الاتحاد

تقارير

جنوب السودان... صراع مسلح يسبق محادثات السلام

نازحون جراء المواجهات المسلحة في مدينة بور  بجنوب السودان  (رويترز)

نازحون جراء المواجهات المسلحة في مدينة بور بجنوب السودان (رويترز)

تؤشر المعارك التي احتدمت الثلاثاء الماضي للسيطرة على بلدة بور الاستراتيجية في جنوب السودان، لحدوث تطور حاسم في الصراع الدائر هناك منذ أكثر من أسبوعين، وبما يمنح الثوار موقعاً أقوى في محادثات السلام التي ينتظر أن تنطلق هذا الأسبوع، وهي تدل على أن «سلفا كير» بدأ يفقد السيطرة على الحكومة والحزب الحاكم معاً. وعقب خسارة كير لبلدة بور قبل أكثر من أسبوع، بدأ مؤيدو نائبه السابق «ريك مشار» الذي يقود الثوار، هجومهم الثلاثاء الماضي على القوات الحكومية وتمكنوا من الاستيلاء على مواقع استراتيجية. وحتى مساء ذلك اليوم، لم يكن من الواضح مدى اتساع الأجزاء التي تمكن الثوار من الاستيلاء عليها داخل البلدة، إلا أن بعض التقارير أشارت إلى أنهم ربما يكونون قد سيطروا على البلدة بأكملها.
ومع احتدام المعارك، سعى الوسطاء الأميركيون والأوروبيون إلى دفع الطرفين للمشاركة في محادثات السلام في أديس أبابا. وبعد ظهر الثلاثاء أعلن مسؤولو الثوار والحكومة عن أنهم سيرسلون ممثلين عنهم وبما يزيد من توقعات التوصل لاتفاق هدنة لوقف القتال. وقال «دونالد بوث» المبعوث الأميركي الخاص إلى جنوب السودان في تصريح صحفي: «تكمن الخطوة الأولى المهمة في توقيف عمليات الاختطاف».
وما زال الموقف في «بور» مشوباً بالتوتر والغموض.
ويوم الثلاثاء الماضي، بعد الإعلان عن موعد انطلاق محادثات السلام، رفض الطرفان المتصارعان التراجع عن موقفيهما المتصلبين. وقال “فيليب أجيور” الناطق باسم جيش جنوب السودان الثلاثاء: «هناك معارك وفوضى عارمة تسود بور ولم يعد في وسعنا الاتصال بقيادتنا». ونفى “جوير” مزاعم الثوار بأنهم سيطروا على البلدة، وقال: «ما زال جنودنا يحتلون بعض أجزائها».
وعكس القرار بمهاجمة بور في اليوم الأخير من العام الماضي، حين حلّ الموعد المقرر لتنفيذ وقف لإطلاق النار سبق للوسطاء الأفارقة اقتراحه، خطوة محسوبة تصب في مصلحة مشار الذي يُعرف عنه دكتاتوريته وتفرّده في صنع القرار المتعلق بالتخطيط الاستراتيجي وفقاً لما يقول المحللون. فإذا ما تمكنت قواته من الاستيلاء على بور، التي تبعد بنحو 190 كيلو متراً عن العاصمة جوبا، فسوف يتمتع بموقف تفاوضي أقوى في محادثات السلام المقررة.
ويقول محللون إن سيطرة المتمردين على بور تمثل مؤشراً قوياً على فقد كير القدرة للسيطرة على الدولة. وهذه البلدة التي تعدّ عاصمة لولاية «جونجلي» الواقعة في القطاع الأوسط من جنوب السودان، تمثل المعقل الأساسي لقبائل “الدينكا”، وهي المجموعة العرقية الكبرى وأكبر قبيلة في جنوب السودان. وينتمي العديد من كبار مسؤولي «حركة تحرير شعب جنوب السودان»، التي تحكم الدولة الآن، والتي ساعدت على تحقيق الاستقلال عن السودان عام 2011، إلى قبائل الدينكا التي تستوطن بلدة بور.
ومن أشهر من ينتمي إلى هذه القبيلة «جون جرنج» قائد الثورة الراحل ذا الشخصية الكاريزمية والذي كان يترأس حزب «حركة تحرير شعب جنوب السودان» والذي توفى بحادث تحطم طائرة هليكوبتر عام 2005 بعد أشهر قليلة من توقيعه على اتفاقية سلام مع حكومة السودان وضعت حداً لأكثر من 22 عاماً من الحرب الأهلية.
وبعد مقتل «جرنج»، أصبح «كير» الذي ينتمي إلى قبيلة “دينكا”، رئيساً للحركة وما لبث أن أصبح رئيساً للدولة. وخلال الأشهر الأخيرة، شهد حزب «حركة تحرير شعب جنوب السودان» صراعاً داخلياً على السلطة. وكان معظم معارضي كير الأقوياء في الحزب من الدينكا. ويضم هؤلاء 11 من أعضاء الحزب البارزين كان «كير» قد ألقى القبض عليهم قبل أسبوعين بعد أن اتهم نائبه مشار بالتعاون معهم لتدبير محاولة انقلاب ضده، وهو الحادث الذي أدى إلى اندلاع الصراع بينهما والذي امتدّ إلى أجزاء مختلفة من البلد.
وعمد معارضو «كير» لاتهامه بالتفرّد بالسلطة والفشل في إدارة الدولة والفساد. وسارع «مايكل ماكواي» وزير الإعلام في حكومة جنوب السودان، والذي ينتمي إلى الحلقة المقرّبة من «كير» إلى نفي هذه المزاعم. وكان مما ساهم في زيادة التوتر بين الطرفين إعلان مشار عن أن الوفد المفاوض الذي سيمثله في محادثات السلام في إثيوبيا، سيكون بقيادة «ريبيكا نياندينج جارانج» أرملة جون جرنج.
وقال «بيتر فارم»، مدير مركز أفريقيا في مجلس الأطلسي: «إن أهمية بور لا تأتي من قيمتها الاستراتيجية بل من قيمتها الرمزية. فهي معقل “جونج جرنج” وقبيلة الدينكا. وخسارتها سوف تُضعف موقف كير أكثر وأكثر». ولقد أدى النزاع على السلطة إلى اندلاع صراع عرقي بين قبيلة الدينكا من جهة، وقبيلة “النوير” التي ينتمي إليها مشار. كما أن هذا النزاع أثار مخاوف من أن تشترك فيه قوى إقليمية. ويوم الاثنين الماضي، حذّر الرئيس الأوغندي يوري موسوفيني- والحليف القوي لـ«كير»- نائب الرئيس المقال “ريك مشّار” من أنه إذا رفض توقيع اتفاقية السلام، فإن الجيوش الإقليمية سوف تشترك في القتال لدحر قواته. وفي اليوم التالي، وافق مشار على المشاركة في محادثات أثيوبيا. وقُتل في هذا الصراع حتى الآن مئات المدنيين إنْ لم نقل الألوف منهم. ونزح أكثر من 180 ألف من السكان عن بيوتهم بمن فيهم 75 ألفاً أصبحوا لاجئين في القواعد العسكرية التابعة للأمم المتحدة.
وأدى القتال الدائر بين الطرفين إلى حبس عدد كبير من الأجانب في بيوتهم في عدة بلدات بمن فيها «بور»، وجُرح خلال القتال أربعة أميركيين، كما تعرضت ثلاث طائرات عسكرية أميركية لإطلاق النار عندما كانت تحاول إجلاء بعض المواطنين الأميركيين. وتمكن الثوار صباح الثلاثاء الماضي من السيطرة على مطار صغير في ضواحي «بور»، وعلى تقاطع مهم للطرق المؤدية إلى العاصمة جوبا وفقاً لتصريح أدلى به «جوزيف كونتريراس» الناطق باسم الأمم المتحدة في جنوب السودان. كما سيطر الثوار الذين يتألفون من جنود سابقين مسرّحين من الجيش الوطني وبعض المليشيات المؤيدة لمشار والمعروفة باسم «الجيش الأبيض»، على منطقة محاذية للقاعدة العسكرية التابعة لقوات الأمم المتحدة المكلفة بحفظ السلام والمجاورة للمطار.
ويتألف «الجيش الأبيض» من فصائل مقاتلة من قبيلة «النوير» تدين بالولاء لمشار ويُقدّر عديدها بالألوف. وأطلق عليه هذا الاسم للتعبير عن الرماد الأبيض الذي يطلي به الجنود أجسادهم والذي يتم تحضيره من تجفيف روث الأبقار للحماية من لدغ الحشرات.


سودارسان راغافان
جوبا


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا