الاتحاد

ألوان

«زايد التراثي» يودِّع جمهوره بلوحات من حياة الأقدمين

«ذاكرة وطن» من أبرز أجنحة المهرجان (تصوير حميد شاهول)

«ذاكرة وطن» من أبرز أجنحة المهرجان (تصوير حميد شاهول)

أحمد السعداوي (أبوظبي)

انتهت أمس فعاليات مهرجان الشيخ زايد التراثي، بعد مسيرة 45 يوماً حافلة بألوان التراث الإماراتي الذي نقل للعالم من أنماط حياة أهل الإمارات الأقدمين، عبر واحد من أضخم المهرجانات التراثية في المنطقة، والذي يحظى برعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وبدعم من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ومتابعة سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة، حيث استطاع القائمون على المهرجان عبر زخم كبير من الفعاليات والأنشطة المدهشة في إبراز لآلئ ومفردات الموروث المحلي الإماراتي في أبهى حلة عكست قدرة تنظيمية عالية في ظل أجواء شتوية رائعة أسهمت في زيادة لافتة بأعداد جماهير النسخة السادسة من المهرجان الذي انطلق على أرض منطقة الوثبة في أبوظبي في التاسع عشر من نوفمبر الماضي.

نقل وترحال
تنوعت مشاهد وألوان التراث في ساحات المهرجان طوال هذه المدة، بين عروض الهجن والخيالة في ساحة ركوب الخيل والهجن التي توافدت عليها أعداد كبيرة من الجماهير طوال أيام المهرجان من كل الجنسيات والأعمار للاطلاع عن قرب على تلك الكائنات التي عاشت مع الإنسان الإماراتي على مدى آلاف السنين وكان لها دورها الملموس في تيسير سبل الحياة على هذه الأرض نتيجة استخدامها في أغراض متعددة منها وسيلة نقل وترحال، منتجات غذائية عظيمة القيمة، عمل مسابقات للرياضة وشغل أوقات الفراغ لدى سكان البادية.
وأمكن لزوار المهرجان مطالعة «مسجد البدية»، هو مسجد أثري، بُني نحو سنة 1446 م، ويقع في قرية البدية بإمارة الفجيرة، ويعدّ أقدم مسجد ماثل في الدولة، وما زالت الصلاة تُقام فيه حتى اليوم، وقد شُيّد في المهرجان بناء مطابق لمسجد البدية التاريخي بتفاصيله كلها، وهو المَعلم الرئيس في البيئة الجبلية، فقد بُني باستخدام المواد نفسها التي بُني بها المسجد الأثري من الحجارة الكبيرة والصغيرة، كما استُخدم فيه الطين المحروق كمادة رابطة للبناء، ليطابق هذا المعلم المسجد الأثري في تفاصيله المعمارية وزخارفه، وحتى رائحته، وسيكون هناك أيضا معرض للصور التي توضّح طريقة بناء المسجد، ويمكن لزوار المهرجان الصلاة فيه.
كما اشتملت فعاليات الحدث التراثي، تسليط الضوء على الصقور التي ارتبطت بشكل عميق بأهل الإمارات منذ قديم الزمن عبر استخدامها في أغراض الصيد والرياضة، من خلال جناح نادي صقاري الإمارات، ونادي أبوظبي للصقارين، وكذلك السلوقي بما له من مكانة خاصة عند الآباء والأجداد، الذين استخدموه في الصيد والترحال والمرافقة والحراسة، وقد اهتمّ البدو العرب بتربية السلوقي منذ آلاف السنين، وذلك لقدراته الاستثنائية وذكائه وولائه، وفي هذا المعرض يقدم المركز لمحة عن السلوقي العربي ومختلف نشاطاته، ودوره في الحفاظ على التراث المحلي.

ذاكرة وطن
أما أيقونة المهرجان، فتمثلت في «جناح ذاكرة وطن» الذي نظمه الأرشيف الوطني التابع لوزارة شؤون الرئاسة، ومن هنا تأتي أهمية جناح «ذاكرة الوطن»، الذي يعد من أبرز فعاليات المهرجان بما يحويه من صور وأفلام تاريخية حول مسيرة الاتحاد وبناء الدولة والدور الذي لعبه المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في تأسيس الاتحاد، إضافة إلى وثائق تعكس إنجازاته وأقواله الخالدة واهتمامه بالتنمية والتعليم والزراعة والمرأة والتراث. كما يضمّ الجناح «ركن حماة الوطن»، الذي يتناول مراحل تطور القوات المسلحة الباسلة، فضلا عن تكريم سيرة الشهداء الأبرار، كما اشتمل الجناح على معرض زايد الأول الكبير، الذي قدم نبذة عن الشيخ زايد الأول الذي يعتبر من أعظم حكام إمارة أبوظبي والذي حكم بين (1909 – 1855) ويستعرض أهم الإنجازات التي تحققت في عهده في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما يبرز المعرض اهتماماته بالشعر والخيول العربية الأصيلة.
وبذكر الخيل وعالمها الجميل أتاح المهرجان للزوار مطالعة معرض زايد والخيل المقام ضمن مهرجان الشيخ منصور بن زايد آل نهيان العالمي للخيول العربية الأصيلة، الذي أقيم ضمن فعاليات «زايد التراثي»، حيث عكس معرض زايد والخيل، مكانة الخيول الخاصة عند حكام الإمارات على مرّ العصور، ومن خلاله تعرف الجمهور إلى خيول آل نهيان الكرام، إذ تُستخدم أحدث التقنيات التفاعلية لاستعراض تاريخ هذه الخيول العربية الأصيلة من «ربدان» فرس الشيخ زايد الأول، إلى اهتمام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله بالخيول العربية الأصيلة، وقصة فرسه الأسطورة «العنود»، التي لم تهزم في 37 سباقاً، وانتهاء بخيول سمو الشيخ منصور بن زايد وإنجازاته في هذا المجال.
أيضاً مؤسسة خليفة للأعمال الإنسانية كان لها حضورها اللافت بين فعاليات النسخة السادسة للمهرجان هذا العام عبر جناحها الضخم، فضلًا عن الدور الجبار الذي قامت به المؤسسة في تأسيس الأجنحة التراثية التي تم تشييدها ودعوة مشرفيها وحرفييها، حيث بذلت جهوداً جبارة لجذب أفضل العارضين واستقطاب أهم الصناعات التقليدية والحرف الشعبية من الإمارات وغيرها من الدول المشاركة في المهرجان.

الأحياء التراثية
وللمرة الأولى قامت المؤسسة، ومن خلال فعالية الأحياء التراثية بدعوة عدة دول من خارج دول الإمارات إلى مهرجان الشيخ زايد التراثي هذا العام، بهدف تعريف الجمهور المحلي بثقافات هذه الدول وصناعاتها التقليدية وحرفها المحلية، ومحاولة جذب الجاليات العربية والأجنبية المقيمة في الدولة إلى المهرجان، ومن هذه الدول السعودية، البحرين، سلطنة عمان، مصر، المغرب، كازاخستان، البوسنة والهرسك، الهند، الصين، أفغانستان، فقدموا جميعاً لجمهور المهرجان وجبة تراثية عالمية في ضيافة إماراتية مميزة برعاية مؤسسة خليفة بن زايد للأعمال الإنسانية. حيث ضمت فعالية الأحياء التراثية، 490 عارضاً يقدمون ومضات من عاداتهم وتقاليدهم المختلفة، ويضم كل جناح من أجنحة الدول التسعة المشاركة نحو 30 متجراً يقدمون منتجات مختلفة من قبيل المنسوجات والفخاريات والصناعات اليدوية للقطن والصوف والحرير، وصناعة السجاد والصناعات الجلدية كالأحذية والحقائب وصناعة النجارة وصناعة الفخار والأواني.
ومن المشاركات المتميزة في المهرجان، الجناح الذي نظمته هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، تحت شعار «روح مدينة العين»، ومن خلاله تم تسليط الضوء على المعالم التراثية والتاريخية في المدينة، ومنها «قصر العين» الذي كان يقيم فيه الشيخ زايد، حيث تم عرض صور ومقتنيات من متحف قصر العين، كما اشتمل الجناح عرض نماذج متنوعة من الفنون الشعبية التراثية الإماراتية التي قدمتها فرق شعبية إماراتية استقطبت قطاعات واسعة من الجمهور على مدى أيام المهرجان.

ورش تفاعلية تبهر الزوار
في الوقت الذي أقبل فيه الزوار على جناح شركة الفوعة للتمور بإطلالتها الواسعة على عالم التمر وقيمته في الموروث المحلي الإماراتي، ثم قرية الألعاب التراثية التي تضمنت نماذج لألعاب ووسائل التسلية عند أهل الإمارات الأقدمين، برزت أيضاً ورش العمل التفاعلية وساحات صناعة السفن وغيرها من الحرف القديمة، حيث استمتع زوار المهرجان من المواطنين والمقيمين والسائحين بعالم ثري من الأصالة والعراقة رسمته أيادي أبناء الإمارات في مهرجان الشيخ زايد التراثي منذ انطلاقه وحتى إسدال ستائره أمس، على وعد بزخم أوسع من الفعاليات والمناشط التراثية عظيمة القيمة والأثر في نفوس أبناء الإمارات، في مثل هذا الوقت من العام القادم مع حلول موعد النسخة السابعة من المهرجان التراثي الأضخم في المنطقة بمشيئة الله.

اقرأ أيضا