الاتحاد

تقارير

«الحد الشمالي» وخطوط الصدع الكوري

جون إم جليونا
سيئول


لما يزيد على نصف قرن من الزمان، كان هناك خط متعرج يظهر دوماً على خرائط البحر الأصفر، وتحديداً على امتداد الحد الغربي لشبه الجزيرة الكورية. وهذا الخط المثير للجدل، المعروف باسم "خط الحد البحري الشمالي"، ظل لفترة طويلة يلعب دوراً محوريّاً في التوترات التي كانت تحدث من حين لآخر بين بيونج يانج وسيئول. وسبب تلك التوترات التي كانت تنتهي في بعض الأحيان بمناوشات واشتباكات عسكرية، هو التفسير المختلف لدى كل طرف لذلك الخط. وآخر تلك المناوشات، القصف المدفعي الكوري الشمالي في شهر نوفمبر الماضي، لجزيرة تابعة لكوريا الجنوبية الذي أسفر عن مصرع اثنين من جنودها، واثنين من سكان الجزيرة المدنيين. وتخشى أطراف دولية عديدة أن تتحول تلك المناوشات إلى حرب شاملة، وترى أن إعادة ترسيم هذا الخط تمثل نقطة بداية جيدة للتفاوض بين البلدين. ويقول "دانييل بنكستون" نائب مدير مشروع شمال شرق آسيا التابع لـ"مجموعة الأزمات الدولية": "لو طلبت مني كتابة قائمة تتضمن كافة الأسباب الممكنة التي يمكن أن تقود إلى اندلاع حرب بين الكوريتين، فإن النزاع حول هذا الخط سيأتي على رأس تلك القائمة".
وفي آخر تقرير لها حثت "مجموعة الأزمات الدولية"، التي تتخذ من بروكسل مقراً لها، الدولتين على اللجوء للتحكيم الدولي لحل النزاع حول هذا الموضوع سواء في محكمة العدل الدولية أو في غيرها.
والنزاع حول هذا الخط الذي تم رسمه عقب انتهاء الحرب الكورية في عام 1953 ينطوي على تعقيدات ناتجة عن أسباب اقتصادية وسياسية وأمنية، فـ"بيونج يانج" ترى أن هذا الخط يخالف القانون الدولي، ويحرمها من الوصول إلى مناطق الصيد وغيرها من الموارد الاقتصادية، وترغب في تحريك الخط إلى الشمال بعيداً عن حدودها بمسافة كبيرة (ما بين 20 إلى 30 ميلاً). وسيئول من جانبها رفضت مناقشة هذا الأمر، وتمسكت بوجهة نظرها القائلة إن هذا الخط قد بات خط حدود بحكم الواقع المستمر منذ عقود، وبالتالي فإنه لا سبيل لتغييره. وقال مسؤول كوري جنوبي، رفض ذكر اسمه، لأنه ليس مخولاً بمناقشة هذا الموضوع: "إن كوريا الشمالية تعترف بهذا الخط عندما تستلم مساعداتنا الغذائية التي نسلمها لها عنده... كما أننا نعيد إليها سفن صيدها عندما تتجاوز هذا الخط وتدخل مياهنا الإقليمية". وكذلك يعارض المسؤولون الأميركيون إعادة ترسيم هذا الخط، ويقولون إن ذلك لو حدث، فإنه سيتيح المزيد من الحرية لنظام بيونج يانج كي يقوم بتهريب التقنيات ذات الأهمية الفائقة بالنسبة لترسانته النووية.
والجدير بالذكر أن خط الحدود البحري الشمالي لم يكن جزءاً من اتفاقية الهدنة الأصلية عام 1953 وإنما تم رسمه من قبل الجنرال الأميركي "مارك كلارك" في أواخر ذلك العام من أجل حماية وقف إطلاق النار الهش الذي رأى أنه قد بات حينها معرضاً لخطر الانهيار. و"المفارقة في هذا الصدد أن الخط قد جرى ترسيمه في الأصل من أجل حماية كوريا الشمالية من البحرية الكورية الجنوبية"، وهذا ما يؤكده "مارك جيه فالنشيا" الباحث الرفيع في المكتب الوطني للبحوث الآسيوية في "سياتل"، الذي يوضح ذلك بقوله: "في ذلك الوقت لم تكن كوريا الشمالية تمتلك أية بحرية، على عكس الوضع القائم حاليّاً الذي تغيرت فيه الموازين". ويقول خبراء معنيون بالموضوع إن بيونج يانج قد قدمت احتجاجات بشأن خط التقسيم البحري، وهي احتجاجات مشروعة من وجهة نظرها. وأحد هؤلاء الخبراء هو "فالنشيا" الذي يقول إن الاحتجاجات الكورية الشمالية ترجع إلى حقيقة أن الخط قد جرى ترسيمه عندما كان الحد البحري المعياري للدول (خط المياه الإقليمية) 3 أميال بحرية فقط؛ أما الآن فإن قاعدة الـ 12 ميلاً باتت هي الحد المعياري. وعلاوة على ذلك فإن الخط في موقعه الحالي يقطع صيادي السمك الكوريين الشماليين عن المناطق البحرية التي تتكاثر فيها الأسماك ذات القيمة الكبيرة مثل سرطان البحر الأزرق.
ويرى "فالنشيا" أن وجهة نظر الكوريين الشماليين هي أنه "ليس من حق كوريا الجنوبية الحيلولة بين صياديهم وبين مناطق الصيد، وأن من حق أية دولة أن تكون لها حدود تقع على بعد 12 ميلاً من مياهها الإقليمية وهو حق لم يحصلوا عليه حتى الآن".
على أن القصف المدفعي الأخير للجزيرة الكورية الجنوبية وما تلاه من مناورات للبحرية الكورية لم يكن هو المظهر الوحيد للخلاف حول هذا الخط، بل إن الخط كان سبباً في صدامات عسكرية عديدة بين البلدين من أخطرها تلك التي حدثت في أعوام 1999، و2002، و 2009.
وفي شهر مارس من العام الماضي قالت كوريا الجنوبية إن البحرية الكورية الشمالية ضربت بطوربيد سفينة حربية تابعة لها تدعى "تشيونان" كانت في مهمة روتينية بالقرب من جزيرة "باينج نيونج" مما اسفر عن مصرع 46 من طاقمها.
ويؤيد العديد من الخبراء مسألة اللجوء إلى التحكيم الدولي لحل النزاع حول هذا الخط، غير أنهم ينتقدون في الوقت نفسه كوريا الشمالية لإقدامها على شن الهجمات العسكرية كطريقة للضغط من أجل إعادة بحث هذا الموضوع.
وقد اشتمل تقرير "بنكستون" المشار إليه آنفاً، على عدد من الإجراءات التي يمكن للجانبين اللجوء إليها حتى يتم التوصل إلى حل للنزاع القائم بينهما حول خط الحدود البحري الشمالي. وقد اشتملت تلك الإجراءات على استخدام ترددات لاسلكية موحدة من قبل الطرفين وتحسين نظام الإشارات المستخدم لتحديد نوايا السفن واتجاهاتها على امتداد الخط المذكور، بالإضافة إلى فتح خط اتصال بحري ساخن بين بيونج يانج وسيئول لمعالجة أية مشكلة قبل أن تتفاقم.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي إنترناشيونال»

اقرأ أيضا