الاتحاد

تقارير

فضيحة «سنودن»... حفظ الأمن وضياع

ثمة تغييرات في الولايات المتحدة ستطرأ على برامج الاستخبارات الدفاعية والهجومية في وكالة الأمن الوطني، لكن إذا تعرضت الولايات المتحدة إلى هجوم كما حدث في سبتمبر 2001، عندئذ ربما يجد الداعون إلى هذا التغيير أنفسهم مخطئين تماماً مثل أجهزة الاستخبارات، التي ستتحمل معظم الانتقادات على رغم ذلك.
وكانت الوكالة تدير هذه البرامج بسرية نسبية حتى يونيو الماضي، عندما ظهرت التقارير الأولى بسبب الوثائق التي سربها الموظف السابق لدى الوكالة إدوارد سنودن للصحفيين.
ولكن، لا ينبغي توقع أن تقود المحاكم الاتحادية دفة التغيير، لا سيما أن قاضي المحكمة الجزئية الأميركي ويليام باولي أوضح في قراره يوم الجمعة الماضي أن «التداخل الطبيعي بين حماية الدولة والحفاظ على الحقوق المدنية حاضر بوضوح في محتوى برنامج جمع البيانات التليفونية الضخمة الذي تنفذه الحكومة».
وذكر القاضي أن إقبال «سنودن» على تسريب تلك الوثائق من دون تفويض أثار جدلاً ومقاضاة واسعة النطاق، لكن فيما يتعلق بالقضية المنظورة أمام محكمته، توصل إلى أن رصد تسجيلات مكالمات هاتفية أجراها أميركيون، والأرقام التي يتم الاتصال بها ووقت وطول هذه المكالمات كان «قانونياً». وعلى رغم ذلك، يتناقض هذا القرار مع الحكم الصادر قبل أسبوع واحد من قاضي المحكمة الجزئية ريتشارد ليون. غير أن «باولي» ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث كتب يقول «إن مسألة ضرورة تطبيق البرنامج من عدمها متروكة للبيت الأبيض والكونجرس، وعليهما أن ينسقا لاتخاذ قرار في هذا الصدد». ولنتناسى للحظة برنامج رصد البيانات الضخمة ونركز على مقترحي التعامل مع الأولويات الاستخباراتية والأمن الداخلي المقدمين من لجنة مراجعة الاستخبارات وتكنولوجيا الاتصالات التي عينها الرئيس أوباما.
وبحثت هذه اللجنة المكونة من خمسة أعضاء ما إذا كانت عملية تحديد متطلبات جمع المعلومات الاستخباراتية وأيضاً أهداف وكالات مثل «الأمن الوطني»، بقيادة البيت الأبيض، قد تجاوزت ما هو مطلوب من أجل حماية أمن الولايات المتحدة.
وحسب لجنة المراجعة، كان «إطار عمل أولويات الاستخبارات الوطنية»، وهي العملية التي تحدد المتطلبات الاستخباراتية، مكون من التنصت على ثلاثين هدفاً استخباراتياً في ثلاث شرائح قبل سبعة أعوم، ثم نمت إلى خمس شرائح في الوقت الراهن. وتمثل الشرائح درجات الأهمية، إذ تعكس الشريحتان الأولى والثانية «أولويات الدولة التي يحددها الرئيس» بعد مراجعة الاحتمالات المقدمة من قبل مجلس الأمن الوطني، حسبما أفادت اللجنة. وأما الشرائح الثالثة والرابعة والخامسة فتعكس المعلومات التي تحتاجها الوكالات والبرامج الحكومية الأخرى من أجل تنفيذ مهامها القانونية. وتطلب كثير من الأولويات رصد بيانات دولية تتجاوز تنظيم القاعدة والجماعات الإرهابية لتشمل تطبيق العقوبات وحظر الانتشار النووي وتهريب البشر وتجارة المخدرات وأنشطة الاحتكار الإجرامية وحتى الانتهاكات ضد حقوق الأقليات العرقية. وتقدم المستندات التي سربها سنودن إلى الصحفية «لاورا بويتراس» ونشرتها مؤخراً صحيفة دير شبيجل على شبكة الإنترنت بعض الإيضاحات بشأن قائمة أولويات الاستخبارات. وأشار مقال نشرته الصحيفة في السادس والعشرين من أغسطس الماضي إلى الأولويات الكبرى في تقرير مراجعة من 12 صحفة، والتي تضمنت دولاً مثل إيران وكوريا الشمالية والصين وروسيا.
وكانت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي من بين الأهداف المدرجة على القائمة لجمع معلومات استخباراتية بشأن السياسات التجارية والسياسة الخارجية (أي ضمن الشريحة الثالثة)، إلى جانب أمن الطاقة والمنتجات الغذائية والابتكارات التكنولوجية (وكل منها مصنفة ضمن الشريحة الخامسة)، حسب دير شبيجل. وفي العشرين من أكتوبر، أفادت مقالة نشرتها الصحيفة الألمانية بأن تجارة المخدرات في المكسيك صنفت ضمن الشريحة الأولى، بينما كان جمع معلومات بشأن قيادة الدولة في الشريحة الثالثة إلى جانب الاستقرار الاقتصادي والقدرات العسكرية وسجل حقوق الإنسان.
ومع ذلك، توصي اللجنة المعينة بمزيد من المراقبة على عملية وضع «إطار عمل أولويات الاستخبارات الوطنية»، وخصوصاً الأولويات في الشرائح المتدنية، والتي تشير إلى أن وكالة الأمن الوطني ربما تبالغ في بعض الحالات في القيام بها. والتوصية الأخرى من قبل اللجنة هو تشديد الأمن الداخلي في مجتمع الاستخبارات، ومحاولة إغلاق باب الوصول إلى المعلومات فائقة السرية التي فتحه سنودن على مصراعيه.
وتقترح اللجنة استبدال أسلوب «ضرورة تبادل المعلومات» الذي نتج عن الإخفاقات المرصودة قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2011، بأسلوب «الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالعمل فقط»، وهو ما من شأنه منع ما وصفته اللجنة «بالإسراف في توزيع معلومات سرية على جميع من لديهم تصريحاً أمنياً ومهتماً بقراءة المعلومات» مثل سنودن.
وتدعو توصية أخرى إلى تحسين البرامج الإلكترونية التي تتحكم في «نشر بيانات سرية» بأسلوب يشدد القيود على الوصول لهذه المعلومات واستخدامها، إضافة إلى «التدقيق في آثار هذا الاستخدام». وكما أوضحت مستشارة الأمن الوطني سوزان رايس في برنامج «60 دقيقة» في 22 ديسمبر الماضي، «ينبغي أن لا تتقوض حقيقة أننا لم نتعرض لهجوم إرهابي ناجح على أراضينا منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن ذلك لا يعني أن كل شيء نفعله في الوقت الراهن ينبغي أن نفعله بالطريقة نفسها في المستقبل». وإذا كان البيت الأبيض والكونجرس سيجريان التعديلات التي تتم مناقشتها في الوقت الراهن، فيبدو أن وكالة الأمن الوطني ربما تجمع معلومات أقل وسيكون عدد أقل من الأشخاص لديهم القدرة على الوصول لهذه المعلومات، وهو ما يعني فقدان القدرة على ربط المعلومات، ومن ثم اعتراض الهجمات قبل وقوعها.


والتر بنكاس
محلل سياسي أميركي


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سرفيس»

اقرأ أيضا