الاتحاد

دنيا

غداً أجد ما يلهمني

اليوم قررت أن أكتب روايتي العظمى·· الرواية التي ستضمن لي جائزة نوبل للعام القادم· ربما تتوقف جائزة نوبل نهائياً لأن اللجنة ستجد أن هذه ذروة الإبداع البشري ولا ذروة بعدها··
ابتعت جهاز كمبيوتر محمولاً كلفني ألف دولار، ورحت أمشي به في كل مكان بانتظار لحظة الإلهام العظمى·· يجب أن أراقب الحياة·· سوف تلهمني الحياة·· (تشيكوف) استوحى شخصية مهمة جداً من مدير مكتب بريد مولع بالصراخ والسباب·· (بهاء طاهر) كتب واحة الغروب عندما قرأ عن حادثة تدمير معبد فرعوني في عصر (عرابي)· يجب أن أفتح عيني جيداً··
بينما أنا أتأهب للنزول اتصلت بي (هيام) لتقول بصوت مبحوح: ''عرفت أنني أصبت بالايدز·· لقد أصابني زوجي بالعدوى·· أعرف الآن أنه يخونني·· سوف أنتحر الآن بابتلاع مئة قرص من البانادول ··''
نصحتها بعدم الانتحار لأن الحياة جميلة ووضعت السماعة·· لا وقت عندي لهذا السخف·· أنا أشق الطريق نحو المجد الأدبي·
على الدرج قابلت جاري (سليمان)·· كان مذعوراً وقال لي وهو يلطم خديه: ''الخزانة سرقت !·· ربع مليون جنيه سرق، والغريب أن السارق لم يفتح باب الشقة ولا النافذة·· كيف فعل ذلك ؟''
نصحته بأن يطلب الشرطة فلا وقت لدي··
ركبت سيارتي وكدت أدير المحرك، عندما سمعت من يصرخ·· ومن تحتها وثب ذلك الشاب شرس المظهر والذي يحمل (بنسة) في يده·· يبدو أنه كان يريد أن يقطع شيئاً عندما فوجئ بي أركب السيارة ·· يتلف الفرامل ؟·· وما السبب ؟
في الطريق للعمل قابلت زحاماً شنيعاً مع قدر لا بأس به من الذعر· قال أحد المتسكعين دون أن أسأله:
ـ''طبق طائر كاد يهبط في وسط الميدان·· الكثيرون رأوه·· لكنه كما ظهر فجأه اختفى فجأة·· الناس حائرة بين الشعور بأنه حقيقي وبين الشعور بأنها هلوسة··''
هنا قال رجل آخر:
ـ''ولو كانت هلوسة فما سببها ؟·· هل ألقى أحدهم بغاز معين علينا ؟''
بصراحة لا وقت عندي لهذا السخف·· طبق طائر ؟·· كلام شديد السوقية ···
عندما دخلت الشركة وجدت ضوضاء ورجال شرطة في كل مكان·· قالوا لي إن مدير الحسابات اختلس مالاً وعندما انكشف أمره أغلق المكتب على نفسه وفجر رأسه بالرصاص ··
لماذا تصر هذه الأمور على أن تقع اليوم؟·· اليوم الذي قررت فيه أن أكون أديباً عظيماً ؟
تتقدم مني (لمياء) صديقتي في العمل·· تقول إنها تحبني بجنون وتريد أن أتزوجها·· أنا متزوج وهي كذلك، لكنها حصلت على الطلاق من زوجها وتريد أن تكون زوجة ثانية لي·· قلت لها في ذعر:
ـ''كان عليك أن تخبريني قبل الطلاق·· من قال إني أحبك ؟''
ـ''إذن أنت لا تحبني ؟''
وانفجرت في البكاء وغادرت المكتب·· لو وثبت من النافذة لكان هذا يوم الانتحار العالمي فعلاً··
بعد رحيل الشرطة هجم على الشركة مجموعة من الرجال المسلحين ببنادق آلية وهم كذلك ملثمون، وطلبوا من الصراف أن يملأ لهم حقيبة بالمال· حاول أحد الموظفين أن يطلب الشرطة ودوت السرينة تحت النافذة، لهذا اضطر اللصوص إلى أخذ (لمياء) رهينة معهم·· جميل أنها لم تنتحر لكن أرجو أن يقتلوها لتستريح ··
بعض الهدوء أرجوكم·· أريد بعض الهدوء·· أريد أن أؤلف قصتي··
عامل بالشركة يدخل ليصرخ·· يؤكد لي أن شبح رجل مقتول يظهر في المطبخ·· يبدو أن هذا الرجل كان عاملاً سابقاً وقد اشتعلت فيه النيران فلم يستطع الهرب·· منذ تلك اللحظة يظهر في المطبخ كل ليلة ·· الجديد أنه يحاول إشعال الموقد وحرق العامل الجديد··
هذه المرة فاض بي فأغلقت الكمبيوتر وغادرت المكان متسللاً ··
في طريقي للبيت خيل لي أن ذلك الطبق الطائر يقف في الميدان فعلاً، وكائنات خضراء اللون لها هوائيان على الرأس تخرج منه لتخاطب الناس وهي تلوح ببنادق الليزر··
لا وقت عندي لهذا الهراء··
في المساء دخلت زوجتي المكتب لتجدني أحدق في الشاشة الخالية لجهاز الكمبيوتر·· نظرت لي في عدم فهم فقلت لها بصوت واهن:
ـ''أبحث عن إلهام لروايتي الجديدة·· أبحث حولي وأنظر جيداً، لكني للأسف لا أجد أي إلهام في هذه الحياة الرتيبة التي لا يحدث فيها شيء·· لو حدث أمامي شيء مثير·· شيء مثير واحد لتدفق إلهامي كالشلال ··''
وأغلقت الجهاز وقلت لها وأنا أتثاءب ناهضاً نحو غرفة النوم:
ـ''ربما غداً أجد ما يلهمني فأكتب تلك الرواية العظمى·· يجب أن تعرفي أنك متزوجة من فنان يا عزيزتي·· فنان حقيقي !''

د· أحمد خالد توفيق

اقرأ أيضا