاصة في عملية التطبيق.
لكن المكسيك قدمت لقارتي أميركا الجنوبية والشمالية درسا في المدنية الذي ستحسن الكثير من الدول في هذا الجانب من العالم صنعا إذا احتذته. ألن يكون رائعاً إذا رأينا ميثاقاً من أجل الأرجنتين وميثاقاً من أجل فنزويلا وميثاقاً من أجل الولايات المتحدة في عام 2014؟ كان الأمر يبدو مستحيلاً في المكسيك لكنه حدث. أعياد ميلاد سعيدة!

أندريس أوبنهايمر
كاتب أرجنتيني متخصص في شؤون أميركا اللاتينية

اقرأ أيضا