الاتحاد

الملحق الثقافي

تحريفات وأحقــاد فارسية ...من مسمَّى البحر إلى شرعنة العدوان (3/1)

خريطة نشرت في الأطلس الصغير عام 1634 لرسامي                                      الخـرائط ميركاتور وهندويس يظهر فيها الخليج وقد كتب عليه باللاتينية اسم «sinus arabicus» أي الخليج العربي (المصدر: ويكيبيديا)

خريطة نشرت في الأطلس الصغير عام 1634 لرسامي الخـرائط ميركاتور وهندويس يظهر فيها الخليج وقد كتب عليه باللاتينية اسم «sinus arabicus» أي الخليج العربي (المصدر: ويكيبيديا)

عبد العزيز جاسم



إذا كان اسمكَ، كما تقول الحكمة الهندية، هو مصيرك، فماذا سيكون مصير مكانك الذي تشكل فيه اسم شعبك وهُوِيَّتك وتاريخك، عندما يتم تحريف اسمه أو إلغاؤه مثلاً؟ فهل ستظل علاقتك باسم مكانك المحرَّف سويةً، أو أنها ستأخذ أبعاداً تشويهية وصراعيه في الغالب؟ ثم ما معنى أن «نُسَمِّي المُسَمَّى»، ونقلبه على ظهره، ونستخدمه كمعولِ هدمٍ وإلغاءٍ للآخر؟

في هذا المبحث الموسع والمتعدد الجوانب، سأركز على قضية في غاية الأهمية والخطورة، تتعلق بلعبة تحريف وتزوير أسماء الأمكنة، وما يتبعها من تزوير للتاريخ وتسييسه، وكيف من خلال هذه اللُّعبة الجهنمية يتم تزوير الحقائق واختلاق الادعاءات والأكاذيب وارتكاب الأفعال العدوانية والعنصرية والطائفية، بقصد تبرير أحقية هذا الاسم الملفَّق ذاته. هذا على الرغم، من أن شواهد التاريخ والسجل الجيولوجي والآثاري والديموغرافي والجيوسياسي والحضاري الثقافي، للمكان نفسه، تدحض جميع هذه التلفيقات مجتمعةً.

عن تسمية المسمَّى

لقد دعا عالم الاجتماع الفرنسي، بيير بورديو، علم الاجتماع إلى «الاهتمام بتحليل الوقائع التي جرى سابقاً تسميتها وتصنيفها، والتي تحمل أسماء علم وأسماء عامة، وعناوين وإشارات، وأحرفاً أولى (للدلالة على مقامات أصحابها)»، وذلك لأنه كما أضاف: «ينبغي لعلم الاجتماع أن يأخذ في الاعتبار العمليات الاجتماعية في التَّسمية، وطقسيات المأسسة التي تقوم بموجبها، حتى لا يفوته إدراك المنطق والضرورة اللذين اكتنفا فعل التَّسمية»(1)، غير أن هذه القاعدة البورديوية، في رأيي، تصلح لأن تشمل أيضاً مجالات العلوم الإنسانية كافة، وليس علم الاجتماع وحده، خاصة فيما يتعلق بموضوعنا هذا بالذات.

فمن منطلق أولي، وحين نتحدث عن تمظهرات الاسم، علينا أولاً أن نفرق بين شكلين أو سياقين تجري فيهما كل الأسماء: سياق لغوي طبيعي، نفعي، تعييني، مادي، محايد، ومباشر. وسياق لغوي ثقافي، رمزي، إشاري، متحرك، يخضع لتفسيرات الدال والمدلول، ويقبل التأويل والتفسير باستمرار، فالنوع الأول من الأسماء، لا يتطلب في العادة من فرط وضوحه ومباشريته، أي نوع من التأويل والاختلاف، لأنه يتعلق بكل ما هو حيواني ونباتي وجمادي، كأن نسمي الكلب كلباً والشجرة شجرةً والجبل جبلاً. لذا فإن هذه المنظومة من الأسماء، تندرج عادة فيما هو طبيعي وفطري عرفه الإنسان ولم يبتدعه هو شخصياً. إلا أن الطبيعة نفسها، كما فسرها الفلاسفة، تنقسم إلى قسمين: طبيعة خارجية، كالسماء والأرض والبحار والأنهار والكواكب والحيوانات والغابات والبراري، وكل الأضداد والمفارقات وحتى الإنسان نفسه، فإنهم لا يخرجونه عن حيز هذه الطبيعة في شموليتها. وعليه فإن هذه الطبيعة، كما تصورها الفلاسفة الإغريق، «إلهية بذاتها» بوصفها من صنع قوة فوق بشرية، وبأنها «كشيءٍ مقدَّس وكمبدأ للقوة والنمو». بينما الطبيعة الأخرى، هي الطبيعة الداخلية أو الطبيعة البشرية، التي تتجمع فيها جميع السمات الثابتة في الإنسان، كالرغبات والغرائز والدوافع والانفعالات وكل ما يمس الجانب الروحي والعقلي والبيولوجي والنفسي في الطبيعة البشرية، في كل زمان ومكان.

أما السياق الثاني من الأسماء، السياق اللُغوي - الثقافي أقصد، فهو ما ينفرد به الإنسان وحده من دون سائر الكائنات الحية الأخرى. ولعل رحلة الإنسان نحو ترقيه أو العودة إلى حيوانيته، هي بمعنى من المعاني، رحلة تسميات وأفعال رمزية هائلة أنتجتها جميع اللغات والثقافات والحضارات، منذ فجر البشرية الأسطوري وحتى هذه اللحظة الراهنة. فما دام هناك على وجه الأرض، عقل بشري يعمل وينفعل ويتطور، وخيال يجنح ويسمّي السَّديم ويتفجّر، وثمة تزاوج وحمل وولادات مستمرة. وما دامت هناك لغات مختلفة ومتعددة ومتصارعة فيما بينها. وما دامت هناك إبداعات أدبية وفنية وجمالية وفكرية وفلسفية، واختراعات صناعية وتقنية وعلمية، وابتكارات سلعية تجارية واستهلاكية، وصراعات سياسية وحروب واحتلال وانتهاكات، وكتابة صوتية - شفاهية وكتابة عالمية. فإن ماكينة التسميات والمصطلحات والمفاهيم الجديدة أو إعادة التفكير فيما تقادم منها، لن تتوقف أبداً حتى قيام الساعة. لأن الإنسان في تصوري، كائن اسميٌّ في الأساس، لغويٌّ في الأصل، فلقد تعرف إلى الطبيعة والكائنات وإلى حقيقة نفسه والوجود برمته، عندما اخترع اللغة واكتشف لذة معاني هذه التسميات، وما تشير إليه من أفعال ومواصفات ورموز ودلائل وبراهين.

من هنا نقول: إذا كان لكل اسم، طبيعي أو رمزي، إيقاعه ورنينه المميز، فإن الاسم نفسه أحياناً لا يتطابق بالضرورة مع ماهية مسماه، أو مع هوية المسمى عينه في جميع الحالات. لأن هناك كثيراً من المسميات التي بإمكانها أن تكون زائفة، ملفقة، خادعة، أو «مجرد حشو» لا أكثر. كأن نسمّي الهزيمة بالنصر مثلاً، أو نلقب شخصاً ما بالشجاع بينما هو أجبن من دجاجة، وهكذا...، لذا فإن خطورة العبث بالتسمّيات واختلاقها، لا تطال هذه الأشكال الزائفة من التحريفات فحسب، بل إن الخطورة كل الخطورة، تكمن في تصوري، حين يتم تحريف اسم أرض أو بلاد أو إقليم أو موقع أو تغيير حدود ما، من قِبَل مؤرخ ما أو قومية معينة أو مُحْتل أو مستعْمِر، إما عن طريق الخطأ أو عن طريق العمد الصريح والمباشر. تماماً كما فعل، مثلاً، بعض الجغرافيين والمؤرخين اليونان، حين قاموا بتسمية بعض المواقع خطأً ومن دون تدقيق (سنذكر ذلك لاحقاً)، أو كما فعل كريستوفر كولمبوس في بلدان أميركا اللاتينية، حين كان يطلق اسم قواده أو أسماء ملوك إسبانيا أو أسماء الرموز المسيحية، على كل بلدة قام بغزوها وتنصيرها ومحو ذاكرتها. هكذا يتبين لنا، بأنه حين نُسمّي المسمَّى، فإننا «(نقتله) برفضه في ما كان عليه، لنحييه على طريقتنا، فالاسم سياسة إذاً»(2).

عربي أم فارسي؟

ولعل من أقدم الخلافات الجيوسياسية أو الجيوبوليتيكية في منطقة الخليج العربي، والذي أخذت أبعاداً دولية، هو الخلاف الدائر بين الإقليم الخليجي وجمهورية إيران، على تسمية البحر الفاصل بينهما، والذي يمتد من خليج عُمان جنوباً وحتّى شط العرب شمالاً. فهذه الذراع المائية التي تعتبر بحراً قارياً ضحلاً، يبلغ طوله قرابة ألف كم، ويتراوح عرضه بين 200 و350 كم تقريباً، ويضيق حتّى 60 كم عند تدفقه في المحيط الهندي عبر مضيق هرمز. ظلّ مثار خلاف قديم ومتجدد بينهما، إذْ ظل الخلاف محصوراً في هذا السؤال/&rlm&rlm المشكلة: هل هذا البحر، هو خليج عربي أم فارسي؟ وبالتالي ما رمزية هذا المسمَّى، ما معناه، وما الذي يترتب على ذلك من تبعات ونتائج؟

فبينما هذه القضية التي بقيت لسنوات طويلة، بين شدّ وجذب بين الطرفين المختلفين، وإن ظل الموقف الخليجي منها رصيناً وهادئاً ويلتزم في الغالب الصمت وعدم الرد، إلاّ أن الموقف الإيراني في المقابل، تجاوز مرحلة الخلاف هذه إلى مرحلة الصراع المفتوح والمعلن، خاصة فيما ظلت تُظهره الحكومة الإيرانية بين الفينة والفينة، من مواقف وإجراءات وتصرفات متعنتة استفزازية، وتصريحات عنصرية واستعلائية مهدّدة ومتشنجة ومتوعدة، حول هذا الموضوع بالذات، وحول غيره من المواضيع الأخرى التي تتماشى مع سياسة النظام الإيراني التوسعية والطائفية والعدوانية، في المنطقة العربية عموماً. ولعل الشواهد على ردات الفعل الإيرانية حول قضية المسمّى هذه كثيرة وعديدة ولا مجال هنا لتعدادها كلها.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، احتجت إيران بشدّة على تصريح وزير الخارجية الألماني فرانك - فالتر شتاينماير، الذي زار المنطقة في 2015، وسمّاها بمنطقة الخليج العربي وليس «الفارسي». كما أنها انتقدت مؤخراً وبشدّة أيضاً، بحسب موقع الجزيرة نت، شركة غوغل بسبب حذفها اسم ما تصفه بـ«الخليج الفارسي»، من خدمة خرائطها الشهيرة «غوغل مابس»، بحيث ظهرت الخريطة بلا مسمّى للبحر نهائياً. ولعله يخطئ كثيراً من يظن، بأن قضية المسمّى هذه محصورة بين دول الخليج والقيادة الإيرانية فقط. إذ لا يوجد في الأصل إجماع شعبي عام، على تسمية «الخليج الفارسي»، في داخل إيران نفسها. فقبل أيام فقط، هدد اتحاد كرة القدم الإيراني، فريق «تراكتور سازي» باتخاذ عقوبات مشددة بحقه بسبب هتاف مشجعيه من الأتراك الآذريين: «الخليج عربي». وهي ظاهرة باتت تتكرر في أغلب مباريات هذا الفريق الذي يقول مناصروه: إنهم من خلال هتاف «الخليج عربي» يردون على العنصرية الفارسية المعادية للعرب والأتراك في إيران، التي تصر على «تفريس» الأسماء العربية والتركية. وخلال السنوات الأخيرة أصبح فريق «تراكتور» رمزاً للقومية التركية - الأذربيجانية، وفريق «فولاذ» في الأهواز رمزاً للقومية العربية، حيث يطلق أبناء القوميتين شعارات تتحدى التفريس وترفع مطالب اجتماعية وقومية وسياسية، في غياب أي تمثيل حقيقي لهم في مؤسسات الدولة الإيرانية. وليست هذه المرة الأولى التي تهتف فيها جماهير الفريق بهتاف «الخليج عربي»، رداً على شعار الجماهير الفارسية «الخليج فارسي» أو شعار «خليج هميشه فارس»، أي «الخليج فارسي للأبد». وكذلك تأكيدهم على صهر كل القوميات قسراً في بوتقة اللغة والتاريخ والثقافة الفارسية(3).

قضية اسم الخليج إذاً، هي واحدة من الأسباب المهمة التي وُظّفَت إيرانياً لتأجيج النزاع الخليجي - الإيراني، والتي أفضت بالتالي إلى هذه التوترات العالية والدائرة ما بينهما، اليوم. خاصة فيما ظلت تعلنه إيران من تهديدات متلاحقة في إغلاق مضيق هرمز عسكرياً مثلاً، وتصرفها كما لو أن بحر الخليج كله، بمياهه الدولية والمحلية، ملكها وحدها فقط. أو في محاولاتها الضارية لـ «تفريس العرب» في الجانب الشرقي من الخليج، أو في استمرار احتلالها لجزر الإمارات الثلاث، أو في مواصلة تغذية خطاب الكراهية والحقد الفارسي للعرب، أو في غيرها من الأحداث المتصلة بذلك. وعليه، فإن تناولنا لهذه القضية الخلافية والمسيَّسة إيرانياً حتّى العظم، يتطلب منّا قراءة جديدة ومختلفة عما سبقها من قراءات، لا من الجانب السياسي والأمني والعسكري، وإنما من جوانب جيولوجية وآثارية وتاريخية وثقافية واستدلالية أخرى، كما سنتابع في الأسطر القادمة.

أسماء عديدة لبحر واحد

ولكن دعونا أولاً نستعرض مسمّيات بحر الخليج، فهو من أكثر بحار العالم التي تعرضت لهذا الكم من فسيفساء التسميات منذ أقدم العصور، بحيث يقف المرء أمامها حائراً ومستغرباً من كثرة ما تثيره هذه التسميات من لغط ومن تحريفات متشظّية، تطرح علينا اليوم، بما يشبه اللّغز المحير الذي يبحث عن إجابة شافية. وذلك طبعاً، بفعل التقلبات السياسية، والفبركات الجغرافية الحدودية، وأخطاء بعض المؤرخين القدماء، والهيمنات الاستعمارية، وتزايد الأطماع على المنطقة الخليجية ككل، منذ حملة الإسكندر المقدوني الذي وصل إلى شمال الخليج في فترة ما قبل الميلاد، وحتى هذه اللحظة الراهنة. لهذا حان الوقت في تصوري، لأن يتم التصدي لهذا النوع من القضايا الموجهة والمقلقة والمفبركة، التي تمس هُويَّة الإقليم الخليجي وسيادة بلدانه، ومحاولة تحريف اسم بحره، وتبرير احتلال أمكنته، وإلغاء منتوجه الحضاري والثقافي، والتدخل في شؤون دوله وشؤون المنطقة العربية ككل، كما فعلت وتفعل إيران بشكل سافر منذ زمن طويل. خاصة أن قضية التسمية هذه، وإن بدت سياسية في طرحها ومتطلباتها ظاهرياً، كما حرفتها إيران عن مسارها السلمي، فإنها ثقافية وتاريخية في الصميم.

فبادئ ذي بدء، من المهم التمعن في أسماء هذا البحر: فمن «بحر الشمس المشرقة»، و«مياه الموت»، و«بحر السَّلام». أضف، إلى أن هيرودوت (484 -425 ق. م)، والإسكندر الأكبر (323 -336 ق. م)، قد أطلقا اسم «البحر الإيريثري»، أي الأحمر، على بحر الخليج العربي (وهي تسمية يونانية خاطئة، تجمع البحر الأحمر بالخليج العربي والمحيط الهندي كله)، حيث كان يطلق عليه في ذلك الوقت الخليج العربي، وهكذا كان معروفاً لبطليموس أيضاً. كما «كان يطلق عليه «مكان العبور»، أو ربما «مكان الحكم»، وربما تليق تسمية «البحر المر» بملوحة المياه الضحلة نسبياً في الكثير من أرجاء الخليج، خاصة في أشهر الصيف، بينما كانت عبارة «البحر الأدنى»، العبارة المستخدمة تكراراً منذ الألف الثالث قبل الميلاد، للتفريق بينه وبين البحر الأعلى، أي البحر المتوسط(4). وهناك أسماء أخرى غير هذه أيضاً، إلاَّ أني أكتفي بذكر هذه كمثال فقط. أما تسمية «البحر الفارسي» أو «الخليج الفارسي»، فهي تعتبر من التسميات الخاطئة. إذْ بات من المرجح اليوم، بأن «الإسكندر الأكبر، هو أول من أطلق تلك التسمية، بعد رحلة موفده أمير البحر نياركوس عام 326 ق. م. وقد عاد من الهند بأسطوله بمحاذاة الساحل الفارسي، فلم يتعرف إلى الجانب العربي من الخليج. مما دعا الإسكندر، إلى أن يطلق على الخليج ذاك الاسم، وبقي متداولاً بطريق التوارث. وعن طريق اليونان، تسربت التسمية للغرب، واستعملها بعض العرب (أحياناً باسم «الخليج الفارسي»)، كذلك حتى منتصف القرن العشرين»(5).

خطأ اسم «الخليج الفارسي»، يؤكده أيضاً كل من الراحلين إبراهيم خوري وأحمد التدمري، إذ تعود جذوره برأيهما، إلى الخلط بين مسمَّى «ارثره ثالسه»، أي البحر الأحمر، وبين «خرافة الملك أرثراس» اليوناني (الحكاية طويلة ولا يمكن اختصارها هنا)، الذي روى عنه «بوكسوس» الفارسي المتأغرق الذي استقر في أثينة، بل في الكثير تشير إلى حدود البحر المحاذي للساحل الفارسي فقط، وليس الخليج العربي في مجموعه. وعليه فإنهما يخلصان بالقول: «وهكذا فإنه لا وجود للمغزى السياسي البتة في تسمية الخليج العربي بالفارسي، فالتسمية محصورة فيما يكتبه المؤلفون عن بلد ما إذ يلحقون باسمه ما يجاوره من شاطئ أو بحر، ولا تدل التسمية أبداً على أن فارس استطاعت« تفريس» الخليج العربي في يوم من الأيام، كما تسمية بحر الهند أو المحيط الهندي، لا تنطوي على أي مدلول سياسي أو هيمنة للهند على المحيط مهما كان نوعها»(6). أمّا بخصوص تسمية الخليج العربي، فإن الرومان قد أسموه «الخليج العربي». وممن أطلق تلك التسمية، المؤرخ الروماني بليني بلينيوس الأصغر، في القرن الأول للميلاد. كما أن عماد الحفيظ يقول: «إن تسمية الخليج العربي ظلت معروفة منذ قبل الإسلام، واستمرت إلى ما بعد الإسلام، لدى سكان شبه الجزيرة العربية وما جاورها» (7). وهذا يعني، بأن تسمية الخليج العربي ليست حديثة، ولم تظهر بظهور المد العروبي الناصري في خمسينيات القرن العشرين، كما يردّد البعض خطأً، وإنما هي أقدم من ذلك بكثير.

كلُ هذه التسميات إذاً، إذا ما لاحظنا جيداً، هي أسماء لمكانٍ واحدٍ هو: بحر الخليج، وليس أي مكانٍ آخر سواه. فهذه التسميات التي تعود في جذورها إلى عصور وألفيات ما قبل الميلاد وما بعده، قد مرت بتحولات كثيرة جداً ومسميات كثيرة. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بإلحاح هو: ما سبب تعددية الأسماء هذه؟ ولماذا لم يثبت على اسم واحد طيلة تاريخ المنطقة الضارب فعلاً في القدَم؟ فصحيح مثلاً، أن بلاد العرب أو جزيرة العرب أو شبه الجزيرة العربية، تعتبر من أقدم المسميات التي ارتبطت بموقع الإقليم الخليجي، إلا أن مسمّى بحر الخليج وحده، هو من تعرض لتعددية مصفوفة التسميات تلك.

هذه التعددية الاسمية للمكان الواحد، وإذا ما تمعنا فيها جيداً، قد تكون من الناحية الأنثروبولوجية مصدراً ثراً لمعرفة سرديات المكان الخليجي، وتبيان ما كان يربط هذه المنطقة من اتصالات مختلفة ببقية الحضارات القديمة المجاورة لها أو البعيدة عنها، ومن ثم تتبع كيف كانت نظرة الآخر القديم لشعوب المنطقة والمكان الذي يمثلها وتمثله، وكيف تجرأ على تسمية مكان معلوم أصلاً ليحوله إلى مكانٍ مبنيٍ للمجهول. أي كيف غير اسماً معروفاً باسمٍ غير معروف أو محرَّف، كما فعلت أثينة (على الرغم من أن مراجعها التاريخية، تذكر صراحة اسم «الخليج العربي»)، أو الحضارات القديمة لبلاد ما بين النهرين (سومر، أكاد، وبابل)، أو الفرس، أو كما فعل بعض من العرب أيضاً.

وعلى العموم، وما دام الأمر كذلك، فإن من الطبيعي والمنطقي لكل من يريد أن يسمي مكاناً ما حتى ولو بصيغة رمزية، يتوجب عليه أولاً أن يكون ملماً وعارفاً بتاريخ وبطبيعة هذا المكان وحدوده على الأقل، إلا إذا كان يضرب في السديم طبعاً. أما ألا يأخذ بهذين الاعتبارين أو الشرطين، فإنه يكون بهذا قد حول مقاصده من مجال المعرفة، إلى مجال العصبيات وما يتبعها من تعنت وإلغاء للآخر.

غير أن لحكاية الاسم هذه، في تصوري، وجهاً آخر، وجهاً جيولوجياً وطوبوغرافياً في غاية الأهمية، لطالما ظل مُغيباً ومهمشاً في التجاذبات والاختلافات السياسية والتاريخية، الدائرة بين الإقليم الخليجي وإيران، حول مسمَّى البحر ذاته. فما إذاً أصل هذه الحكاية في منبتها الجيولوجي، والتي بإمكانها أن تضيء الجانب الخفي من الحكاية؟ أي ما هي حكاية تشكّل بحر الخليج العربي في الأصل والمآل؟ وهل كان لهذا البحر من وجود سابق، قبل التحام الجزيرة العربية بالمنبسط الآسيوي أم لا؟

للإجابة على هذا السؤال، ولكشف الادعاءات الفارسية حول قضية مسمّى الخليج، وغيرها من الأمور المتصلة بها كذلك، سنتوقف في البرهة القادمة عند بعض الحقائق التاريخية، التي بإمكانها أن تُظهر حجم ذلك التزوير الفارسي الذي لم يعد السكوت عنه مقبولاً ولا محتملاً كذلك، ألا وهي: أولاً: الحقيقة الجيولوجية، ثانياً: الحقيقة الآثارية والتاريخية، ثالثاً: حقيقة ملاحة الفرس، رابعاً: الحقيقة الجيوسياسية.

لمطالعة بقية المقال، اضغط هنا.

اقرأ أيضا