الاتحاد

تقارير

باكستان: نزيف قانون التجديف!

فهيم يونس
كاتب باكستاني


أعتقد أن قوانين التجديف الجاري العمل بها حاليّاً في باكستان، والتي تسعى إلى فرض قيود على المواطنين بدعوى منع الإساءة إلى الإسلام، محاولة أخرى للتضييق على الباكستانيين، لاسيما الأقليات، وتشويه صورتهم أمام أغلبية الرأي العام، وهي أيضاً مناورة لترهيب الناس ودفعهم إلى الخضوع وتكميم أفواههم. فالتلويح باتهام شخص ما بأنه أساء إلى الإسلام هو في العمق محاولة لترويعه ومنعه من التعبير عن اختلافه حتى لو كان هذا الاختلاف بعيداً عن الجوانب العقدية للديانات التي لا يجوز أصلاً المساس بها أو الدخول في جدال عقيم حولها قد يُفسر من قبل المتشددين على أنه استهداف للدين أو نيل منه. ولكن مع الأسف تأتي عملية اغتيال سلمان تيسير، حاكم البنجاب، وهو أكبر إقليم في باكستان، لتبعث برسالة واضحة للجميع مؤداها أنه لا يمكن الاقتراب من قوانين وضعية لا علاقة للدين بها مثل قانون التجديف، وإلا فإن النهاية لن تكون مختلفة عما لقيه حاكم البنجاب الذي دفع حياته ثمناً للتعبير عن رأيه في معارضته لقانون معين.
والحقيقة أنه على رغم كل أشكال المخاطر والتهديدات فقد حان الوقت للقطع مع قانون التجديف الحالي الكامن في قلب المعركة الدائرة بين المتشددين والمعتدلين، وبين الإسلام المعتدل ودعاة التطرف والعنف وإقصاء الآخر. وهذه المعركة الثقافية والدينية الجارية حاليّاً تقوض استقرار باكستان وترسم صورة سيئة عن الإسلام والمسلمين لكل من يراقبنا في العالم الخارجي. فبعض من يدعون أنهم يدافعون عن الإسلام إنما يلحقون أبلغ الضرر بسمعة الدين الحنيف، بالإصرار على قوانين لم يأتِ بها القرآن الكريم ولا الحديث الشريف، بل العكس هو الصحيح، إذ معروف أن الخطاب القرآني واضح في حضه على التسامح وحسن معاملة الآخر المختلف بأرقى وأكرم أنواع المعاملة.
وقد بدأت المعركة التي انطلقت مؤخراً في باكستان بدفاع حاكم البنجاب عن امرأة باكستانية فقيرة تنتمي إلى الديانة المسيحية، وأم لخمسة أبناء، تدعى "آسية بيبي" بعد أن تم إيداعها السجن بتهمة الإساءة للإسلام، وبُني الاتهام أصلاً على أساس واهٍ عندما ذهبت، حسب التقارير، في قريتها لجلب الماء إلى بعض العمال في عام 2009 فرفض العمال المسلمون شرب الماء من مسيحية "قذرة"، بل سارعوا إلى السلطات لرفع شكوى ضدها لأنها تلفظت بعبارات فُسرت على أنها مسيئة للقرآن الكريم والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ما انتهى باعتقالها وإصدار المحكمة حكماً بالإعدام على المرأة المسكينة في 8 نوفمبر 2010. وحينها انبرى "سلمان تيسير" للدفاع عن المتهمة من خلال الإدلاء بتصريحات وانتقادات لاذعة ضد قانون التجديف، وبالدعوة صراحة إلى إلغاء العمل به في باكستان لما ينطوي عليه من تمييز واضح ومخل ضد الأقليات. بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك حيث طالب الرئيس بالعفو عن "آسية" ومنع تنفيذ حكم الإعدام في حقها.
وبالطبع واجهت دعوته تلك مقاومة شديدة من قبل أطراف كثيرة، حيث خرج طلبة المدارس الدينية إلى الشارع منددين بتصريحات حاكم البنجاب، ومؤكدين على ضرورة إبقاء قانون التجديف، كما أحرقوا مجسمات للحاكم على مرأى ومسمع من السلطة. وسخر مثقفون إسلاميون وإعلاميون في برامج تلفزيونية من أسلوب عيشه، هذا فضلاً عن مطالبة البعض بإهدار دمه.
وفي 31 ديسمبر المنصرم احتجت مجموعة من الأحزاب الدينية على مطالب إلغاء القانون المثير للجدل، وبدا أن حكم الإعدام صدر بالفعل ضد "سلمان تيسير" عندما تعالت الأصوات المحرضة على قتله. وفي الوقت الذي سارعت فيه الحكومة والسلطات الرسمية إلى إعلان عدم نيتها تغيير قانون التجديف خوفاً من المتشددين ودرءاً للضغوط الكبيرة التي واجهتها أصر "تيسير" على المضي قدماً في التعبير عن رأيه فلجأ إلى موقع "تويتر" وكتب رسالة قصيرة يقول فيها "لقد تعرضت لضغوط هائلة للخضوع لليمينيين بشأن قانون التجديف، ولكنني رفضت وسأبقى رافضاً له حتى لو كنت الرجل الوحيد ضده".
وبعد ذلك بفترة قصيرة وتحديداً في 3 يناير الجاري أقدم أحد حراس الحاكم الشخصيين يدعى ممتاز قادري، على إطلاق الرصاص عليه من رشاشه الآلي، وحسب وزير الداخلية، رحمان مالك، فقد اعترف قادري أمام الشرطة بأن السبب وراء فعلته هو معارضة "تيسير" لقانون التجديف ووصفه بأنه النقطة السوداء في أحد تعليقاته. والحقيقة أنها ليست المرة الأولى التي يُقتل فيها شخص بسبب قانون التجديف في باكستان، وما الاهتمام الإعلامي الواسع الذي حظي به الحدث الأخير إلا لأن الضحية هذه المرة كان حاكم إقليم البنجاب، فبفعل هذا القانون الذي يؤجج الكراهية بين الطوائف المختلفة في باكستان لقي ما لا يقل عن 101 عضو من جماعة الأحمدية، وهي من الأقليات في البلاد، مصرعهم في حوادث متفرقة منذ عام 1986 على يد متطرفين، فضلاً عن مقتل عشرين مسيحيّاً في الفترة نفسها.
أما في يونيو من عام 2008 فقد وُجهت تهمة الإساءة للإسلام لسكان بلدة "ربوة" بأكملها التي تعد معقل جماعة الأحمدية بسكانها البالغ عددهم 60 ألف نسمة. وعلى رغم كل هذه المشاكل التي يطرحها قانون التجديف ما زالت السلطات تتنصل من مسؤوليتها في ما يحدث من عنف ضد الأقليات باسم منع الإساءة للإسلام، وهي التهم التي لا تعكس الصورة الحقيقية للإسلام دين التسامح والمودة والرحمة، بل تعكس فقط نفاق بعض القوى السياسية حين تسعى إلى إرضاء المتشددين للبقاء في السلطة.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا