الاتحاد

الملحق الثقافي

عبدالله المحرقي·· قبيلة من الفنانين

ابتهالات البحارة

ابتهالات البحارة

''قبيلة من الفنانين'' تجمعت عبر رحلة طويلة من الرسم في ريشة عبدالله المحرقي التشكيلي البحريني الذي عاش صفاء البحر وهيجانه، خبر أعماق لجته وغاص في لونه المتشظي الى ألوان لا حصر لها·
اقتبس المحرقي شفافية اللون من زرقة البحر فأودعها في ثنايا أعماله التي جسدت تاريخ فن التشكيل في الخليج· لوحاته قصائد تحكي قصص رجال كانوا يبحثون عن اللؤلؤ اللامع في الأعماق·
تنقل في عوالم الهواجس والأحاسيس والآمال فجسد النساء يوم يغادر المحبون الى عالم البحر المجهول، رسم تأملات البحار وهو يسرح عينيه في أرجاء مخيفة، مندفعاً ليقطف منها درة كأثمن ما يكون·

استضافته مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون بالتعاون مع هيئة أبوظبي للثقافة والتراث والغاف جاليري في أبوظبي الشهر الماضي في معرضه التشكيلي الذي حمل عنوان ''رحلة فنان'' بحضور شخصيات اجتماعية وفنانين تشكيليين وإعلاميين وصحفيين والمهتمين بالفن الخليجي والبحريني·
عرض المحرقي 17 لوحة رسمت بالزيت وبأحجام تراوحت بين 88 ؟ 83 سم و 180 ؟ 135 سم·
حاول المحرقي في معرضه أن يجمل مختلف المراحل التي مر بها تاريخه الفني في تنقله بين المدارس الفنية ابتداء من أهم لوحة لديه وهي ''مأساة غواص'' عام ،1973 مروراً بالاشتغال على التكعيبية والسريالية والانطباعية ضمن تحولات في استخدام الألوان لكل مرحلة من تلك المراحل·
بحر وقوارب ورياح وخيول نافرة وصقور وبدو، ورجال مسنون بدشاديش بيضاء، واحتراقات وآلام حاول المحرقي من خلالها أن يعيد تشكيل العالم الذي عاشه· عرض لوحة ''الإنسان والقدر'' وهي أقدم لوحاته التي رسمها عام 1968 وفيها تجسد صراع الإنسان والوحش في عمق البحر التي يقول فيها إنه استلهم موضوعها بتأثير من أعمال بيتهوفن الموسيقية وخاصة السيمفونيتين الخامسة والسادسة حيث يصارع الإنسان ما يجهله· استبدل الألوان الخلفية من رزقة البحر الى إحمرار قاتل دموي في محاولة لاعطاء البعد التدميري المتمثل بهذا الصراع·
كما عرض لوحة ''الكبوة'' التي رسمها أيضاً عام 1968 بالألوان الزيتية، والتي عبرت عن نكبة حزيران عام 1967 ضمن ترميز دلالي واضح للوضع العربي آنذاك·
طرق المحرقي موضوعات محلية وأخرى قومية وثالثة جمالية، حتى أنه لم ينس البعد الإنساني في تضرعات البشر الى السماء، وقصة الخلق ورحلة الوجدان الديني الى الصفاء الإلهي·
توحي أعماله التي تنوعت توجهاتها بتأثره بأساليب كبار الفنانين العالميين الا ان المتلقي يصاب بالدهشة وهو يبصر سر الوجود الكوني وخبايا التضرعات الصوفية وقسوة الحياة بحثاً عن لقمة العيش ليكتشف أخيرأ أن هذه اللوحات هي مدرسة بحد ذاتها مزجت الواقع والفن في جدلية آسرة·
أسفار العاشق
ولد المحرقي في 1939 في بيت جاور البحر، ومن والده النوخذة شرب الأسفار، فتلذذت ريشته بطعم الملح اللاسع، ولأنه مفطور على حكايات الغوص التي كان يرويها أبوه، حاول أن يجسدها في رموز محمولة فوق خطوط اللوحة· مدن، وشدائد وخرافات وأساطير وحكايات لا حصر لها بدأ يسردها ابن المنامة منذ أن بلغ الثانية عشرة من عمره·
احترق المحرقي في خيالاته الآسرة، التي بدت لا حدود لها، ومثلما يذهب البحار بعيداً الى حيث لا يعرف أين يرسو مركبه الأسيان، قرر عبدالله المحرقي أن يرحل الى المعرفة، وفي عام 1955 سافر الى مصر فقطف من كلية الفنون التشكيلية في القاهرة عام 1957 بكالوريوس الفنون الزخرفية، ولم يكتف بدانته الأولى تلك فارتحل ثانية الى دمشق فنال منها إجازة الرسم بامتياز عام ·1971
المحرقي راوية الحكايات الغريبة حين يسرد حكاية الرجل الخمسيني أحمد الذي تزوج للمرة الثانية بامرأة شابة ورزق منها بصبي أسمياه عبدالله، وعلى الرغم من تقدمه في السن، كان أحمد الذي عمل قبطاناً بحرياً ''نوخذة'' يصطحب ابنه في كل رحلاته البحرية في عرض الخليج العربي، لكن في أحد الأيام الخوالي وفي إحدى المناطق الخطيرة في رأس التنورة، تعثر الصبي ووقع من مركب والده في البحر فتلقفته موجة فعلت سحرها فيه وزرعت نورها اللازوردي في قلبه فتماهى بها، وللمصادفة أن مركبا آخر ـ وكل ذلك ووالده لا يعرف أين ذهب البحار الصغير عبدالله ـ أنقذ الصبي من الغرق في الموت الذي كان قاب قوسين منه أو أدنى، فأعاد المركب الصبي الى والده ممزوجاً بسر لمعان الموجة الغريبة التي أرادت أن تأخذه الى عالمها السحري قبل لحظات·
مرحلة الحكايات
جلس عبدالله أمام والده أحمد واستمع الى حكايات الموت والغوص بحثاً عن اللؤلؤ فروى له أحمد معاناة الفقر والعوز وما حصل لأحد البحارة حين ظل أشهراً طويلة في عرض البحر حتى هاجمه القرش وابتلعه بعيداً عن مركبه الحزين، ذلك هو الجد المحرقي الذي ترك أحمد واخته وحيدين سرعان ما انتقلا من المحرق الى المنامة حيث تزوجت الأخت في مسرات ممزوجة بالأوجاع·
يسرد المحرقي قصة ثلاثة أجيال، الجد، والأب والابن في خطوط وألوان لوحاته فيفيض وجداً ويحتج كثيراً ضد الألم والقسوة فلم يجد طريقاً أوضح من أن يسجل حياة أبناء البحرين والخليج وعاداتهم·
نهل المحرقي من تراث أجداده ومن مغامراتهم وهم يشقون عباب البحر نصفين، ذاهبين الى أبعد المديات، سادة للبحر، وملوكا للأسفار حتى جاءت لوحته ''مأساة غواص'' التي نال عنها جائزة جرولا دورو عام 1980 في إيطاليا باعتبارها تحفة فنية تعمق من خلالها في قراءة تاريخ لا ينسى لأولئك الرجال بشكل رومانسي خلاب·
يتلقف الفكرة، وتتوهج في مخيلته فيبحث عن الأسلوب الذي سوف يعجنها فيه، قد يكون الأسلوب تكعيبياً، أو سريالياً، أو واقعياً أو خارج المدارس كلها·
ابتدع المحرقي مدرسته الخاصة التي تشربت من كل المدارس، فصارت مزيجاً، اقترب من دي لاكروا، ومن الانطباعيين ومن بيكاسو في أكثر تحولاته، فعده النقاد الأب الروحي للفن التشكيلي الخليجي عامة والبحريني بخاصة·
لم يسلم العالم من سخرية المحرقي ولا من جدية تصويره لتناقضات الحياة، فخرجت من بين أصابعه روائع التصورات، ثمة شيء لابد أن يجذب الناظر الى لوحات المحرقي، ذلك هو مشهد السفن عند المغيب أو ملامح عجوز يستريح في مقهى أما العارفون بأسرار الرسم فيرون فيها تحفة بحرينية، ولا شيء يضاهي روعة حركاته السريالية المكثفة بالمشاعر والمعاني·
معاني اللوحات
كل لوحة لديه فيها قصة يرويها الفنان نفسه وعندما نسمع الحكاية التي يرويها الفنان نفسه تختلف نظراتنا إليها مجدداً والى تاريخ سواحل الخليج وتلك هي قصص لوحاته:
لوحة المخنق رسمها عام 1984 بألوان زيتية وبحجم 117 في 96 سم فتاة تلبس المخنق - من الخنق - وهو لباس تقليدي في الخليج حاول المحرقي من خلاله أن ينقل معاناة المرأة حين يذهب الرجل الى الغوص·· انها تختنق بالمخنق الضاغط على رقبتها والرجل يختنق بالموجة في أعماق البحر·
لؤلؤ نازل من أسفل المخنق كأنه الدمع، أما القماش الذي توضع عليه اللآلئ فلونه الأحمر القاتم أشبه بالدم· إنه تصوير رمزي عالٍ· رموز في فضاءات اللوحة المحيطة بالفتاة كأنها أعماق البحر بين البياض والازرقاق، الرجل الغاطس مع آلة الغوص ''السلة'' يملأ فضاء الوجه المختفي للفتاة، انها كل الفتيات بدون استثناء حين يتذكرن الرجال في لجة البحر· أما العقربان اللذان رسما على جانبي كتفي المخنق فهما رمز للخنق أو لنقل للسعة التي يخلفها المخنق على الرقبة·
من أعلى دائرة المخنق على الوجه الدائري للفتاة نجد فكين مفتوحين بأنياب بارزة بيضاء تجسيداً لفكي القرش المفترس وثمة ظلال لحالة توحد وغياب يتأرجح بين الواقع والحلم، الرضا والمعاناة، الخوف والترقب في توزيع لوني بين الأزرق والأحمر والبياض والمذهبات المطرزة للثوب·
في لوحاته الرافض 1973 ومأساة غواص 1973 والانتقام 1977 والإسراء والمعراج 1981 وسقوط آدم 1979 ونفوس منطوية 1980 والعقاب المستديم 1988 والمعراج 1993 وإنسان وقدر 1968 ـ من أقدم لوحاته ـ كذلك الكبوة 1980 ولقمة العيش ،1979 نجد رؤية المحرقي في رحلة فنان منذ ان ابتدأ يصور الألم، فكان أميناً لعطاياه التي رضي بها الجميع قدراً·
لوحة ''لقمة العيش'' بالألوان الزيتية ظلت بمثابة جزء من لوحة ''المخنق'' وبخاصة الجزء العلوي من رأس الفتاة· بين فكي القرش المخيف يخرج رأس الغواص كما تخرج يداه المكتنزتان بالعضلات القوية ليعد حبات اللؤلؤ على قماش أحمر بلون كأنه الدم منساباً الى مقدمة اللوحة· أما جوف القرش فيبدو أسود كالجحيم في غياهب الظلمة التي لا قرار لها·
أما لوحة العقاب المستديم 1988 وبالألوان الزيتية وبحجم 130 ؟ 105 سم فهي تعبير عن المصير المشدود الى اللانهاية بين البحار وقاربه المتداعي عند الساحل والذي لا فكاك من علاقتهما الآيلة للنهاية المأساوية عبر اللون الأصفر الطاغي باستخدام جميل تجلت فيه كل الأعماق القدرية ضمن هذا العقاب السديمي·
كذلك في لوحة البحث عن هوية 1994 بالألوان الزيتية 132 ؟ 109 سم فالإنسان لديه كما شجرة جافة تمد جذورها الى أعماق الأرض باحثة عن هوية لوجودها وهي تعالج هذه الموضوعة بشكل حديث مرمز·
ولا يبتعد في بعض أعماله عن اقتناص اللحظات المؤلمة في حياة الإنسان وبخاصة التي تتعلق به شخصياً، ففي لوحة ''الأيام الأخيرة'' 1975 بالألوان الزيتية 80 ؟ 62 سم يلتقط لحظة هدوء عاشها والده قبل أيام من وفاته هي لحظة ''الغفوة'' التي يعد فيها والده ـ بين الصحو واليقظة ـ حبات مسبحته· ومن الطريف أن هذه اللوحة قد اشتراها محمد عبدالله المحرقي ابن الفنان ليحتفظ من خلالها بذكرى جده مجسدة في صورة·
يبقى أن عبدالله المحرقي صاحب مواقف في أغلب لوحاته، ففي لوحة الكبوة 1968 تحدث فيها عن نكبة حزيران مصوراً الفارس العربي الذي سقط عن فرسه إلا أن المحرقي بالرغم من مأساوية معنى النص التشكيلي فإنه وضع بلمساته الذكية روح الأمل عبر رموز الشمس الساطعة في الأفق وسط سماء زرقاء آتية لا ريب أملاً بالانتصار·
وللمحرقي أسلوب آخر اختطه أسوة بالفنانين العالميين، إذ بدت في بعض أعماله اهتمامات باللون الأزرق القاتم وتدرجاته مشابهة بالفترة الزرقاء البيكاسوية، إلا أن المحرقي لا يأتي بهذا اللون اعتباطياً، كونه قد امتزج به مادام هو لون البحر الذي جاوره العمر كله وذلك ما نجده في لوحات ''لعبة الأمم'' 2006 والوهم 1994 وسباحة في الذاكرة 1994 والرحيل 2006 والخطر في الأعماق ،1993 وعلى الساحل ،1998 وأغلبها تروي حكايات عن البحر والسماء وامتزاجهما بالازرقاق الطاغي·
التأمل الديني
أما التأمل الديني وابتهالات البحارة بين لجج البحر فلا يأتي اليها المحرقي مباشرة، في محاولة منه لتجنب التقريرية في الرسم وذلك بأن يخلق تأملات مجاورة، رائعة تقارب الموضوع بشكل شفيف وبخاصة في لوحتيه ''اقرأ باسم ربك'' 1977 والتوبة ,·1977 حيث نجد في لوحته الأولى شفافية اللون الواحد المتدرج في كامل اللوحة والتركيز العالي لرجل مسن يخط على لوح ''اقرأ باسم ربك'' بعد أن انتهى من كتابة ''بسم الله الرحمن الرحيم'' في روعة اقتناص اللحظة وانهماك الوجه المختفي نصفه وكأن المشاعر واكتنازها لديه تتجسد في عروق يد الرجل المسن التي تخط هذه الحروف المقدسة· أما التوبة فهي تعبير عن تلاحم الأعلى المثالي والأسفل الواقعي بين السماء المتقبلة للدعاء والأرض التي تفيض ماء لروح هذا الدعاء الصادق· إنها لوحة يعمقها بالنهر النوراني الصاعد من الأسفل الى أعالي السماء، فيض من نهر بالرغم من واقعيته الظاهرة في الأسفل، إلا أنها رمز لتأملات دينية كونية باستخدام الحروف العربية بشكل لا يبدو قسرياً بل نابع من اللوحة ذاتها بتلقائية جميلة·

اقرأ أيضا