الاتحاد

تقارير

ساركوزي: ثبات على المهمة الأفغانية

فرنسا هي ثاني دولة بعد أميركا من حيث التزاماتها العسكرية الخارجية

فرنسا هي ثاني دولة بعد أميركا من حيث التزاماتها العسكرية الخارجية

ينتمي الجنود العشرة الفرنسيون القتلى والجرحى البالغ عددهم 21 في أفغانستان مؤخراً- أي ما يعادل مفرزة عسكرية كاملة، وهو المعدل الأعلى لعدد القتلى والجرحى من الجنود الفرنسيين منذ الحرب اللبنانية في عام 1983- إلى كتيبة تولت مهامها في العاصمة الأفغانية كابول قبل أسبوعين فقط· وقد كان هذا الحدث ضربة موجعة لفرنسا، ومستفزة أشد الاستفزاز لمشاعرها، إلى حد عجل بزيارة الرئيس نيكولا ساركوزي لكابول أول من أمس الثلاثاء، عقب عودته مباشرة من الرحلة التي قام بها إلى جورجيا، حيث شارك في المفاوضات التي أسفرت عن حل النزاع الروسي-الجورجي هناك· والقصد من هذه الرحلة الأفغانية زيارة الجنود الفرنسيين بالطبع·
وقد أصدر كل من ساركوزي ووزير دفاعه هيرفي مورين -الذي استفزه وأغضبـــه الحادث كثيراً- بيانات أعلنا فيها دعمهما القوي للمهمة الفرنسية في أفغانستان، التي طالما أكد ساركــوزي دعمه المستمر لها باعتبارها مسألــة تتعلق بالأمن الدولي ومسؤولية حلف ''الناتو''، خلافاً لموقفه من الحرب على العراق· وقد تمكن ساركوزي تدريجياً، وببطء، من تحويل مسـار الحــــوار العـــام فـــي بــــلاده، إلى دعم قوي للمهمة الفرنسية العسكرية في أفغانستان·
وخلافاً لبقية القادة الأوروبيين، تحول ساركــوزي نحو تبني مصطلح ''الحرب على الإرهاب'' وهو التعبير الذي لا يحظى بأية شعبية تذكر على نطاق القارة الأوروبية كلها، إضافة إلى عدم شعبيته داخل فرنسا نفسها· وجاء في البيان الصادر عن ساركوزي قوله: ''يظل دعمي لمهمتنا في أفغانستان ثابتاً لا يتزعزع، وتظل فرنسا على عزمها الذي لا يلين على مكافحة الإرهاب والقتال من أجل الديمقراطية والحرية· ولعدالة هذه القضية، فإنه لشرف كبير لفرنسا وجيوشها أن تدافع عنها''·
هذا ومن المتوقع أن تبعث فرنسا 700 جندي، في موجة جديدة من نشر قواتها في أفغانستان، ما يؤدي إلى رفع عدد جنودها هناك إلى 2600 جندي بنهاية شهر أغسطس الجاري· وإلى جانب العمل العسكري، استضافت باريس مؤتمر مانحي أفغانستان الرئيسي في شهر يوليو المنصرم، بحضور الرئيس الأفغاني حامد قرضاي بصفة ضيف شرف فيه·
غير أن مصرع وإصابة عدد كبير من الجنود الفرنسيين في هجمة إرهابية واحدة، ربما يدفع المسؤولين الفرنسيين إلى توخي قدر كبير من الحساسية في التعامل مع ردة فعـــل الرأي العام الفرنسي· ففي انتخابات عام 2007 العامة، كان مصرع عدد كبير من الجنود الفرنسيين في أية ساحة من ساحات التحالف العسكري مع الولايات المتحدة الأميركية، بمثابة كابوس ظل يقض مضاجع الساسة الفرنسيين حتى نهاية الانتخابات· ولعل هذا ما دفـــع الرئيس ساركـــوزي إلى ابتعاث عدد أقـــل بكثير ممـــا أمل فيه نظيره الأميركي جورج بوش، إلى أفغانستان·
وقد تباينت واختلطت ردود الفعل في الشارع الفرنسي حتى الآن إزاء مصرع وإصابة العدد المذكور من الجنود الفرنسيين· وضمن ردود الأفعال هذه، تساءل أحد المعلقين على الخبر الرئيسي الذي بثه الموقع الإلكتروني لصحيفة ''لوموند'' عن الحادث، متى سيأتي الوقت الذي تناقش فيه هذه المسألة داخل البرلمـــان الفرنسي؟ إلى ذلك علق آخرون على الافتتاحية التي نشرتها صحيفـــة ''Rue 98'' المستقلة بما يحمل تأكيدات على شعور فرنسي عام بأن الحرب الأفغانية هذه فقدت معناها بالنسبة للكثير من الفرنسيين، إلى جانب مطالبة بعضهم بالتفاوض مع حركة المتمردين بدلاً من الاستمرار في خوض حرب استنزافية طويلة معهم· وعبر مؤتمر صحفي تلفزيوني قال وزير الدفاع ''مورين''، إن الحــرب الأفغانيــــة كانــــت تسيــــر علــــى مـــا يرام حتى عـــام ،2006 إلا أن تغيراً طرأ على قدرات حركة ''طالبان'' من حيث تزايد مستوى تسليحها وزيادة عدد مقاتليها، إضافة إلى اختلاف في مستوى أدائهـــا القتالي·
هذا وتعرف فرنسا بأنها ثاني أكبر دولة على مستوى العالم- بعد الولايات المتحدة الأميركيــة مباشرة- من ناحية عدد جنودها المرابطين خارج الحدود، ومن حيث سعة العمليات والمسؤوليات العسكرية التي تتولاها في شتى أنحاء العالم· وفوق ذلك يعرف الجيش الفرنسي -لاسيما القوات الخاصة التابعة له- بدرجة عالية من الكفـــاءة والمهنية الحربية، ما جعل منه مثار إعجاب واسع النطاق· وليس ذلك فحسب، بل إن لهذا الانتشـــار العســــكري الخارجي الفرنسي -خاصة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا- علاقة كبيرة بثقل تأثير فرنسا، وهو أبعد ما يكون عن التجريد المثالي الذي اتسمت به المهمة الأفغانية الأخيرة، بحكم ارتباطها بالدفاع عن مفاهيم مجردة لا تخص فرنسا مباشرة، مثل مفهوم حماية الأمن الدولي·
ولكل هذه الأسباب، فقد ساد الشعور على امتداد عدة سنوات بأن في وسع الجيش الفرنسي تحمّل سقوط عدد كبير من جنوده المقاتلين في الخارج، دون أن تكون لذلك ردود فعـــل غاضبــة تذكر داخلياً· يذكر أن الحادثة المشار إليها، قد وقعت بين مجموعة من الجنود أثناء قيامهم بمهمة استطلاعية ضد أحد معاقل حركة ''طالبان'' على بعد 35 ميلاً شرق العاصمة كابول· وتعتبر تلك المنطقة التي تغلب فيها قبائل البشتون، منطقة متعاطفة مع حركة التمــرد·

روبرت ماركواند - باريس
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا