الاتحاد

الملحق الثقافي

عزيزي العالم..اللاجئ ليس شخصاً تخشاه

الأسيجة والأسلاك الشائكة لطالما وقفت في وجه اللاجئين السوريين (أرشيفية)

الأسيجة والأسلاك الشائكة لطالما وقفت في وجه اللاجئين السوريين (أرشيفية)

ترجمة صالحة عبيد

في الوقت الذي تعصف بهذا العالم المشتعل أزمة لاجئين حقيقية، نظراً لتفاقم الأوضاع في الجماهيرية العربية السورية بكل ما تحفل به من رعب وقتل ودمار، تكتب (ماريلا شاكر) عازفة الكمان السورية، رسالة معبرة تساند حقوق اللاجئين حول العالم.. أولئك البشر بالدرجة الأولى والأهم، المجتمعين على أيديولوجية واحدة فقط هي رغبة الحياة، والذين ترافقهم إلى جانب مأساتهم نظرات الاستنكار والرفض واتهامات الإرهاب. تكتب ماريلا مؤمنة بصوت الجمال والموسيقى والثقافة والحب في وجه الكراهية والبشاعة والجهل والموت، من خلال علاقتها مع الموسيقى والعائلة والوطن، ومن منطلق واجبي الإنساني وشعوري بضرورة أن تصل هذه الرهافة الإنسانية الصادقة، لأكبر عدد من أولئك الأشخاص الذين تنقصهم ثقافة التعاطف الإنساني، والفهم لمعنى الإبعاد القسري عن الوطن، أو الآخرين الذين تغيب عنهم تفاصيل المآسي اليومية للكائنات الحالمة البسيطة، أجدني أترجم هذه الرسالة من الإنجليزية، وهي لغة الرسالة التي كتبتها ماريلا، المقيمة حالياً في الولايات المتحدة الأميركية بعد رحلة لجوء عاصفة، إلى اللغة العربية.


أنا عازفة كمان سورية، أكافح لكي أكون صوتاً للاجئين، وفي العام الماضي تشرفت بإيصال جزء من رسالتي عن طريق تقديمي لأداء موسيقي في البيت الأبيض ضمن حفل (أبطال التغيير).
لطالما عرفت الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها ذلك المكان الذي يتطلب من الأشخاص الكثير من الجهد والإصرار لتحقيق النجاح، مواجهين من خلال ذلك الكثير من العقبات والإخفاقات، ورحلتي من سورية إلى الولايات المتحدة الأميركية هي شهادة حية على هذه الروح الذي يتطلبها النجاح هنا.

أنا من حلب
ولدت ونشأت في (حلب)، المدينة التي كانت مرة من أكثر المدن الحيوية المليئة بالثقافة والتاريخ، ولكنني الآن، بعد خمس سنوات من الحرب أكاد أجدني لا أستطيع التعرف على منزلي من خلال الركام، شيء في داخلي لا زال يرى الأمر برمته على أنه مجرد حلم، إنه لمن الصعوبة بمكان أن يتقبل المرء فكرة أن مدينته الأثيرة قد تحولت إلى مجرد حطام.
كنت في العشرين من عمري عندما بدأت الحرب، في الوقت الذي كنت أبدأ فيه سنتي الأولى في دراسة إدارة الأعمال بجامعة (حلب)، كما أنني كنت أيضاً موظفة بدوام كامل في معهد حلب للموسيقى كمعلمة للعزف على الكمان، وهو المكان ذاته الذي تعلمت فيه العزف، وحيث حملت في عمر الحادية عشرة الكمان بين يدي للمرة الأولى، لقد كانت تلك لحظتي الخاصة جداً، يوم اكتشفت شغفي بصناعة الموسيقى التي تأتي لتكون أنبل ما يوحد الناس ويزيل الحواجز.
كمسيحية، أشعر بنشوة غامرة وأنا أرى التناغم الذي أحدثه عندما أعزف موسيقى من التراث اليهودي - مثلاً - في مجتمع مسلم، وجدت في ذلك طريقة حقيقية لإشاعة الحب والسلام في العالم، وما أن بلغت الرابعة عشرة من عمري حتى أدركت حلمي الخاص، بأن أكون موسيقية تستطيع أن تمرر أقوى الرسائل الإنسانية من خلال الموسيقى.
في العام 2012 خسرت فرصة لدراسة الماجستير في معهد (Trinity Liban) للموسيقى والرقص، لأنني لم أكن قد اجتزت بعد امتحان التخرج الأخير من كلية إدارة الأعمال في جامعتي، نتيجة لتأجيل الامتحان الأخير، نظراً لظروف الحرب المحيطة، لأجدني منشغلة في السنة التي تلتها بتعليم الأطفال على العزف في المعهد العربي للموسيقى، حيث اختبرنا بشكل دائم معنى أن نقطع دروسنا لنختبئ من القصف، فيما شكل تجربة مروعة بالنسبة لهم.. لاحقاً بعد أن اجتزت امتحاني، وفي اليوم الذي توجهت فيه لاستلام وثيقة تخرجي، وفي بقعة قريبة جداً من موضعي ومكان الجامعة فوجئت بقنبلة تسقط لتصيب هدفها، قنبلة الرعب هذه هي إحدى القنابل البالغة قرابة الثلاثين أو الأربعين قنبلة، والتي كان علينا أن نتعايش معها ومع القصف بشكل يومي.

رفضتُ الموت
دائماً ما شجعتني أمي على السعي لتحقيق أحلامي، أن أكتشف العالم والفرص لأبني حياةً ناجحة، لم أرد أن أستسلم، أن أجلس محاطة بفكرة أن ينال مني الموت في أي وقت، لم تكن هذه هي الحياة التي أردتها لنفسي، وليست هذه أيضاً الحياة التي يستحقها أي كائن بشري، لذلك ولمدة ستة أشهر وجدتني أراسل جميع الجامعات والمعاهد الموسيقية حول العالم، غالب المنح الدراسية المتخصصة بالموسيقى والبالغ عددها قرابة الخمسين، كانت كثيرة المتطلبات ومليئة بالمتنافسين، ومع انقطاع دائم لشبكة الإنترنت عن المنزل، التي لا يصلنا منها سوى أقل من 15 ساعة متقطعة في اليوم، كان لزاماً علي أن أنتقل من مقهى إنترنت إلى آخر على أمل أن أحصل على الرد الإيجابي، مكتفيةً بالاعتماد في تجارب الأداء على الفيديوهات الخاصة بالعروض التي كنت قد قدمتها سابقاً في (حلب)، نظراً لكوني لن أستطيع التواجد لتقديم الاختبار على العزف مباشرةً.
وفي اليوم الذي أعقب انفجاراً أصاب جامعة حلب، ترافقه فاجعة مقتل عدد من أصدقائي، وصلني رد من العميد المساعد (بريندا تولوي) بكلية مانماوث في ولاية إلينوي الأميركية، يعرض من خلاله منحة دراسية تشمل بكالوريوس الموسيقى، لأكون من ضمن 9 سوريين تم اختيارهم للحصول على هذه المنحة، ومن هنا بدأ فصل جديد من حياتي.

السوريون يؤمنون بالسلام
والدتي هي صديقتي الأعز، محفزتي وملهمتي، أنا فعلاً لا أستطيع أن أتخيل حياتي تخلو منها، لطالما كان هدفها الأسمى فيما يتعلق بنا، هو أن نعيش في بيئة آمنة حتى ولو كان ذلك يعني أن نكون بعيدين عنها. في العام الماضي استطاع شقيقي أن يجتاز رحلة محفوفة بالمخاطر إلى هولندا، لكنه وجد نفسه يعود إلى حلب بعد ستة أشهر، ليتمكن من الاعتناء بأبي وأمي لأنهما كانا أضعف من تحمل رحلة للهجرة وطلب اللجوء، فجعت أمي بذلك كثيراً، لأنها تعرف أنه لم يعد له أي مستقبل في هذه المدينة التي لم يتبق لنا فيها من أقرباء إلا 15 شخصاً، فيما رحل البقية جميعهم.
وبالنسبة لي، لقد كان الوداع أمراً محطماً، أن أودع أمي وعائلتي وأنا أحمل في داخلي هاجس أنها قد تكون المرة الأخيرة التي أراهم فيها، رحلت عن سوريا في يوليو 2013، ضمن رحلة خطيرة ومرعبة مفخخة بالقناصين، استغرقت فيها 17 ساعة لأستطيع أن أصل إلى (لبنان) فقط، متوقفة أمام الكثير من نقاط التفتيش مع اعتقاد دائم من الحراس بأنني أحمل سلاحاً معي، كانوا يعتقدون أن (الكمان) هو سلاح ما مخبأ، معد للقتل.
الغالبية العظمى من السوريين تؤمن بالسلام، نحن نحارب بأقلامنا وعقولنا، بما نحمله من ثقافة، نحارب بقلوبنا المشرعة، ولا نؤمن أبداً بحمل السلاح، لا الآن ولا في المستقبل.
ما أن وصلت إلى وجهتي حتى استقبلني مجتمع الجامعة بحفاوة دافئة، البروفيسورة (كارولين سودا) أصبحت بمثابة أم ثانية لي، فعلاقتنا بدأت منذ أن كنت في حلب، ونحن نتبادل الكثير من الرسائل الإلكترونية تحضيراً لرحلتي إليهم، لقد ساعدتني في التأقلم على هذه الأرض الجديدة وتحسين لغتي الإنجليزية أيضاً، لا أستطيع أن أراها إلا كسيدة استثنائية لم تتوان عن مساعدتي بكل الطرق الممكنة. لكن وداع أمي ما زال يجرحني بشدة، لا أستطيع أن أمضي بيومي ما لم أهاتف العائلة لأتأكد من أنهم أحياء، عندما كنت معها في محادثة على الهاتف خلال هذا الأسبوع، سقطت قذيفة على منزل الجيران أصابت أربعةً منهم لتقتلهم، كان من الممكن أن تكون أمي بينهم لو أن القذيفة تحركت بضعة أمتار. وجدتني أقول لها: «أنا أشعر بالخزي كوني لا أستطيع المساعدة بشيء، أنا هنا بعيدة في الولايات المتحدة عاجزة عن حماية عائلتي، يرافقني شعور بالذنب وآخر بالضياع».
في الوقت الراهن، لم يعد بإمكانهم الحصول على تأشيرة للدخول إلى الولايات المتحدة الأميركية، لم يعد الخيار مطروحاً بالنسبة لهم حتى لو أرادوا ذلك، أصبح الأمر معقداً جداً أكثر مما نتصور.

أريد أن أكون صوتاً
حصلت على حق اللجوء قبل سنتين من اليوم، وأعمل حالياً على إنهاء دراسة الماجستير في جامعة (دي بول) الأميركية. كما أنني لا زلت أعزف لأرفع درجة الوعي بمحنة اللاجئين حول العالم، ولكي أكون بمثابة صوت آخر لهم، صوت لأولئك الذين أجبروا على ترك منازلهم، للنجاة بحياتهم، ولتحقيق ذلك قدمت عروضاً في اليوم العالمي للاجئين، في مركز كينيدي بالعاصمة واشنطن، في عشاء الأمم المتحدة العالمي لرفع الوعي بأزمة اللاجئين عن طريقة مجموعة الإنقاذ العالمي في 2016، إضافة للعزف في البيت الأبيض في يوم الاحتفاء (بأبطال التغيير). فالموسيقى أكثر من مجرد أصوات ومقطوعات، إنها مساحة مجهزة لكي تستطيع أن تعبر من خلالها عن رسائل الحب والسلام، كمثال.. مقطوعة العبقري جون وليامز التي قمت بتقديمها في عشاء مجموعة الإنقاذ العالمي هي من المقطوعات المميزة جداً لأنها تعيد تذكيرنا دائماً بإنسانيتنا، مستعرضة ذلك الصراع الجدلي الذي يحرضنا على بناء وتقديم الجمال مقابل الكراهية.

لسنا عبئاً
عزيزي العالم.. اللاجئون ليسوا أشخاصاً تخشاهم، نحن نأتي مع إمكانيات مهمة وفرص أهم للاستثمار إنسانياً، لسنا مجرد عبء، نحن هنا متواجدون وفاعلون كأشخاص ومستعدون للمساهمة دائماً. كما أننا حريصون على إبراز الوجه الخيّر والعظيم لسورية، تماماً كما نحن مستعدون لإبراز ذلك الجانب الخيّر في البلدان التي تشرع أبوابها لنا.
ويوماً ما.. سوف أعود لسورية حاملةً معي كل الخير الذي رأيته في كل مكان، حاملةً معي المعرفة التي وجدتها في الولايات المتحدة الأميركية، لأعيد بناء وطني من جديد.

سوف نبني وطننا من جديد
سوف تعود الموسيقى لتصدح من جديد
ويوماً ما، سيعود وجه وطننا الجميل من جديد»
.........................................................................
المصدر:
نشرت هذه الرسالة في موقع Medium للمقالات.
https:/‏/‏medium.com/‏uprooted/‏https-medium-com-uprooted-dear-world-refugees-are-not-to-be-feared-c262a9673881#.jqyabckba

الكمان لا يقتل
رحلت عن سوريا في يوليو 2013 ضمن رحلة خطيرة ومرعبة مفخخة بالقناصين، استغرقت فيها 17 ساعة لأستطيع أن أصل إلى «لبنان» فقط، متوقفة أمام الكثير من نقاط التفتيش مع اعتقاد دائم من الحراس بأنني أحمل سلاحاً معي، كانوا يعتقدون أن «الكمان» هو سلاح ما مخبأ، معد للقتل.


اقرأ أيضا