الاتحاد

الملحق الثقافي

الخليج العربي.. حقائق الجــيولوجيا والتاريخ والآثار (3/2)

آثار جزيرة فيلكا التاريخية (أرشيفية)

آثار جزيرة فيلكا التاريخية (أرشيفية)



الحقيقة الجيولوجية

في البدء، ومن جانب جيولوجي ثابت، علينا التأكيد أولاً: بأن بحر الخليج العربي لم يكن من صنع الإنسان بالمرة، مثله مثل معظم بحار العالم، ولم تسهم في وجوده أي يدٍ بشرية ولم تشق قعره آلة حفر واحدة، كقناة السويس أو بنما مثلاً. وإنما هو من صنع النشاط الجيولوجي وحده، والذي يحلو لي أن أسمّيه بالقَدَر الجيولوجي. وفي هذا حكاية قديمة وقَيّمة، تغيب في أصولها وتفاصيلها عن الكثير ممن يجهلون تاريخ تشكل هذه المنطقة وثقافتها، بما فيها تشكل بحر الخليج الحالي المختلف حول تسمّيته. فبحسب الكشوفات الجيولوجية والطبوغرافية الحديثة المختصة بمنطقة الخليج العربي، وأخص بالذكر منها الكتاب الموسوعي «الخليج العربي في العصور القديمة»، لدانيال ت. بوتس، والذي نقتبس منه بتصرف هذه المعلومات، فإن جزيرة العرب كانت ملتصقةً بالقارة الأفروعربية (أي بإفريقية)، ولم يكن البحر الأحمر الفاصل بينهما الآن، قد تشكل بعد (*). وذلك في حقبة ما قبل الكامبريان (قرابة 5000 مليون إلى 590 مليون سنة قبل عصرنا الحاضر). ولقد أثّرت حركة نشوء الجبال الألبية في أواخر الحقبة الحوارية (قرابة 136 مليون &ndash 64 مليون سنة قبل وقتنا الحاضر)، تأثيراً محدوداً في رقعة جزيرة العرب الرئيسة، فتسببت في إمالتها قليلاً نحو الشرق، بينما أدّت إلى تشكيل جبال عُمان، والتي تكشف عن علاقة قرابة آسيوية، وتمثّل فرعاً منفصلاً عن القوس الإيراني.



ولكن، و«في أثناء دور الميوسين، أي منذ قرابة 25 إلى 12 مليون سنة، انفصل المنبسط العربي عن المجنّ الأفريقي، فتشكّل البحر الأحمر بينهما. وفي الوقت ذاته، اندفع المنبسط العربي واصطدم بالمنبسط الآسيوي، فالتوى الجانب الشرقي من الجزيرة العربية، نتيجة لذلك نحو الأسفل، وهبط إلى ما دون مستوى البحر، فتشكّل قعر ما سوف يصبح بحر الخليج العربي» (8). كما أن هذا البحر ذاته، ظل يغذيه ومنذ تشكله الجيولوجي المبكر وحتّى هذه الساعة، نهران عظيمان في بلاد ما بين النهرين هما: دجلة والفرات، هذا عدا عن تدفق مياه المحيط الهندي طبعاً.

الحقيقة الأولى إذاً، وبحسب المكتشف الجيولوجي أعلاه، تقول: إن بحر الخليج، لم يكن له من وجود يذكر، ولم يكن محاذياً لإيران مطلقاً حتى تسيسه وتطالب بمسماه لاحقاً، قبل انفصال المنبسط العربي (الجزيرة العربية)، عن المجنّ الأفريقي واصطدامه بالمنبسط الآسيوي. مما يعني أن هذا البحر ذاته، قد تشكّل بتشكل جزيرة العرب نفسها واستقرارها جغرافياً، في فترة نزوحها الجيولوجي من أفريقيا إلى آسيا. وعلى هذا الأساس الجيولوجي، يحق لشعوب الإقليم الخليجي وحكوماته بوصف الجزيرة العربية موطنهم الأصلي منذ أقدم العصور، أن يسمَّى البحر باسمهم واسم موطنهم، أي بحر الخليج العربي، وليس «الفارسي» مطلقاً. فلولا تلك الهجرة الجيولوجية لجزيرة العرب، لما وجد هذا البحر من أساسه.

الحقيقة الآثارية والتاريخية

أ: صورة مصغرة للعرب

أما الحقيقة الثانية، والمكملة للأولى، وبحسب الكشوفات الآثارية المعاصرة لجزيرة العرب، فإن أقدم المستوطنات البشرية التي وجدت فيها، تعود إلى 8000 سنة ق. م. فمنذ ذلك التاريخ وحتّى عام 4000 ق. م، كانت جزيرة العرب تعيش مرحلة ما يسمّى بـ«الفترة الرطبة الكبرى»، أو «الفترة المورقة»، وذلك قبل انتشار الأحوال المناخية الجافة التي تلت تلك المرحلة. أي أن جزيرة العرب، لم تكن بيئة صحراوية جافة على الدوام كما يشاع عنها بشكل خاطئ وجاهل ومغرض أحياناً، وإنما كانت بيئة خصبة امتدت نحو 4000 سنة متواصلة من عصر الرطوبة الكبرى، وحتى مرحلة الجفاف التدريجي والمتحوّل الذي قضى على الفترة الرطبة، منذ عصر (البالثوليتيك). والدليل على ذلك، هو ما فصله رُبِرت هُيْلَند بقوله:

«مع أن جزيرة العرب تخلو الآن من البحيرات والأنهار، فإن هذا لم يكن الحال دوماً. إن أقنية الحت العميقة لوديان الأنهار الرئيسة، إضافة إلى المراوح الحصبائية الضخمة المتصلة بها، تدل على وجود مياه أمطار هائلة، ومن ثم، في أزمنة معينة على الأقل، وجود مستوى مرتفع من الهطل المطري. إن ما يوحي أيضاً بوجود بيئة خصبة نسبياً في الماضي، هو وفرة البقايا النباتية والحيوانية، إذ تشمل هذه الأخيرة أفراداً من فصائل الزرافة والأبقار والخنازير والتماسيح ووحيد القرن [وكذلك الأسود، والفيلة، وحمار الوحش، وأبقار البحر]. لقد دامت الفترة الرطبة الكبرى الأحدث عهداً من نحو عام 8000 ق. م إلى عام 4000 ق. م، وأدى ذلك إلى ازدياد هائل في عدد المواقع ما قبل التاريخية المتأخرة التي تشهد على وجود نشاطات الصيد والالتقاط وتربية الحيوانات والفن الصخري في جزيرة العرب في هذه الفترة. إن بدء الشروط [المناخية] الجافة قد أثر في الشمال والوسط على نحو دراماتيكي، لكنه كان ذا تأثير أقل في جنوبي جزيرة العرب وشرقيها، حيث كان الأول يتميز بالرياح الموسمية، وكان الثاني يحوي المياه الجوفية الوفيرة، لذلك ظهرت أولى حضارات جزيرة العرب في الجنوب والشرق»(9).

ولعل هذه الاكتشافات الحديثة والمهمة للغاية، تقف موقفاً مخالفاً لمن شككوا من علماء الساميات، في أن تكون الجزيرة العربية هي مهد الشعوب السامية قبل الهجرات أو «الموجات السامية» الكبيرة والمتوالية منها، حيث أرجع بعضهم أصلهم لبلاد الشام ومنطقة الفرات باعتبارها بيئة خصبة، وذلك بحجة أن جزيرة العرب، لم تتوفر طوال تاريخها على بيئة خصبة أو رطبة مطلقاً، وبالتالي لا يمكن التسليم بأن هذا الكم الهائل من الشعوب السامية التي أنشأت حضارات الشرق القديم العظيمة، أن تكون قد عاشت في بيئة جافة ومتصحِّرة كجزيرة العرب، كما أن بعضهم، وكما فصَّل جواد علي، قد أرجع أصل الساميين إلى «إفريقية الشرقية»، وبعضهم أعاد هذا الأصل إلى «أرض أرمينية»، ومنهم من قال بأن أصلهم من «أوروبا»، وذهب آخرون إلى القول بأنهم من أرض «قفقاسية» الآسيوية.

وعموماً، وعلى الرغم من هذه النظريات التي لا تخلو من ضعف بحسب منتقديها، فإن الكثير من علماء الساميات والمستشرقين، قد أكدوا على أن الموطن الأصلي لجميع الساميين هو جزيرة العرب، وهي خزان الشعوب الأعظم. ولعل من أهم العلماء والمستشرقين الذين قالوا بذلك، ولهم في هذا حجج وبراهين وبينات تثبت نظريتهم، هُمْ: شبرنكر، وسايس، وأبرهرد شرادر، ودي كويه، وهوبرت كرمه، وكارل بروكلمن، وجول ماير، وكوك، ودتف نلسن، وهوكر ونكلر، وهومل، وفلبي، وكذلك العالم الإيطالي كيتاني، ولقد لخص المؤرخ اللبناني فيليب حتّى، هذه النظرية بقوله: بأن في جزيرة العرب، «نشأ أولاً أجداد الشعوب السامية من بابليين وأشوريين وكلدانيين وعموريين وآراميين وفينيقيين وعبرانيين وعرب وأحباش (وهكسوس). وفيها قطنوا برهة من الزمن قبل أن ينزحوا عنها وصاروا إلى ما صاروا إليه، وإذا كانت الجزيرة موطن الساميين الأصليين، فالهلال الخصيب الممتد من الخليج العربي إلى سيناء وفيه العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، كان مربع مدنيتهم الأولى. ففي وادي الفرات الذي نزح إليه الساميون، نحو 3500 ق. م، ازدهرت الثقافة البابلية التي تركت لنا إرثاً من النظم القياسية، منها ما هو للأوزان والمكاييل ومنها نظام ستّيني للوقت. وتحدّر إلى شمالي سوريا نحو 2500 ق. م، الأموريون ومنهم الكنعانيون (الذين سمّاهم اليونان فينيقيين**)، فاحتلوا شواطئ لبنان وأصبحوا أسبق المستعمرين والتجار العالميين، وأن مأثرتهم في نشر الأحرف الهجائية وحدها، تكفي في أن يعدوا بين عظماء المحسنين إلى الإنسانية. إن العرب المسلمين قد أصبحوا بعد فتحهم الهلال الخصيب ورثة هؤلاء الساميين الأوائل. وقد ورثوا كذلك ثقافة بلاد العرب الجنوبية التي ازدهرت قبل الإسلام بألف سنة، وقد كان أصل ملكة سبأ التي تذكرها التوراة، من جنوبي الجزيرة العربية» (10). كما أنه، وفي السياق نفسه، «يرى كثير من العلماء العرب والأجانب الآن، أن هذه الشعوب التي أطلق عليها اسم «الساميون» هي في حقيقة الأمر قبائل عربية، هاجرت بفعل العوامل الطبيعية من جزيرة العرب بحثاً عن الماء والكلأ، ومنها تفرعت الأقوام الأخرى. ويؤكد هذا القول ما ذهب إليه الكثير من العلماء والباحثين في أصل الأجناس والسلالات، من أن العرب هم أصل العرق السامي، ومن أرومتهم تفرعت الأقوام الأخرى وتشعبت قبائلها، ولهذا الفريق شواهد تاريخية وعرقية ولغوية، يدعِّمُ بها حجته ويثبت آراءه»(11).

العرب إذاً، أمَّة عريقة ومتجذِّرة في أصولها الحضارية الضاربة في أعماق عصور ما قبل التاريخ، وليست أمّة طارئة على التاريخ البشري، وأن من أرومتهم ومن أرضهم الشاسعة التي تعادل مساحتها مساحة أوروبا الغربية تقريباً، تفرعت الأقوام الأخرى التي هاجرت وأسهمت في تأسيس حضارات الشرق القديم الكبرى، كما أن «الخليج في الألف الثالث قبل الميلاد، (كان) بؤرة تطور ونشاط كبيرين. فعلى محاذاة الشاطئ العربي، وبخاصة على الجزر القريبة من الساحل، قامت مستوطنات نمت إلى مدن كبيرة ومزدهرة. والمواقع الرئيسة لمثل تلك المدن التي تم تعرّفها حتى الآن، وجدت على جزيرة فيلكا التابعة للكويت، وعلى تاروت الجزيرة الصغيرة الواقعة قريباً من اليابسة السعودية، وفي الداخل حول أبقيق، وعلى جزيرة البحرين، والتي كانت في أوقات مختلفة المركز السياسي للمنطقة، ومستوطنات في أبوظبي والإمارات الأخرى في الإمارات العربية المتحدة، وفيما يبدو مدناً صغيرة متعددة في سلطنة عمان، حيث كان يستخرج النحاس الذي كان السلعة التجارية الأساسية للمدن الأولى في بلاد ما بين النهرين» (12)، كما أن اكتشاف صيد اللؤلؤ، في مواقع في شرق الجزيرة العربية، والتي تعود إلى أواخر الألف الخامس وأوائل الألف الرابع قبل الميلاد، تشهد على وجود صناعة صيد اللؤلؤ في تلك الحقبة القديمة. هذا عدا عن تفاصيل التجارة الأخرى، المتعلقة بالنقل البحري والبري، والتزود بالمؤن، والانفتاح على البلدان والحضارات الأخرى.

ب - صورة مصغرة للفرس

أمَّا ما يخص الفرس، فإنه يتوجب علينا أن نفرق أولاً، وذلك منعاً لأي لبس، بين الفرس الآريين من ينتمون إلى القومية الفارسية، وبين قوميات الشعب الإيراني الأخرى التي ليس لها علاقة بالفرس، كالأتراك الآذريين، والأكراد، والأحوازيين العرب، والبلوش، والتركمان، وغيرهم. وكذلك علينا التفريق، بين الشيعة الصفوية أصحاب الميول الفارسية، وبين المذهب الشيعي الإيراني الذي ليس له علاقة بالصفوية أيضاً، إلاَّ فقط في حدود بعض أولئك الغلاة من الفئات المتطرفة التي تُقدم انتماءها الفارسي على معتقدها الإسلامي، وتسعى من وراء استخدامها لورقة التشيّع التي لا تهمها في الأساس، إلاّ كذريعة طائفية في اختراق المجتمع العربي وزرع الفتنة في داخله ونشر الفوضى بين مكوناته والسيطرة عليه، تماماً كما يحدث الآن في كل من لبنان وسوريا والعراق واليمن. فحلم الفرس، وكما هو معروف، هو تحقيق رغبة الانتقام القديم من العرب السنّة بالذات، وإحياء الإمبراطورية الفارسية البائدة، وذلك من خلال أذرع غلاة الشيعة أصحاب الميول الفارسية مَنْ يحكمون إيران اليوم. لهذا لا يجب أن نخلط بتاتاً، بين هذه القومية المتطرفة وأتباعها من الشيعة الصفوية، وبين مجموع مكونات الشعب الإيراني الأخرى، المعتدلة والمغلوبة على أمرها في الغالب، فإيران بلد قوميات متعددة، وليست بلد قومية واحدة منسجمة مع نفسها.

غير أن الفرس، وإذا ما عدنا إلى أصولهم، ووفق المصادر التاريخية والجغرافية، فإنهم لم يكونوا من سكَّان إيران القدماء الأصليين في الأساس، إذْ كانت توجد في إيران، في حقبة حضارة عيلام القديمة في الألفية الثالثة (2700 - 539 ق. م)، والتي انتشرت في منطقة الأحواز حالياً، قوميات كثيرة شكلت عموم الشعب الإيراني قديماً، حيث كانوا يعيشون حياة مسالمة فيما بينهم، ومنهم العرب، ولم يذكر أبداً بأن الفرس كانوا من بينهم أو لهم أي حضور يذكر في تلك المرحلة. ومما لا شك فيه، بأن إيران بلد عريق وضارب في القدم فعلاً، ولكن الدخول الأخميني إلى التاريخ الإيراني وتشكيل الإمبراطورية الأخمينية (559 - 331 ق. م)، جاء متأخراً جداً عن الحضارة الإيرانية القديمة (عيلام)، وغيرها من الحضارات الأخرى المجاورة لها، التي سبقتها بآلاف السنين، مثل أكاد، وسومر، ودلمون، ومجّان، وأم النّار، وملوخا، ووادي السند (هارابا)، ولعل حقيقة الأمر، وكما بات معروفاً اليوم، بأن موطن الفرس الأصلي هو سهوب جنوب روسيا غرب الأورال، في منطقة بحر الخزر، أي في منطقة بحر قزوين الآن. ولقد توالت هجرات قبائل الفرس البدوية، التي تعود إلى الأصل الهند أوروبي الآري، من منطقة جنوب روسيا إلى هضاب جنوب إيران، عند منطقة سموها «فارس» (معناها السائب والغازي)، قرب مدينة شيراز حالياً.

إذن السؤال المنطقي والتاريخي الذي يطرح نفسه هنا بقوة، هو: إذا كان الظهور الفارسي/&rlm&rlm&rlm الأخميني كدولة أو حتّى كإمبراطورية، على مسرح التاريخ القديم كما هو معروف، لا يتجاوز خمسمائة سنة إلا بقليل، في فترة ما قبل الميلاد في إيران. بينما أقدم المستوطنات العربية التي وجدت في جزيرة العرب، تعود إلى 8000 سنة قبل الميلاد، وأن فترة ازدهارهم الحضاري تعود إلى ما بين الألفية الرابعة والثالثة قبل الميلاد، في عصر أكاد وسومر ودلمون ومجان وأم النّار وملوخا وعيلام ووادي السند. أي قبل الظهور الفارسي، بأكثر من 2000 سنة تقريباً، فمن أين إذاً جاءت أحقية الفرس، في تسمية بحر الخليج بالفارسي، وهم من وفدوا على إيران نفسها؟!

ولكن ولتعميق هذا التوكيد أكثر حول هذه المسألة، وفي إضاءة مدهشة وجريئة لمجهول تاريخ إيران القديم، وفيما يتعلق بتاريخ الفرس تحديداً، يؤكد المؤرخ والمفكر الإيراني الراحل ناصر بوربيرار(1940 - 2015)، على أن الفرس «ومنذ دخولهم لمنطقتنا، واجهوا مقاومة واسعة، حتّى وقوع مجزرة (بوريم). وحقيقة وجود هذه المقاومة، نستطيع أن نثبتها من خلال كتيبة (بيستون داريوش)، حيث يذكر بأن هناك 30 قومية، كان دائماً معهم في حروب مستمرة. لذا مثل هذا الإنسان الذي كان يحارب 30 قومية، ولدفعات متعددة، متى استطاع أن يحكم؟». ويضيف بورييرار: «أساس القضية هنا، هي أن الأخمينيين (الفرس)، هم ذراع عسكرية مؤجرة ومرتزقة وعملت من أجل اليهود، من أجل تنظيم وتأسيس وتطوير أورشليم، وإعدام ونفي الحضارات الأقدم في المنطقة، حتى يتسنى لليهود أن يعيشوا باطمئنان. هذه القضية أيضاً، لها دلائل متعددة، والتي نستطيع إبرازها، وهي إعلان المقاومة من قبل جميع الأقوام الموجودة في المنطقة، ضدّ الأخمينيين الذين كانوا الذراع العسكرية لليهود. هذه المقاومة استمرت حتّى جعلت خطط اليهود تقترب من الهزيمة. لذا هذا الأمر، زوَّدَ من مخاوف اليهود، على أن من الممكن أن تظهر بابل من جديد، ويمكن أن يأسروا من جديد، ثم كما تقول التوراة، هؤلاء صمموا لإحداث مجازر وحشية، والتي تسمَّى (بوريم). وهذه المجزرة، حدثت في الشرق الأوسط أثناء حكم (خشايار شاه)، وتسببت في إبادة جماعية ومجازر وحشية لجميع الأقوام في منطقتنا، والذين قاوموا التسلط الأخميني أبيدوا جميعاً». ويضيف ناصر: «لم يبق من هذه السلالات الثلاث (يقصد حكم الأخمينيين والأشكانيين والساسانيين، الذي استمر 12 قرناً قبل الإسلام)، التي حكمت بالقوة والسيف والاستبداد على الشعوب القاطنة في نجد إيران، أي أثر حضاري مهم يذكر قياساً باليونانيين والرومان وحتى العرب، ما عدا أنها كانت تتقن استخدام الرمح الفارسي لمحو الشعوب التي سبقتها في نجد إيران، وفتح أراضي الغير وإغراق الشعوب الأخرى ومنهم اليونانيون والمصريون والهنود ببحور من الدم. ولقد وجه بوربيرار، نقده إلى المؤرخين القوميين الفرس التابعين للمؤرخين وعلماء الآثار الغربيين، ومعظمهم من اليهود - بأنهم يبدؤون التاريخ الإيراني بالسلالة الأخمينية، فيما يقول: إن هذه السلالة ومؤسسها قورش (سيروس) وداريوس، هم من عملاء اليهود وفقاً لما جاء في التوراة، وأنهم جاؤوا متأخرين قياساً لشعوبٍ عاشت قبلهم بآلاف السنين، وقد قام علماء الآثار والمستشرقون اليهود، بتهويل منزلتهم وسمعتهم خلافاً لحقيقتهم في التاريخ»(13).

الفرس إذاً، وبحسب بوربيرار، ليسوا من سكّان إيران الأصليين، ولقد غزوا إيران نفسها أولاً بوصفهم «ذراع عسكرية مؤجرة ومرتزقة عملت من أجل اليهود»، وارتكبوا مذابح هائلة فيها وفي المنطقة ككل، وأن من كتبوا التاريخ الفارسي، من فرس وغربيين يهود في الغالب، قد زوَّروا التاريخ وألغوا جميع الحضارات القديمة السابقة، غير أنه، وفي سياق متصل، وعبر قراءته لحضارات «العالم الشرقي»، وجه الفيلسوف الألماني هيغل نقده للإمبراطورية الفارسية وللفرس عموماً، بقوله: «إن الفرس لم يكن في استطاعتهم إقامة امبراطورية ذات تنظيم كامل، ولم يغرسوا في البلاد التي فتحوها مبدأهم، ولم يكن في استطاعتهم أن ينظّموا هذه البلاد في كل منسجم، بل اضطروا إلى أن يقنعوا بتجمع من الفرديات المختلفة أتمَّ الاختلاف. ولم ينجح الفرس في تحقيق أي اعتراف داخلي بين هذه الأمم بشرعية حكمهم، ولم يستطيعوا ترسيخ مبادئهم التشريعية ولا قوانينهم، وفي تنظيمهم للسلطة نظروا إلى أنفسهم فقط لا إلى نطاق الإمبراطورية بأسرها، وعلى ذلك فلمّا لم تشكل فارس روحاً واحدة من الناحية السياسية، فإنها بدت ضعيفة إذا ما قورنت باليونان. ولم يكن تخنث الفرس هو الذي قضى عليهم (على الرغم من أن التخنث قد أضعف بابل)، بل كان الكم الضخم غير المنظّم لجيشهم إذا ما قورن بجيش اليونان المنظّم، وهذا يعني أن المبدأ الأعلى يقهر المبدأ الأدنى. ولقد كشف مبدأ الفرس المجرد عن نقصه بوصفه غير منظّم، وخليطاً من المتناقضات المبعثرة»(14).

ولكن، إذا كان هذا هو شأن الفرس وأصولهم وعلاقتهم باليهود وجرائمهم في المنطقة قديماً، وضعفهم وفشلهم السياسي والتنظيمي في إدارة إمبراطوريتهم، فماذا إذاً بخصوص الفارسي؟ أي ما شخصية الفارسي؟ ولماذا يظهر على هذه الشاكلة العدوانية والحقودة على الدوام؟

للإجابة عن هذا السؤال، لن نجد أفضل من المفكر الإيراني التنويري داريوش شايغان، لتحليل هذه الشخصية التي يصفها بالشوفينية الحقودة، فهو يقول: إن الفارسي كائن من الأطراف، وصل متأخراً جداً إلى مأدبة التاريخ، وحتى أنه عندما دخله دخولاً حاشداً، كسر كليتيه في جنون الرؤيا المطابق لانفلات حلمه. فإذا كان شعباً إمبراطورياً، فإنه يحتفظ بـ«الشدق الخشبي» لسكرات ماضيه. مصاب بجنون العظمة في مشاريعه ولا يملك قط الوسائل لتنفيذها، فيظل متناقضاً مع نفسه. إنه في آن نقدي تجاه نفسه ومتساهل تجاه عيوبه الخاصة، يتهم ذاته ويسامحها في وقت واحد، ويتمنى لكل الآخرين مثلما يتمنى لنفسه أن لا يكونوا قادرين على تجسيد ما تمنى أن يكون. إنه يزدري غزاته، لكنه يبذل قصاراه ليتساوى معهم. يحتقر العربي ويكرهه، ويكرِّس كل عبقريته لإغناء فكره وثقافته. وفوق ذلك، العربي يعلّمه الدرس ويعطيه العبرة، وباسم الإسلام الفاتح والمحتقر جداً لدى الفارسي، نراه يسعى إلى تحقيق قوميته بالمقلوب... شوفيني متعصِّب حتّى العصاب، لا يعجب بالإمام إلاَّ لأنه كان صهر فارس، ولا يهيم بأفلاطون إلا لأنه كان تلميذ زرداشت، ولا يحترم النبي إلا لأن سابقه سلمان الفارسي، ولا يقدّر المسيح - عند بعض القوميين الحديثين - إلا لأنه كان تجسيداً آخر للميثرا» (15).

بضاعة الفارسي الكبرى، وبحسب هذا التحليل السيكولوجي لشخصيته، هي تصدير الأحقاد والكراهية والعنصريات للآخرين. فهو كائن شعوبي، سيكوباتي، ما زال يعيش «السخط المكبوت» الذي يميز العبيد، أو ما يسميه نيتشه بـ«ثورة العبيد في الأخلاق»، إذْ يظل هؤلاء الضعفاء عبيداً لما جرى لهم في الماضي ولا ينسونه أبداً. وهكذا، ومع تذكرهم الإرادي والدائم لذلك الماضي البائد، يكبر في داخلهم الحسد والحقد والكراهية للآخرين. لكن هذه الكراهية للآخرين ليست سوى كراهية للذات المريضة والمنهزمة، التي تقدّس ماضيها المؤلم وتذل نفسها بنفسها، ولا تستطيع النّسيان ولا التطور ولا تغيير ذلك الماضي ذاته» (16)، لأنه ببساطة قد مضى وزال ولن يعود أبداً. وهذا بالضبط، ما يجعل الفارسي أصولياً متطرفاً في تركيبته وتفكيره وسلوكه، وشوفينياً عنصرياً متعصّباً في تعاطيه مع الآخرين.

غير أنه، وبمناسبة الكلام عن «غزو» فارس، دعونا نطرح هذا السؤال المركزي والممتّد: فهل صحيح أن العرب وحدهم فقط، من «غزوا» بلاد فارس وحطّموا أمجاد إمبراطوريتهم البائدة تلك؟ ألم يغزو الإسكندر المقدوني، قبلهم، فارس، وألحقت جيوشه هزيمة نكراء بهم؟ ثم ماذا بشأن الغزو البيزنطي، ثم المغولي الأشرس، الذي يعد أحد أسوأ العهود في تاريخ إيران، وكذلك في منطقة الشرق الأوسط، حيث قاموا بقتل الملايين وتدمير كل شيء تقريباً؟ بل ماذا بشأن الغزو التركي، ثم الغزو الأنجلو - سوفييتي (البريطاني/&rlm&rlm&rlm السوفييتي) لإيران، أثناء الحرب العالمية الثانية، وضدّ موقف حكومة الشاه رضا بهلوي الداعم للنازية، والذي تم خلعه وتنصيب ابنه محمد مكانه، فيما تمّ خلالها احتلال كامل الأراضي الإيرانية؟ وأيضاً، فوق هذا وذاك، أليس الفرس نفسهم، وكما سبق وأشرنا، هم أول من غزوا إيران نفسها بالوكالة عن اليهود، ودخلوا في حروب طاحنة مع شعوبها وشعوب المنطقة؟ فكيف إذاً، وبأي شريعة أخلاقية أو منطقية، يحتقر الغازي غزاة مثله؟ بل وبنفس منطق الاحتقار الفارسي الفائض هذا، لماذا يحتقر الفارسي العربي وحده، حتّى ولو كان ابن بلده، ولا يحتقر اليوناني والبيزنطي والمغولي والتركي والبريطاني والروسي مثلاً، أولئك الغزاة مثله لإيران؟ بل الأدهى من هذا، كيف تحوَّل خطاب العنصرية والكراهية الفارسي لكل ما هو عربي، ولقوميات إيرانية أخرى، إلى أن يصبح نهجاً سياسياً لجمهورية إسلامية، يفترض بها بأنها متعددة القوميات والأعراق، مثل إيران، اليوم؟ فهل هذه الجمهورية، هي جمهورية أقلية فارسية في عمقها وتفكيرها ونهجها وسياساتها وأهدافها، ضدّ أغلبية ساحقة مقموعة وغير معترف بحقوقها القومية، حتى ولو كان على رأس قمتها شيخ دين مسلم مُتَفَرّس ومُعَمَّم؟

الحقيقة هي، أن خطاب الضغينة والكراهية الفارسي هذا، يشي بما يلي: هو أنه خطاب مبني على مركزية إثنيّة، عِرْقِيَّة/&rlm&rlm&rlm آرية، وطائفيّة متجذّرة. وهو خطاب شعوبي، عنصري، عدواني، يتمظهر من خلال استمرار كراهيته وعدائيته لكل ما هو عربي بدرجة كبيرة (***)، ولكل ما هو غير فارسي في إيران، مثله بهذا مثل الخطاب الإسرائيلي/&rlm&rlm&rlm الصهيوني تماماً، حيث يوظف كاستراتيجية عدوانية للنيل من الآخر دوماً. لهذا يبدو هذا الخطاب الكالح السواد وغير المُوْرِق بالمرة، والذي يدعمه بقوة أحزاب وتيارات القومية الفارسية مثل: حزب «بان إيرانيست» النازي الإيراني، و«الجبهة الوطنية الإيرانية» أو «جبهة ملي» وغيرها، يبدو كما لو أنه خطاب شرّ محض وعداء مستمر وكراهية عمياء متشنجة، لا يرى سواه ولا يعترف بغيره مطلقاً. فهو لا يدعو مثلاً للوئام والسلام والتسامح والتضامن والعدل والتقارب والمحبّة والعيش المشترك، مع مكونات الشعب الإيراني الواحد ولا حتّى مع غيره من دول الجوار، وإنما على العكس من ذلك تماماً، يطالب بعدم الاعتراف «بالحقوق القومية للشعوب غير الفارسية داخل إيران، كالشعب الأحوازي والبلوش والأكراد والآذريين والتركمان وغيرهم». كما يدعو «إلى تأسيس إيران الكبرى، لتضم المناطق الناطقة بالفارسية في أفغانستان وطاجكستان، بالإضافة إلى المناطق الكردية والبلوشية والبشتون والطالش، باعتبار أن هذه الشعوب تُعَدّ من مكونات إيران التاريخية، وتنتمي للعرق الآري، حسب زعمه، ويطالب بصهرها في ما يسميها الأمة الإيرانية». أضف، إلى أنه «يطالب بالثأر والانتقام من العرب، ويبرر كل السياسات العدائية الإيرانية ضدّ الدول العربية، انطلاقاً من هذا الحقد التاريخي»(17).

هذا الخطاب المعبر عن حقيقة القومية الفارسية وجوهرها الكامن إذاً (والتي هي بالمناسبة تعتبر أقلية مقارنة مع القوميات الإيرانية الأخرى)، يظهر على أنه هو أس مشكلة إيران الكبرى في الداخل، وهو المحرض الكبير على سياسات النظام الطائفية والعدوانية والتوسعية في الخارج. فهذا الخطاب الفارسي الموتور والعدائي والمنغلق، يعمل كمُشْعِلِ نيرانٍ دائم لمن حوله، بحيث يشبه الأسلاك الشائكة التي تسور عادة المعتقلات الكبيرة، فيما يتم قمع وتصفية كل مَن يفكر بنقده أو يطالب بإزالته والخروج عليه وتغييره. وهنا، في رأيي، تكمن خطورته ونكبته معاً.

لمطالعة بقية المقال، اضغط هنا.

اقرأ أيضا