الاتحاد

تقارير

أوباما بين السياسة والدين

في أعقاب الندوة الرائعة التي استضافها القس ''ريك وارين'' راعي كنيسة ''سادل باك'' في مقاطعة أورانج الأميركية، بدأ الجميع يركزون على الفوارق بين المرشحين الرئاسيين الاثنين ''الجمهوري'' جون ماكين و''الديمقراطي'' باراك أوباما· بيد أن الأمر الذي قد يكون أكثر إثارة للاهتمام هو أن يتم التركيز على الفوارق بين أوباما المثقف المتدين وبين أوباما السياسي·
أثناء الندوة سأل القس ''وارين'' المرشح الرئاسي أوباما: ''هل يوجد الشر؟ وإذا وجد هل نتجاهله، أم نتفاوض معه، أم نحتويه، أم نهزمه؟''، كان رد أوباما: ''إن الشر موجود في كل مكان: في دارفور، وفي شوارع المدن الأميركية، بل وفي القلوب· واستئصال جذور الشر تماماً من هذا العالم بواسطة البشر أمر قد يكون مستحيلاً، لأن هذه هي مهمة الرب· غير أنه يمكن للبشر مع ذلك أن يلعبوا دور الجنود في مواجهة الشر في أي مكان يقابلونه فيه''·
وعندما توجه القس بسؤال لأوباما المتدين عن أفدح الأخطاء الأخلاقية، التي يعتقد أن أميركا وقعت فيها، رد أوباما بالقول إن أفدح الأخطاء قد تمثل في عجز الأميركيين الجماعي عن الالتزام بنص العظة التي جاءت في ''إنجيل متى'' والذي يمكن ترجمة معناه على النحو التالي: ''إن أي شيء تفعله حتى لو كان من أجل أقل إخوتي قدراً سيكون من أجلي أنا أيضاً''·
بالنسبة لأوباما السياسي، فإن تلك الاقتباسات من الكتب المقدسة تتحول من عظة إلى أمر سماوي موجه للجميع، يوظفه لفرض آرائه الدينية على الآخرين، عندما يتعلق الأمر بقضايا مثل محاربة الفقر، والاحتباس الحراري، والعنصرية··· وما إليها· أما عندما يتعلق الأمر بمناقشة موضوع مثل الإجهاض، فإن أوباما السياسي يلجأ إلى سياسة اللاأدرية الأخلاقية، وسياسة ''دعه يعمل دعه يمر'' الليبرالية· فعندما سئل أين تبدأ الحياة باعتبارها موضوعاً قانونياً، فكر أوباما قليلاً قبل أن يبادر بالرد ''إنها تبدأ مباشرة فوق درجتي المالية''·
بعد ذلك قال أوباما لـ''وارين'' إنه يريد تخفيض عدد حالات الإجهاض· ثم أضاف وقد اكتسبت ملامحه درجة من الجدية: ''مما يؤسف له أنه كان لدينا خلال السنوات الثماني الماضية رئيس يحارب الإجهاض، وهو ما كان سبباً في أن عدد حالات الإجهاض لم تنخفض'' (لم يكن ذلك صحيحاً حيث تشير إحصائيات معهد ''جاتاماتشر'' الى أن عدد تلك الحالات قد انخفض بالفعل)·
وكرر أوباما خلال مقابلته مع ''وارين'' موقف ''الديمقراطيين'' التقليدي من هذه المسألة، والذي يمكن تلخيصه في المقولة المألوفة ''إنني أقول ذلك ليس لأنني مؤيد للإجهاض، ولكن لأن النساء يتصارعن مع مثل هذا الشيء صراعاً شديداً)· لم يقل أوباما إن مثل ذلك الصراع من جانب النساء ليس كافياً، ولا يمكن اعتباره بديلاً عن تحديد السياسة المناسبة التي يتعين اتباعها بشأن موضوع مثل الإجهاض· يُشار في هذا السياق إلى أن أوباما، وعندما كان رئيساً للجنة الخدمات الصحية والإنسانية في مجلس شيوخ ولاية ''إلينوي'' عام 2003 تلقى تقريراً موقعاً من إحدى الممرضات القانونيات تشهد فيه بأنها قد رأت بالصدفة أماً تلد طفلاً حياً بعد إجهاضها، ولكن ذلك الوليد أخذ بعد ذلك إلى حجرة مرافق قذرة وتُرك هناك حتى مات· من المؤسف أن أوباما في ذلك الوقت، لم ير أن تركَ مولود كي يموت، لأنه وُلد نتيجة إجهاض الأم يُعد أمراً يحتاج إلى مواجهة فورية· وليت الأمر توقف عند ذاك الحد، بل قد ندهش إذا عرفنا أن أوباما شخصياً قاد المعركة ضد اعتماد القانون الفيدرالي المعروف بـ''قانون حماية الأطفال المولودين أحياء''، وهو قانون كان كفيلاً بمعاملة الأطفال الذين يولدون أحياء عقب عملية إجهاض على أنهم أرواح بشرية- على الأقل لفترة قصيرة·
حتى الأسبوع الماضي ظل أوباما ينكر أنه قد اتخذ هذا الموقف، ولكن حملته اعترفت مؤخراً بأنه كان يكذب عندما قال إن المدافعين عن حق من يولدون أحياء عقب عمليات الإجهاض كانوا يكذبون·
كان من بين ما قاله أوباما المثقف-المتدين في كنيسة ''سادل باك'' أيضاً: ''هناك الكثير من الشر الذي قد نرتكبه عندما نزعم أننا نواجه الشر· لذلك فإن اعتقادنا بأن نوايانا جيدة قد لا يعني بالضرورة أننا سنفعل الخير''، نعم، ولكن ذلك ربما يعني أن أوباما المثقف-المتدين يجب أن يتصارع قليلاً مع أوباما السياسي·

جونا جولدبرج
محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا