صحيفة الاتحاد

دنيا

المخور: من مطرزات التلي إلى نقوش التيبت والصين


تحقيق- موزة خميس:
أينما وجدت المرأة وجد الجمال، فهي أينما كانت وبما يتوفر لديها، مهما كان بسيطا، لابد أن تضفي الرونق والجاذبية على ماحولها، ليتبدى هذا الجمال في صور ومظاهر متعددة، ويمتد إلى مختلف تفاصيل الحياة المتعلقة بالمرأة وزينتها، ويستوي في ذلك جميع النساء· وقد شغفت المرأة في الإمارات بـ'الخوار' أو -إضافة اشكال من التطريز الى خامة الثوب- منذ زمن بعيد، غير ان ذلك التطريز كان مقتصرا على ثوب العيد والسروال التابع له، أو على ثوب وسروال العروس، وفي بقية الأيام كانت المرأة ترى بأثواب ملونة مطبوعة النقوش كما جاءت من المصنع، حيث لا تضيف لها اية رسومات·
وقبل أن تدخل ماكينات الخياطة إلى الدولة في الماضي البعيد عمدت المرأة إلى حبك جدائل من الخيوط القطنية البيضاء أو الملونة-حسب الرغبة- مع خيوط من الفضة تباع بالتولة والتولة مقدارها 11 جراما وتسمى 'خوص' مما يشير إلى أن تلك الخيوط هي من الفضة الخالصة· وكانت عملية الحبك تلك تتم عن طريق'الكاجوجة' وهي قاعدة عبارة عن مقعد لولبي من المعدن الخفيف، لها مقبضان صغيران توضع بينهما وسادة بيضاوية الشكـل ويحفظ هذان المقبضان الوسادة من الوقوع أو الحركة عند العمل، وتسمى العملية خدمة التلي·
نتاج البيئة
كان التلي بديلا عن 'الخوار' التطريز وهو عبارة عن عدة خيوط ملونة· والخيط الرئيسي هو عبارة عن خيط من الخوص، وقديما كانت خيوط الصوف بديلا عن الخيوط القطنية التي دخلت فيما بعد· ويتكون كل خيط من الصوف من ستة خيوط ملفوفة على دولاب مدور من الخشب، والتّلي يتكون من ستة دواليب من الصوف وواحدة من خيوط الخوص تسمى(بكرات) ومحليا تسمى(دحروي)، والخيوط تسمى هدوب وهي لفظة عربية جاءت من أهداب، وتنتهي المرأة بإنتاج شريط مجدول عن طريق الحبك منظوم بشكل هندسي دقيق·
ومن أشهر النساء اللاتي عرفن بالبراعة في خدمة التلي في بيئتهن قديما 'الوالدة مريم علي' التي أخذت الخدمة من أمها وكبرى أخواتها، وكانت تنتج لنساء الأسرة مايكفي لزينة ثوب وسروال لكل واحدة منهن، كما كانت تصنع التلي لجارات أمها، وتقول عن ذلك:
الذي فطنت اليه ان المرأة في الإمارات ومنذ جيل جدتي تهتم بإضافة التطريز إلى ملابسها قبل أن تعرف مكائن الخياطة والتطريز، وقبل أن تدخل كاتالوجات تفصيل الملابس أو تصميم النقوش، إذ كنا ننقش على الفطرة، فنحن جبليون، جبلنا ربنا على أن نبتكر في لحظة الإنتاج ونستقي نقوشنا من البيئة من حولنا، وكان اقرب شيء للمرأة أن تستفيد من خيوط الصوف التي تنتجها من الأغنام أو من وبر الجمال، وأصبحت فيما بعد تلون تلك الخيوط من مواد عشبية طبيعية، ثم أدخلت خوص الفضة·
موديلات التيبت والصين
في الأسواق التي تضم محال التطريز والخياطة لا تكاد ترى الجدران من فرط تزاحم الموديلات المعروضة، حيث تجمع تلك المحال بين التصاميم القديمة تلبية لرغبات وحاجات السيدات الطاعنات في السن اللاتي مازلن متمسكات بالنقوش والتطريز القديم، مرورا بتصاميم الأعوام الماضية إلى موديلات ،2005 حيث قال لنا زمير أحمد صاحب احد المحال: أن المرأة في الإمارات لديها حس فني حتى لو لم تكن تهوى الرسم، مؤكداً انه وعلى مدى 20 عاما تمثل المرحلة التي كان يتدرب فيها على يد والده الذي يعمل منذ 35 عاما في الإمارات، كان يلاحظ في كل عام أن النساء والفتيات يحضرن معهن أوراقا رسمت فيها النقوش والموديلات التي يرغبن في تطريزها على ملابسهن، وكانت محال الخياطة تقوم بتصوير تلك التصاميم وتدرجها في البومات تعرضها على الآخريات ممن يعشقن التطريز ولا يعرفن ما الجديد·
ويشاركه في الحديث المصمم نديم: الآن أصبحنا نقوم بوضع تصاميم شهرية بالعشرات لأنواع مختلفة من النقوش، ويتم أختيار لون التطريز بما يتناسب وقطعة القماش التي تأتي بها المرأة حيث نرى الألوان ونوعية القماش، وقد تختار المرأة ألوان خيوط الخوار أو تسأل عن المناسب ونقوم بعرض مجموعة من الخيوط تتسق وألوان القماش لكي تختار ما يناسب ذوقها، ويعتبر سوق التطريز والخياطة في الإمارات من أكثر الأسواق حظوة بالإقبال في الخليج، حيث تأتي آلاف السيدات من دول الخليج لتطريز ملابسهن هنا طوال العام في مواسم الإجازات من أجل العيد أو المناسبات السعيدة الأخرى·
عقدة السلسلة
وفي محل تطريز آخر تحدث محمد شاهد أعظمي فقال: قديما كان 'خوار' المرأة وتطريز أثوابها يعتمد على عقدة السلسلة وهي من أبسط العقد وكانت أول عقدة توفرها مكائن الخياطة للتطريز· وفي بداية السبعينات أعتمدت المرأة في الإمارات على النقوش القادمة من الهند، حيث توفر الفنون الهندية الخاصة بالأشغال اليدوية المئات من النقوش والألوان· ولكن المرأة في تلك الفترة كانت تركز على الخيوط الذهبية والفضية، وكانت لا تزال تحرص على إضافة التلي إلى أثوابها الشعبية، ثم دخلت النقوش الكشميرية، والموديلات المغربية بتطاريز من حبال مصنوعة من خيوط الحرير أو الخيوط الفضية أو الذهبية·
ويواصل: ولكن يبقى أن المرأة الإماراتية لا تستغني عن الثوب المخور أو الكندورة أو الجلابية المخورة، ونحن نستلم قطع القماش لتطريزها لعيد الفطر في شهر شعبان، ونرفض أستلام أي قطعة في رمضان لأننا نخصص شهر رمضان للعمل والإنجاز·
وهكذا طورت المرأة ثوبها المخور الذي لا تطيق التخلي عنه، رغم دخول المئات من القصات والألوان والأثواب الأخرى، وهي دائما ماتضيف له الجديد ليواكب التطور الحادث في حياتها اليومية، والذي تحرص على أن تسخره بما يتناسب والكثير من العادات التي تحتفظ بها ولا تفرط فيها·