الاتحاد

عربي ودولي

«فاينانشيال تايمز»: تراجع ثقة المستثمرين وانتكاس استعدادات استضافة المونديال

دينا محمود (لندن)

بلغة الأرقام التي لا تكذب، أبرزت صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية، ذات المكانة البارزة على الساحتين الاقتصادية والمالية في العالم، الخسائر الجسيمة التي تكبدتها قطر جراء العزلة المفروضة عليها، والتي دخلت شهرها الثاني عشر منذ أيام قليلة، دون وجود أي مؤشراتٍ على قرب خروج «نظام الحمدين» منها.
تسليط الضوء على ما تعاني منه الدويلة المعزولة من انهيارٍ اقتصاديٍ ونزيفٍ ماليٍ، جاء في تقريرٍ اختارت له الصحيفة المرموقة عنواناً لافتاً يقول «قطر تزعم أنها نجت من عاصفة الحظر من دون خسائر كبيرة»، وتناول مزاعم مضحكة وردت على لسان وزير المالية القطري علي العمادي، ادّعى فيها أن بلاده لم تنجح فقط في مواجهة الآثار المترتبة على المقاطعة الخليجية والعربية المفروضة عليها منذ منتصف العام الماضي، بل وإنها تُسرِّعُ كذلك من وتيرة إصلاحاتها الاقتصادية بهدف تعزيز الاستثمارات وتغيير شكل اقتصادها!
لكن الصحيفة فندت هذه المزاعم عبر تقريرها الذي أعده من الدوحة الصحفي سيميون كير، وأكد فيه أن السلطات القطرية اضطرت إلى إعادة أكثر من 20 مليار دولار من أموالها في الخارج إلى داخل البلاد، لإنقاذ قطاعها المصرفي بعد نزوح الودائع المصرفية الخليجية من مصارف هذا البلد المنبوذ خليجياً وعربياً.
ويعود جزءٌ كبيرٌ من هذه الأموال إلى ضخ «جهاز قطر للاستثمار» - وهو صندوق ثروة سيادي تابع لـ«نظام الحمدين» - قرابة 40 مليار دولار من أصل 340 ملياراً، هي إجمالي احتياطياته المالية، لدعم الاقتصاد القطري ونظامه المالي خلال الشهرين الأولين من الأزمة، كما كشفت عن ذلك خدمة المستثمرين التابعة لوكالة «موديز» للتصنيف الائتماني.
وجمع صندوق الثروة السيادي القطري تلك الأموال، عبر تقليل حصته في شركاتٍ ومؤسسات عالمية مرموقة، مثل مصرف «كريدي سويس» السويسري الشهير، وشركة «تيفاني» المعروفة للمجوهرات، وكذلك شركة «روسنفت» الروسية العملاقة للنفط، وذلك بعدما كان يفاخر فيما سبق بخططه الرامية إلى شراء المزيد من الأصول في الدول الغربية تحديداً.
وتفيد التقديرات بأن السلطات القطرية منحت مصارف البلاد قرابة 53 مليار ريال (قرابة 14.5 مليار دولار) خلال الشهور الثلاثة الأولى من المقاطعة، التي بدأ فرضها في الخامس من يونيو من العام الماضي، حين اتخذت الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات ومصر والبحرين) تدابيرها الحازمة ضد الدوحة، التي شملت قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية، وإغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية.
وفي تأكيدٍ آخر على جسامة الخسائر التي مُنيت بها قطر جراء العزلة، ألمح تقرير «فاينانشيال تايمز» إلى أن تدابير «الرباعي العربي»، شكلت انتكاسةً لا يُستهان بها لاستعدادات «نظام الحمدين»، لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم المقرر إقامتها عام 2022، والتي أُسند تنظيمها إلى هذا النظام عبر تصويتٍ أجرته اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي لكرة القدم الـ(الفيفا) أواخر عام 2010، في أجواء مُفعمة بروائح الرشوة والفساد.
وقال التقرير في هذا الإطار إن حملة المقاطعة التي أُطلِقت ضد قطر جاءت في وقتٍ «كانت تستعد فيه الإمارة النفطية الغنية (لتنفيذ) خطة تحول هائلة للبنية التحتية فيها بقيمة 200 مليار دولار، وذلك لتجهيز نفسها لاستضافة المونديال الكروي لعام 2022».
ولم تغفل الصحيفة البريطانية - ذات الكلمة المسموعة في عالم المال والأعمال على الساحة الدولية - الإشارة إلى أن الإعلان عن منح النظام القطري حق إقامة الحدث الأبرز على صعيد كرة القدم العالمية، كان بمثابة نقمة وليس نعمة بالنسبة للدوحة، قائلةً إن التنظيم المقرر للبطولة في هذا البلد المعزول أثار انتقاداتٍ حادة لـ«سجل قطر البائس في مجال حقوق الإنسان، وكذلك للظروف التي يواجهها العمال المهاجرون»، الذين يأتي الجانب الأكبر منهم من دولٍ آسيوية فقيرة مثل بنجلاديش ونيبال.
من جهة أخرى، شدد كير في التقرير الذي أعده لـ«فاينانشيال تايمز» من الدوحة على أن «التراجع الذي تشهده أسعار النفط أدى كذلك إلى التأثير سلباً على ثقة مجتمع الأعمال في قطر»، مُشيراً إلى أن ذلك فاقم المخاوف من حدوث تخمة متزايدة في قطاعيْ تجارة التجزئة والسوق العقارية.
كما أشار الكاتب إلى أن نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للدويلة المعزولة، تراجعت كذلك خلال شهور العزلة المتواصلة بفعل تشبث «نظام الحمدين» بالمكابرة ورفضه التخلي عن سياساته الداعمة للتنظيمات الإرهابية والمتقاربة بشدة مع نظام الملالي المُهيمن على الحكم في إيران.
واستند كير في هذا الصدد إلى أرقامٍ وبياناتٍ كشف عنها صندوق النقد الدولي النقاب، وأفادت بأن هذه النسبة تراجعت لتصبح 4% في العام الماضي مُقارنةً بـ 5.6 % خلال العام السابق لذلك، الذي لم يكن النظام القطري يخضع للعزلة خلاله.
واستعرض التقرير المطول التنازلات التي اضطرت السلطات القطرية إلى تقديمها في محاولةٍ مستميتة لتقليل الخسائر الفادحة التي تتكبدها على الصعيد الاقتصادي، مُشيراً في هذا الصدد إلى أنها أُجْبِرتْ على فتح السوق العقارية بالكامل أمام المستثمرين الأجانب. وقال إنه من المتوقع أن تلجأ الدوحة في الفترة المقبلة إلى إدخال تعديلاتٍ أخرى على القواعد والقوانين التي تحكم الأنشطة الاستثمارية فيها، وذلك من أجل السماح للمستثمرين القادمين من خارج البلاد بتملك شركاتٍ بشكلٍ كامل، من دون أن يكونوا بحاجة إلى العمل مع شركاء محليين، كما هو الحال الآن.
كما أبرزت الصحيفة البريطانية اضطرار «نظام الحمدين» في أغسطس من العام الماضي، إلى إعفاء مواطني 80 من دول العالم من الحصول على تأشيرة دخول مسبقة قبل وصولهم إلى قطر، والسماح لهم باستصدار هذه التأشيرة لدى وصولهم إلى مطار الدوحة، وذلك في محاولةٍ لزيادة أعداد القادمين إليها، بعد عزوف الكثيرين عن زيارة دولةٍ داعمة للإرهاب والتطرف ودعاة الكراهية.
وأشارت «فايناشيال تايمز» كذلك إلى ما لجأت إليه قطر من إصدار سنداتٍ دولية في منتصف الشهر الماضي، لجمع 12 مليار دولار، بهدف تدبير أموالٍ تسهم في سد العجز الهائل في الخزانة العامة، والناجم عن الاضطرار للسحب من الاحتياطيات المالية لمواجهة آثار العزلة المُحكمة المفروضة على الدوحة.

اقرأ أيضا

بريطانيا: الاستيطان يخالف القانون الدولي ويجب وقفه